آخر تحديث:10:40(بيروت)
الثلاثاء 13/03/2018
share

القاهرة: الخوف المشرّع

وجدي الكومي | الثلاثاء 13/03/2018
شارك المقال :
  • 0

القاهرة: الخوف المشرّع جدارية لمنير الصايغ وهناء دغمان
ننتظر في القاهرة موسم الإنتخابات الرئاسية، نهاية الشهر الحالي، ويبدو أنه لن يكون موسماً سهلاً. هو موسم لا يرغب في أن يتخلله جدل أو سفسطة، ينطلق كالقطار، لا يريد إلا أن يصل إلى وجهته، لا وقت لتفكير، أو لمناقشة. ووسط هذا كله يجب أن تخمد الأصوات، وأعلى الأصوات هذه الأيام تصدر عن المثقفين، وأعلى منهم اللافتات التي تدعو إلى انتخاب الرئيس. وهل يحتاج الرئيس إلى لافتات؟ ومع ذلك، هي في كل مكان.


المثقفون خطرون  
وبجانب اللافتات المشرعة أعلى الرقاب، تدعو إلى رئيس غير مشكوك في ظفره بالمقعد، انطلقت حملة غامضة للطعن والنيل من المثقفين، حملة تخويف وتشكيك في مثقفي البلاد، كشفتها زلة لسان أحد رجال الأعمال النافذين، إذ قال: "المثقفون هم الفئة الأخطر على المجتمع"، قالها في رحاب إحدى الجامعات الخاصة التي يملكها، أو شارك في تأسيسها، ويا للعجب، أن يهاجم أحدهم المثقفين، وهو في جامعة.


قبلها بأيام كانت إرهاصات هذه الحملة على الثقافة والمثقفين، قد ظهرت حينما ألقت جهة أمنية القبض على فريق مسرحي كامل، بتهمة الإساءة لجيش البلاد. كان فريق أحمد الجارحي المسرحي، يقدم عملاً مسرحياً عن مجند مصري، اسمه سليمان خاطر، في أحد أندية القاهرة الكبيرة. هذا النادي يعلق لافتة ضخمة من لافتات تأييد الرئيس في الانتخابات المقبلة. الزج بفريق مسرحي ومحاكمته وحبسه حبساً عسكرياً لأنه قدم عملاً مسرحياً، كان أول المسامير التي دقّت في العلاقة بين الجماعة الثقافية والوزيرة التي فرحت بها الجماعة نفسها لأنها سيدة، ولأنها فنانة، ومسؤولة سابقة عن دار الأوبرا المصرية، أكبر صرح يحتضن الأعمال الفنية في القاهرة. ألم يكن أَولى، بدلاً من إحالة الفرقة إلى قاض عسكري، أن يتولى المهمة ناقد؟

بالتزامن مع حبس الفرقة، شهدت القاهرة أجواء مرعبة من الممارسات التي لا تشي أبداً بموسم انتخابات على الأبواب. حبس صحافية في العشرينات من عمرها لأنها تصور قطار الإسكندرية الأثري، حبس مذيع تلفزيوني من الصف المحسوب على الدولة، وأخيراً، وضع قانون لحجب المواقع، بما يمثل اعترافاً ضمنياً من الدولة، أن حجب المواقع تم بشكل غير قانوني، وفي غيبة من الأحكام القضائية، وفي مخالفة صريحة وواضحة للدستور.

مداهمات لدور نشر

بالأمس هاتفني ناشر قاهري، ليخبرني أن قوات الأمن داهمت داره، وفتشت مخازنه، وأن الممارسات اتسمت بالسعار. كان المطلوب مجهولاً، لم يعرف الناشر عمّ تبحث القوة الأمنية. تفتيش عنيف لمحتويات مكتبه، وبحث مستميت عن تهمة. رفض الناشر البوح، في مواقع التواصل الاجتماعي، بما تعرض له، وآثر الصمت. قال إنهم كتبوا محضراً، وأنه لا يعرف هدف تلك القوة الأمنية، وعمّ كانت تبحث. الأكيد أنها كانت تبحث عن مطبوعات مسيئة.. لمن؟ لا يعرف. وما الهدف؟ ولماذا تترك القوة الأمنية أصحاب المطابع الذين يسرقون الكتب الأصلية، ويعيدون طباعتها بشكل غير قانوني في ما يعرف بتزوير الكتب في مصر، ويستهدفون الناشرين المعروفين الذين يعملون في النور وكتبهم ناجحة؟


الأخ الأكبر 
لا إجابة على السؤال سوى: الخوف المشرع. لا أحد يرغب في التفاهم. وكما شهدت العاصمة مداهمة لدار نشر، شهدت أيضاً قرارات لوزيرة الثقافة، بإنشاء مقار للرقابة على المصنفات في سبع محافظات، في قصور الثقافة بتلك المحافظات، ومنها الجيزة، وجنوب سيناء، ومحافظات أخرى.


وتاريخ الرقابة على المصنفات لا يشي بالخير، ولا يجعلنا نتوقع أن هذا القرار سيكون في صالح حقوق الملكية الفكرية. بل إن كل مداهمة لدار نشر، أو مكتبة شهدتها القاهرة، كانت ظاهرياً تتم تحت دعوى مخالفة المصنفات، وهو ما يجعلنا نترقب هذا القرار، خصوصاً أن مسمى القرار هو "الرقابة على المصنفات"، وليس حماية حقوق الملكية الفكرية. أزمتنا هنا ليست المسميات، إنما التحرك الذي لا يشي إلا بمزيد من التضييق، ومحاصرة المبدعين، ومراقبة أعمالهم وعروضهم. وربما تنسحب هذه الرقابة لتشمل كل الأنشطة التي يأمل أصحابها أن ينفذوها في استقلالية، بعيداً من أجهزة وزارة الثقافة، كالنشر الثقافي، أو عقد الندوات في القاهرة، أو حتى مراقبة الموضوعات التي تُناقش في حفلات التوقيع، على غرار توحيد خطبة الجمعة في المساجد.

تستدعي هذه الممارسات وما تطرحه كلمة "الرقابة" - سيئة السمعة، في القاهرة، صوراً من تحول الدولة المصرية إلى أخ أكبر جديد، يمارس هيمنته وسلطته على المجتمع، وطموحه ألا تُنشر كلمة إلا بعد المراجعة، وألا تُعقد ندوة إلا بعد موافقة أمنية، وألا تُعرض مسرحية إلا والرقيب جالس في الصالة، وقاضٍ ينتظر عند منصته وفي يده المطرقة. ولعل الصورة تكتمل قتامتها بإعلان وزير الاتصالات المصري، أن مصر في صدد إطلاق "فايسبوك مصري".

تتحول الدولة، وتوجه بوصلتها إلى النموذج الآسيوي. لكن ليس في ما يخص الاقتصاديات الناجحة، بل النماذج القمعية في السيطرة على المواطنين وحرياتهم الشخصية وحقهم غير المنقوص في حرية الإبداع والذي كفله لهم الدستور.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها