آخر تحديث:11:44(بيروت)
الإثنين 05/02/2018
share

حمّى Breaking Bad

منال الشيخ | الإثنين 05/02/2018
شارك المقال :
حمّى Breaking Bad ستفكر: ترى هل جرّب أستاذ الكيمياء، الذي تتلمذت على يديه، أن يصنع المعجزات في رؤوس البشر؟
أصبحت شركات متخصصة مثل "نيتفلكس" تنافس أكبر القنوات التلفزيونية من حيث المتابعة وإنتاج برامج وأعمال أصلية. لا أحد ينكر أن لهذه الشركة الفضل الكبير في توفير أعمال فنية من شركات أخرى لا تتوافر خدماتها في بلدان عديدة. إذ إن البث الموجه للمشاهد في الولايات المتحدة غير متاح للمشاهد في أوروبا، وبما أن غالبية الدراما والأعمال السينمائية، أميركية، والمشاهد في كل بقاع العالم يترقب أن يصله الجديد، أصبح امتلاك حساب في مواقع مثل "نيتفلكس" وHBO حاجة مُلحّة، لأن هذه الشركات تقدم الأعمال الفنية من بلدان عديدة وبلغات شتى وبجودة عالية، علاوة على رخص أسعار الاشتراك مقارنة بكلفة السينما واستئجار الأفلام أو شرائها. بعد متابعة مسلسلات أو أعمال درامية في "نيتفلكس"، سيشعر الواحد أن هذا الموقع قابل للإدمان، وهو كذلك حقاً. ومع نهاية كل موسم لمسلسل ما، تظل في حيرة من أمرك: هل أنت حزين أم متشوق فقط في انتظار الموسم المقبل؟

إن متابعة المسلسلات عبر قنوات "كابل" تلفزيونية، ليست لها النكهة ذاتها وأنت تتابع مسلسلاً عبر "نيتفلكس". يصل الأمر أحياناً أن تنجز متابعة موسم كامل في يومين، لأنك لا تستطيع مع الانتظار صبراً. وهذا ما حدث لحشد من المشاهدين عندما وفرت الشركة مسلسل Breaking Bad في شبكتها لتكون متاحة للمشاهد غير الأميركي، الذي سبق أن تابعه عبر قناة AMC الأميركية منذ بدء بثه العام 2008. حيث حقق المسلسل بأجزائه الخمسة أعلى المشاهدات في الولايات المتحدة.

يتحدث المسلسل عن مراحل تطور حياة مدرس كيمياء، والتر وايت، والذي جسد شخصيته الممثل Bryan Cranston، وسط عائلته الصغيرة من الطبقة المتوسطة. يفاجأ والتر بإصابته بسرطان الرئة، فتبدأ رحلته مع صناعة "الميث" بالتعاون مع أحد طلابه السابقين، ليضمن مستقبل عائلته مادياً بعد وفاته. يبدأ المسلسل، وهو من انتاج Vince Gilliga، بمشاهد عنيفة غامضة ومشوشة في البداية، ثم يأخذنا المؤلف والمخرج بوتيرة ودية لا تنبئ إلى أي منحى ستأخذنا الأحداث. منذ الحلقة الأولى من الموسم الأول، سيشعر المشاهد أن هناك رابطاً غامضاً يشدك من دون وعي، للغرق في بساطة الصورة ووضوحها والحوار في العمل. ما جاء به Breaking Bad من جديد، هو طغيان العادية على شخصياتهِ والأجواء المحيطة بها، للحد الذي تعتقد أنهم لا يمثلون بل يعيشون، حتى الشخصيات غير المحببة بدت غير محببة ومزعجة لأنها كانت مقصودة أن تكون كذلك، كما هو وجود أشخاص في حياتنا تماماً. منذ زمن لا اقرأ عروضاً أو "نقداً" عن أعمال فنية لم أشاهدها، كي أتجنب اسقاطات الآخرين على مشاهداتي. وهذا ما فعلته أيضاً مع هذا المسلسل، إذ إني لم اقرأ أي نقد أو عرض عنه قبل الانتهاء من مشاهدة الفصول الخمسة. اعتمدت فقط بعض الشائعات عنه والاقتراحات من مقربين في مشاهدته. وما إن بدأت المشاهدة حتى تحققتُ من كل الشائعات أنها حقيقة وليست محض إشاعة أو اسقاط من صاحب رأي أو انطباع. من يشاهده لن يعود كما كان، حتماً.

كان للمسلسل الأثر المقارب على المشاهدين باختلاف أعمارهم وأجيالهم، وهذا ما يبرع فيه الفن كإبداع: أن يصل إلى أكبر شريحة من الجمهور. لا تلتفت فلسفة المسلسل إلى ما يُتداول في حاضرنا من قضايا الحريات والمرأة والسياسة، بقدر ما يأخذنا إلى واقع نعيشهُ حرفياً، لكننا نتنكر له. العنف، المال، السلطة، الغضب وحب الحياة، هي عناصر المسلسل وهي عناصر الحياة. لكن تركيز المسلسل على العنف لا يبتعد كثيراً من واقعنا. فلا أظن أن الناس عاشوا العنف في أعلى مستوياتها كما عاشوه خلال العقدين الأخرين، وما زالوا يشهدونه حتى آخر فيديو بشع وارد من معارك جارية على أرض الواقع.

بالعنف وهندسة العنف، يشق أستاذ الكيمياء "الدمث" وصاحب السمعة الطيبة بين اقرانه ومحيطهِ، طريقهُ إلى عالم السلطة والقوة. ليس من أجل المال، بل المال من أجلهما. يستغل كل طاقة حب لديه للمعرفة والعلم، وكل رابط انساني عجيب يربطه بطالبه السابق ومساعده الحالي "جيسي" (Aaron Paul)، ويستمر في بناء إمبراطوريته من أجل لا شيء. لم يخفق المسلسل في أي موسم من مواسمه في ابهارنا بكل ما هو أصيل وجريء. الجرأة لم تعتمد الجمال الشكلي، رغم وجود ممثل شاب يمكن اعتباره وسيماً في دور رئيسي، والاستعانة بممثلة شابة جذابة في بعض الحلقات لتجسيد دور صديقة "جيسي". إلا أن الفكرة، وربما فلسفة المخرج، جعلت من اللون الرمادي في الشخصيات والأماكن مصدر تأمل لحياة أعمق مما تبدو. فلا تبهرك كمشاهد، ملابس الشخصيات ولا مظهرهم ولا فخامة الأماكن والبيوت، كما في بعض المسلسلات، بل تشعر بأنك تعود بذاكرتك إلى أحياء سكنت فيها وأشخاص صادفتهم في حياتك اليومية كثيراً، وأنك تناولت الدجاج في مطعم مشابه لذاك الذي يظهر في المسلسل. وربما تتساءل: ترى هل المطعم الشهير في مدينتي، وهو الذي أصبح صاحبه مليونيراً في وقت قصير، كان يدير أعمال تهريب وتجارة مخدرات واتخذ من سلسلة المطعم واجهة لغسل الأموال؟ ستفكر: ترى هل جرّب أستاذ الكيمياء الذي تتلمذت على يديه، أن يصنع المعجزات في رؤوس البشر؟ وستظل تتساءل: ترى لو لم تكن زوجة والتر متذمرة، "زنانة" كما وصفها في إحدى الحلقات، هل كان هذا هو مصير مدرس الكيمياء؟ ولماذا الحياة لم تكن عادلة معهُ منذ أول فكرة لشركة وضع أساسها فاستغلها أصحابه وخرج هو منها ببضعة دولارات ليصبحوا هم من أصحاب المليارات بسبب فكرته وأبحاثه في مجال الكيمياء، ويستمر هو كعامل في محطة غسل وتشحيم السيارات ليوفر نقوداً إضافية من أجل عائلته!

في لحظة ما من حساب كل المفارقات في حياة "والتر" و"جيسي"، يصل الأمر بنا أن نتعاطف معهما ونتغاضى عن كل جرائمهما. في بعض المشاهد يبلغ العنف أوجه، إذ لا يمكن لشخص طبيعي أن يستمر في المشاهدة من دون أن يصاب بصدمة، لكنك تستمر بكل حب للمعرفة والاطلاع ولأن الشخصيات أصبحت ترافقك في كل مكان وتخشى عليها ومنها. العنف والشر اللذان ألهَما صاحب "لعبة العروش"، الكاتب جورج مارتن، ليبتكر شخصية أكثر شراً ودموية من "والتر وايت"، عندما اعتبره وحشاً كبيراً، أكبر من كل وحوش ويستروس، قارة الممالك السبع! 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

منال الشيخ

منال الشيخ

كاتبة وشاعرة عراقية مقيمة في النروج