آخر تحديث:10:21(بيروت)
الثلاثاء 13/03/2018
share

سفن ماركواردت.. كأنه آت من فيلم لبازوليني

جوزيف الحاج | الثلاثاء 13/03/2018
شارك المقال :
  • 0

سفن ماركواردت.. كأنه آت من فيلم لبازوليني لُقّب ماركواردت بحارس أبواب نوادي التكنو الليلية
من تنظيم "معهد غوته"- لبنان و"غراند فاكتوري"، تعرض صالة "D Beirut Warehouse"- الكرنتينا، مجموعة أعمال للمصور الألماني سفين ماركواردت(Sven MARQUARDT) وبحضوره، عنوانها "RUDEL"(يفتتح في 15 ويستمر حتى 18 آذار الحالي).  

في المعرض أيضاً تجهيز سمعي- بصري بعنوان "الصندوق الأسود" (Black Box)، وترافق موسيقى مارسيل ديتمان الصاخبة والكئيبة صور ماركواردت. يحمل التجهيز التحوّل الإجتماعي البرليني، بكامل مناخاته وإيقاعاته الموسيقية المشيعة للقلق.

صور ماركواردت (برلين- 1962) بورتريات مقرّبة بالأسود والأبيض، تجمع بين الملامح الجدية وفكرة الزوال. رائعة، شديدة التباين اللوني، جريئة، دقيقة التفاصيل، ساطعة الإضاءة.  نظرات شخصياتها ثاقبة، ساخرة وجاذبة، تثير تساؤلات مشاهديها. ربما فن ماركواردت ليس في الصورة بل في إخراج مشهدياته المتنوعة الوضعيات. لا يُظهر، بالضرورة أشخاصاً في غاية الجمال. هو ابن أوساط موسيقى وثقافة الـ"punk" البرلينية الشرقية. بحس مرهف، يلاحظ التفاصيل ويحترم عوالم كائناته. يشهد على حكايات وناس مناخات الأندرغراوند المولع بها. "لكل من هؤلاء قصته الفريدة، منهم من يبدو كأنه آت من أحد أفلام بازوليني، خائب، منذهل. ألاحظ بعض الأمور، وأتخيل الباقي. لا يمكننا الإطلاع على كل القصص، لذلك أختار واحدة منها وسردها بالكامل، قدر المستطاع." يقول.

مساجين، عاريات، أزياء غريبة... قصص أجيال من الشباب البرليني، قبل انهيار الجدار وبعده. كل شيء فيها يذكّر بأجواء النوادي الليلية، اليقِظة، المزعجة، المظلمة والغامضة. أرفقها بإبداع صوتي لموسيقى مقدسة "تقاسيم لازمنية، متوترة. تأملات معاصرة في إزدواجية الأخلاقي والجمالي".

تضج الصور بالتأزم. تُظهر الشخصيات خصوصياتها، عاكسة شخصية مصوّرها الفنية واللانمطية. تنزع الستار عن رمز النوادي الليلية "برغ هاين" بطابعه الأكثر غموضاً وإلغازاً في العالم. هو عبارة عن محطة إنتاج للطاقة في برلين، تحوّلت إلى كاتدرائية، ثم رمز لموسيقى التكنو. أرادها ركواردت مكاناً يمكن لرواده نسيان المكان والزمان والإسترخاء. خلفيته متجذرة في المشهد المثلي البرليني للتسعينيات: "من المهم في نظري صون مثل هذا الميراث. فكم يكون مملاً لو خصص (المكان) لأولئك الذين يرتدون البذلات السود الرسمية. إذا أردت الدخول إلى "برغ هاين" عليك إجتياز أطلال بشرية من جدار برلين" قال.

لُقّب ماركواردت بحارس أبواب نوادي التكنو الليلية. صوّر مرتاديها وشكلت موضوعه الفني الذي رصد ثقافة الـ"punk". بجدية وإنفعالية، عشق برلين بتنوعها، وثقافة نواديها الليلية التي إرتقت إلى مصاف الفن. صوّره، حكايات شباب ألمانيا الديموقراطية، وبالأخص، منطقة "برينزلور بيرغ" شرقي برلين، حاضنة الـ"punk" وعاشقيه.

عند إنهيار جدار برلين في 1989، خالط ظاهرة نوادي التكنو، المنتشرة على امتداد الجدار.  كانت برلين آنذاك مختبراً لموسيقى وفنون الأندرغراوند. هكذا نسج علاقاته في ميدان إبداعي يعيش ذروة تحولاته. "تلك سيرتي الشخصية وسيرة برلين. أردت أن أشهد على كل تلك التحولات التي إحتج عليها البعض، رغم أنها لم تكن بهذا القدر من السلبية. لقد برزت إثرها أمور غاية في الأهمية"، يقول.

تظهر شخصيات "RUDEL" و"بلاك بوكس" في إخراج معبّر، شباب، عارضات وبعض المهمشين. "من المدهش أن نوادي الأندرغراوند تحافظ على تمايزها منذ عقود، ولا تزال الأجيال الجديدة ترتادها. لكن الأهم أن تُعرض أعمالي في الصالات الكلاسيكية للتشجيع على الحوار بين الثقافتين"، قال.


عن نشأته في برلين الشرقية وتحديداً في أوساط مناخات "موسيقى البانك"، قال: "كل ثقافة تنتج ثقافة مضادة، خصوصاً إذا حصل ذلك في ظل الديكتاتوريات. لديّ ذكريات جميلة من طفولتي وشبابي، لكن في وقت من الأوقات، لا نستمر في تقبّل الأشياء كبديهيات. هكذا تولد الثقافات المضادة. الأندرغراوند البرلينية كانت النموذج. لم يكن لا البانك ولا الموجة الجديدة يأخذان في الإعتبار واقع الجدار والأسلاك الشائكة. اختصرنا طريقة حياتنا بشعار "لا مستقبل"، طبعناه على قمصاننا الجلدية. لم يخلو ذلك من المخاطر. عندما أشاهد اليوم صور تلك الفترة، أدرك كم كنّا يافعين وساخرين ومتجهمين. ربما تلك الصبيانية وحدها هي التي أبعدت عنّا المصائر الخطرة. إنها الحرية داخل الحدود".

انهيار الجدار، برأيه "اللحظات التاريخية الأهم في تاريخ الألمانيتين، رغم أنها برأي بعض الألمان الشرقيين كانت ضياعاً وفقداناً للهوية. سارعتُ إلى تلقف هذه الحرية الجديدة، وتساءلتُ عن معنى ذلك وبأي ثمن حصلنا عليها. في بداية التسعينيات تخليت عن كاميرتي، وعن إفتخاري بهويتي كألماني شرقي. كان كل شيء قد اختفى أو تبدّل. أحسست بإشكالية الهوية.

كنت في عمر الـ 27، من جيل أصبح كل شيء بالنسبة إليه محتمل. قاطعت المرحلة السابقة، لكنني شعرت بالحاجة إلى كاميرتي كوسيلة لتحقيق رغبات وطموحات غير مشبعة. أصبح كل شيء ممكن التحقق. استكشفت ثقافة الأندية البرلينية التي اكتشفتني بدورها".


اهتم ببرلين، بتاريخها وبتنوع مشهدها الثقافي. في 2014، كتب سيرته الذاتية وصدرت بعنوان "الليل هو الحياة". هي أيضاً قصة مدينته، حيث عاش 25 عاماً مع الجدار والمدة نفسها بعد انهياره. "تبقى برلين موطني رغم تبدّل أشياء كثيرة فيها. تعرّفتُ على المدينة من جديد، أشعر أحياناً بالحزن على أماكن وأشياء تلاشت. ربما أجد صعوبة في فهم بعض التحولات البرلينية".

عن المدن الأخرى يقول: "أنتظر في أسفاري لقاءات رائعة، أما الباقي فمجرد مغامرة نحو الجديد والغريب. هذه المشاعر الممزوجة بالإحترام وبالحشرية تشبه عملي كمصوّر فوتوغرافي. لحظات المواجهة تلك هي قمة الإثارة: المغامرة هذا ما أتمناه في زيارة المدن الأخرى".

منذ سنوات وهو يقترب أكثر فأكثر نحو الفوتوغرافيا المفهومية. كاميراته أسلوب ووسيلة تعبير عن مفهومه للحياة، كما هي في الوقت نفسه، طريقة حياة الذين صوّرهم. مصوّر التناقض والتشوش الكامن بين الثقافة الراقية وثقافة الأندية البرلينية. تشبث بالتجديد وأغرته عوالم الليل.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها