آخر تحديث:08:20(بيروت)
الأحد 11/03/2018
share

اسجن ولا تخوّن.. بمناسبة سليمان خاطر

هشام أصلان | الأحد 11/03/2018
شارك المقال :
  • 0

اسجن ولا تخوّن.. بمناسبة سليمان خاطر أمرت النيابة العسكرية بحبس المخرج والمؤلف احتياطيًا 15 يومًا
1
لم أعد أتذكر عدد المقالات التي اضطررت فيها لذكر اسم المحامي المصري سمير صبري. ومن سخرية القدر أن الرجل المُتسبب في وقوف عدد معقول من الكتاب والفنانين داخل ساحات القضاء ومكاتب النيابة، وصولًا لحبس بعضهم، هو نفسه الرجل الذي يأكل بعضنا عيشًا من المتابعة الصحافية لخطواته الثابتة في طريق خلق أجيال من منتجي الفن النظيف، ومراقبة الفوهة التي يجلس فوقها لمنع تسريب الأخلاق الحميدة من العالم، أو على الأقل تسريبها مشروطة بعدم إزعاج وكلاء الله والرئيس وربما عابري السبيل. وهو يؤدي هذه المهمة بنجاح ساحق وسط أجواء رسمية صارت تتعامل مع قضايا الرأي بمبدأ: "اسجن ولا تخوّن".

ضحايا القضية الجديدة لحارس الفوهة هما أحمد الجارحي مخرج مسرحية "سليمان خاطر"، ووليد عاطف مؤلفها. أمرت النيابة العسكرية بحبسهما احتياطيًا 15 يومًا على ذمة التحقيق في اتهامهما بالإساءة للجيش. ونحن طبعًا لسنا بصدد التزيُد أو التجويد لمناقشة أمر التحقيق مع مدنيين عسكريًا، فهذه مسائل لم تعُد مثيرة للمناقشة في ما نعيشه من أيام.

المسرحية عُرضت ليومين في أحد نوادي القاهرة، وتتناول حياة المُجند المصري سليمان خاطر، الذي له حكاية شهيرة اختلفت حول تفاصيلها الأقاويل والتقييمات.

2
في 5 أكتوبر 1985، وبينما يقضي سليمان، المجند في سلاح الأمن المركزي، خدمته عند الحدود المصرية مع الأراضي المحتلة، تسلل 7 إسرائيليين إلى نقطة حراسته، فأطلق عليهم الرصاص بعد أن أطلق أعيرة تحذيرية في الهواء. المحكمة العسكرية المصرية حكمت عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، ولكن بعد مرور عام على سجنه وُجد مشنوقًا في زنزانته. نقلت الصحافة خبر انتحاره عن تقرير الطب الشرعي، بينما أصرتّ أسرته على استبعاد أن يكون انتحارًا.

ويكيبيديا تقول إن الجندي سليمان، وفق شقيقته، كان في التاسعة من عمره عندما رأى آثار قصف قوات الاحتلال لمدرسة "بحر البقر" المصرية في 1970. تلك الغارة الشهيرة بطائرات الفانتوم التي تركت خلفها 30 طفلًا قتيلًا.

من أقواله في التحقيق: "كنت على نقطة مرتفعة من الأرض، وأنا في الخدمة ومعي السلاح، شفت مجموعة من الأجانب ستات وعيال وتقريبا راجل وكانوا طالعين لابسين مايوهات"، حدثهم بالإنكليزية محاولًا إيقافهم فلم ينصتوا له: "كنت أؤدي واجبي وفيه أجهزة ومعدات ما يصحش حد يشوفها والجبل من أصله ممنوع أي حد يطلع عليه سواء مصري أو أجنبي. وده أمر وإلا يبقي خلاص نسيب الحدود فاضية، وكل اللي تورينا جسمها نعديها"، مشيرًا إلى واقعة سابقة تحايلت فيها امرأة إسرائيلية على جندي مصري بالتعري، وحصلت منه على تردد أجهزة الإشارة الخاصة بالأمن المركزي.

وتقول احدى الروايات إن الواقعة هي السبب الرئيسي في وضع عدم الحصول على شهادة دراسية شرطًا لإلحاق المجندين بسلاح الأمن المركزي، حيث كان سليمان تخرج في كلية الحقوق.

3
"الإساءة للجيش والشرطة خيانة عظمى، وليس حرية رأي، ولن أسمح بالإساءة إليهما وأنا موجود"، يقول الرئيس في أحد المؤتمرات قبل أيام من قرار حبس المخرج والمؤلف. لم يحدد أحد معايير هذه الإساءة. هناك ثقة كبيرة، على ما يبدو، في البلاغات التي يتقدم بها المحامي سمير صبري.

المسرحية كانت عُرضت قبل عامين في أحد قصور الثقافة التابعة للدولة. مع ذلك، قالت وزيرة الثقافة الفنانة إيناس عبد الدايم إن العمل لم يحصل على موافقة جهاز الرقابة. أشارت أيضًا على هامش الأحداث، إلى تحقيق يُجرى في واقعة توزيع ديوان شعر في معرض القاهرة الدولي للكتاب، تقدم المحامي ذاته ببلاغ ضد صاحبه متهمًا إياه بالإساءة للمؤسسة العسكرية.

4
القبض على مخرج المسرحية ومؤلفها أعاد الى الساحة جدلًا كانت أثارته قصتها الحقيقية في الثمانينيات، ذلك أن بعض الفسابكة، من المحسوبين على المعارضة السياسية، راحوا يستهلكون بعضهم بعضاً في معارك نقاشية محورها تقييم قتل جندي لمدنيين وإن كانوا إسرائيليين، وإذا كان سليمان خاطر بطلًا مقاومًا للصهيونية أم إرهابي لم يرحم النساء والأطفال. وكأن التجريف السياسي غير المسبوق أعطانا الوقت والطاقة الكافيين لمعارك التنظير ومراجعة التصنيفات وإعادة تشكيل المفاهيم. مع ذلك المرار، لا شك أن المعارضة المصرية معذورة وإن أصبحت سماتها وملامحها حلمًا جميلًا لأي حاكم.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها