آخر تحديث:12:54(بيروت)
الجمعة 23/03/2018
share

"الرسام تحت المجلى": دراسة الفلاسفة.. بالعكس

كه يلان مُحمَد | الجمعة 23/03/2018
شارك المقال :
"الرسام تحت المجلى": دراسة الفلاسفة.. بالعكس مادة الرواية منتقاة من حياة فنان عاش في بيت جد الروائي.
وضع نيتشة الفلاسفة الذين تتصف ضحكاتهم بطينة ذهبية في صدارة تراتبيته. فبرأي صاحب "هكذا تكلم زرادشت"، أنَّ الضحك هو نوع من تفلسف لمواضيع جادة، إذ يتمكن الإنسان مناوشة ما إتخذ قالباً منطقياً بفلسفة مرحة بعيداً عن الإلتفاف والتعقيد والمُفاهيم الوعرة التي لا تكشف، بقدر ما تُعتمُ. ومن المعلوم أن الرواية أثارت سخط المتزمتين منذ البداية لكونها فناً مُطعماً بالسخرية والمرح المشاغب الذي لا يَحيدُ عنه الكاتب البرتُغالي أفونسو كروش لِمُناقشة التحديات، التي تتراكم مع تطور الحياة وتعقيد أسلوب العيش دون الإنجرار خلف جمل وعبارات وعظية مُباشرة، إنما يُفضلُ مقاربة الموضوعة الجوهرية بسخرية لاذعة وذلك ما اتبعه في روايته القصيرة "هيا نشترِ شاعرا"، حيثُ يظهرُ غرق عالمنا في الماديات وتخشب المشاعر وغزو الأرقام لدقائق يوماتنا. إذ لم يَعدْ هناك مفهوم متموضع خارج سلطة المادة وإشتراطاتها القاسية والمنطق النفعي بما فيه الأحساسيس والمدارك، لذا فمن الطبيعي أن يكون دور الفن والأدب مُقصراً على الجانب الديكوري، وليس مُنعكساً لأحلام الإنسان وتطلعاته لواقع أفضل. 

يتناولُ مؤلف "دمية كوكوشكا" في رواية "الرسام تحت المُجلي" ظاهرة التمييز الهوياتي والمنفى ومناهضة المنطق التقليدي إلى جانب معاناة الغياب والحرب، كل هذا يتمُ رصده إنطلاقاً من حياة شخصيات الرواية بأُسلوب إنسيابي مُتَسَلْسِل، تستشفُ منه إهتمام الكاتب بإثارة السؤال عما هو المتعارف عليهن كما أن النزعات الفلسفية مبثوثة في جسد النص دون أن يعني ذلك تحويل المادة الروائية إلى التنظير، والدرس الفلسفي.

حياة بسيطة
بعد المقدمة التي تكشف هوية الفنان الذي استوحي أفونسو كروش من وقائع حياته مادة عمله، يعودُ الراوي إلى طفولة جوزيف سورس وبيئته العائلية الحاضنة وإرهاصات القابلة بأن المولود سيكون فناناً وعدم إرتياح الأم بنبوءة ماريخا، كون هذا الصنف من البشر محكوماً عليه بأنَّ لا يرى الأشياء في صورتها المُعتادة، ولا يتآلف مع العالم في طبيعته المُنَمَطة. ما يعني أن الفنان شخص مسكون بالحزن الأبدي، فعلاً أن جوزيف سورس ابن كبير الخدم في بيت عقيد مولر يميلُ إلى الرسم، ويجوبُ في شوارع مدينته بحثاً عن أعين ليرسمها، وتتصفُ آراؤه بطابع غرائبي مُقتنعاً بأن المرء أن يتحاشى الوقوع في فخ تفرع إهتماماته وغاياته. وإذا نجح في ذلك فيمكنُ له أن يبلغ أماكن قصية ليس زمانيا ومكانيا فقط، بل روحياً أيضاً وهذا المبدأ توصل إليه بواسطة فلسفة أندرونيكوس التى تضرب مثالاً بالشجرة، وهي إذا لم تتفرع بل إمتدت عمودياً مثلما تمتد الجذور في العمق ستصل إلى مديات أبعد. لكن ما يحول بين الفنان والإلتزام الكامل بهذا المبدأ، هو حبه لجارته فرانتيشكا الصبية التي سبت قلب جوزيف بحيث فرد كثيرا من أوراقه لرسم تلك الجارة وسماها بكتاب اللانهائية. هنا يتبين بأنَّ الحب يتخذ دلالة صوفية وعرفانية لاسيما إذا فسرتَ تصرفات الفنان على ضوء ما يقوله عن المحبين"أن العالم بأسره يشدنا إلى الأسفل لكن أيدي من يًحبوننا تدفعنا إلى أعلى بدون كلل"... هكذا يتقاسم الرسم وحب فرانتيشكا حياة جوزيف ويتلقى الدروس من المربي هافل كوبيكي الذي كلفه العقيد مولر بإعطاء دروس فلسفية لإبنه وجوزيف لكن الأخير يعالج رتابة ما يسمعه من الأستاذ بالوقوف على اليد، وهو لايشغله سوى فرانتيشكا. وعندما يطلبه هافل كوبيكي بالكف عن تلك المشاغبات، يرد قائلاً "يجبُ دراسة بعض الفلاسفة بالعكس"، ومن المفارقات اللغوية التي يضمنها الكاتبُ في روايته أن والد جوزيف يذهب ضحية لعدم فهمه معنى جملة مخدومه غوستاف مولر، عندما قال أن ما تحمله في صدرك ويقصد به القلب البشري هو أشتد أسلحة فتكاً، وما من كبير الخدم إلا ويعتقدُ بوجود سلاح في صدر بروزين كرانتز ويتعقبه وينهال عليه حتى الموت. ما يعنى موت الإثنين بسبب تعبير مجازي، هذا الموقف ساخر بقدر ما يصدمك بهشاشة مصير الإنسان.

تجربة الحرب
بعد غياب الأب، ستظلُ أسرة سورس في كنف العقيد، ولا تقتنع زوجة كبير الخدم بموته، بل تُحاولُ المُحافظة على كل شيء. كأن الرجلَ لم يغادرهم في رحلة بلا عودة، حين يأتي وقت الغداء تضعُ أزيائه على احد الكراسي، وتقدم له الصحون والمعلقة. كما تترك مساحة لملابس زوجها على السرير، ويتحسر الابنُ من جانبه لأنّه لم يرسم لوالده مزيدا من الصور، معبراً عن إستغرابه من قهر الموت الذي لا يتركُ أثراً، ويأخذ صور الفقيد من الذاكرة. مقلب آخر من حياة الفنان هو الحرب بينما هو يمقت تلك الأجواء، ويطلبُ من صديقه سوكيك أن يطلقُ عليه النار، فالأخير يفاجئه بما يعتقده فوائد للحرب، التي تجعله أكثر إدراكاً للحياة، ويخبره بأن في السابق لم يختبرْ هذا، وكان يعيشُ مثل سمكة في حوض ماء. هنا يشعر المتلقي بتسرب أفكار نيتشوية إلى مسامات النص لا سيما في الجزء الذي يصف دورة التجدد في الحياة وإعادة بناء ما دمُِرَ ببقايا الأنقاض سواء أكان فكراً أو حجارةً. والأهمُ في هذا السياق ما يقتنع به جوزيف سورس حول مفهوم الخير، إذ يرى أن المرءَ لا يمكن أن يكونَ طيباً إلا إذا يمتلك القدرة على إطلاق النار ويأبى ان يفعل ذلك. وأن المنتصر في الحرب هو من لايقتل ولا يُقْتَلُ. بهذا تنجلي العتمة على ما هو دفين في جسم النص من الفلسفات والرؤى المتنوعة مع استمرار القراءة، أكثر من ذلك فإن ما توحي به أحداثُ الرواية، أن لحظة ما بعد الحرب ليست كما قبلها لا يُمكنُ أن يخرجُ الإنسان من هذه التجربة بدون الخسارة، وما يخسرهُ جوزيف سورس هو حبيبتهُ فرانتيشكا التي تتزوج بإبن صاحب البيت ويلهيلم، ويكون رد فعل العائد من الحرب قطعُ أذن صديق طفولته، فبالتالي يطردُ سورس وأمه من بيت العقيد.

المنفى 
تتكفلُ الأمُ بتوفير المال عندما تبدأُ بالشغل في بيت رجل ثري، ويشاركُ الإبنُ بدوره في دورة للرسم في أكاديمة الفنون، وتتخذ حياة الرسام منحى بوهيمياً ويرتادُ الحانات ويُصبحُ صديقاً أوريل فافرا الذي يمثلُ بإستهتاره جانباً آخر من الحياة، وينعكس ما يقولهُ إيمانه بفلسفة التدمير والإقامة على حافة الهاوية. يُذكر أن المؤلف يهمه كسر ملل السرد التقليدي بإيراد مزيد من الأحداث التي تخيب أفق نظر القارىء، وهذا يبرز في قرار جوزيف بإيداع أمه في مصحة المجانين. ولا نُغالي القول بأن أكثر المشاهد تأثيرا، هو لحظة مغادرة جوزيف للمستشفى بدون إمه، وما يتخيله من أصوات تناديه بأن لا تترك المرأة ذهب موت الزوج برشدها، ومن ثُمَّ يختبر الفنان حياة المنفى عندما يسافر إلى أميركا، غير أن المهاجر يتخذ قرار العودة إلى براتيسلافا في توقيت معقد، ليحضر الأم معه إلى أميركا. وما يراه جوزيف المدينة يصطدمه خصوصا تدمير مبنى المستشفى، وتتصاعف درجة الصدمة حينما يتلقى خبر مقتل كل من سكن المصحة. لا ينتهي الأمر عند هذا الحد بل يُسجن، وبعد إطلاق سراحه يتوجه إلى لشبونة ليستقل عابرة نحو أميركا، لكن من جديد يُعتقل لأنه يهودي إلى أن يتمكن من الهرب ويختفى في محل التصوير، هنا يبدأُ فصل مثير من حياته بعدما يعثر على صورة أمه لدى كوستا المصور الذي إلتقط آلاف الصور للمهاجرين صوب أميركا بذلك يعود الأمل إلى جويف، ويشعر بالتحسن في عينه بعدما يقضي الفنان أياما تحت مجلى في بيت كوستا، ينجح في السفر إلى العودة إلى اميركا، ما يجب الإشارة إليه أن أفونسو كروش يصرح في ملحق الرواية، أن مادة عمله منتقاة من حياة فنان عاش في بيت جده في البرتغال.


(*) صدرت حديثاً عن دار مسيكلياني - تونس

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها