آخر تحديث:09:35(بيروت)
الأحد 04/02/2018
share

رسائل غارثيا غوميث.. قراءة في كتاب الشرق المجهول

شريف الشافعي | الأحد 04/02/2018
شارك المقال :
رسائل غارثيا غوميث.. قراءة في كتاب الشرق المجهول رسائل غوميث، تعيد تقديم "الشرق" وفق تصورات كاتبها
في مرايا الآخرين، حتى غير المستوية، تتكشف الذات عارية من تضخمها، ومجردة من انطباعاتها المراوغة عن حقيقة مكنوناتها كمركز للوجود، بما يتيح لها لحظة صدق استثنائية تمكنها من التكشف الفعلي والمراجعة والتقييم، وفهم ما لا يمكن فهمه بالنظر الأنوي إلى الداخل على طول الخط.

هكذا تتمثل "معرفة الشرق الأوسط بنفسه، ووزنه، وطبيعته" كقيمة كبرى يمكن اقتناصها من كتاب "رحلة إلى مصر وسوريا وفلسطين: 1927-1928" للمستشرق الإسباني إيمليو غارثيا غوميث (1905-1995) (*)، الصادر عن "المركز القومي للترجمة" في القاهرة، بترجمة طه زيادة (**).

أما القيم الأخرى، الأساسية، التي تتأتى للقارئ العادي والمختص بخروج هذا الكتاب المهم إلى النور، فمنها ما هو معلوماتي ووثائقي وتاريخي (ماذا يقول الكتاب)، ومنها ما هو جمالي وأسلوبي (كيف تمت صياغته، وجرت ترجمته إلى العربية).

يتضمن الكتاب مجموعة من رسائل غارثيا غوميث التي ظلت مجهولة ثمانين عامًا، قبل نشرها بالإسبانية للمرة الأولى بمعرفة خواكين بايبي بيرميخو، بمناسبة مرور ثمانية عقود على رحلة غوميث الأولى إلى الشرق في العام 1927، كباحث جامعي يتقصى الشعر الأندلسي في المخطوطات العربية القديمة في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان.

هذه الرسائل، كتبها غارثيا غوميث إلى أستاذه "دون ميغل آسين بالاثيوس"، وعرفت طريقها أخيرًا إلى القارئ العربي بعد تسعين عامًا من كتابتها، وتزداد أهميتها بسبب تحرر كاتبها من القيود في صياغتها، فهي ذات جانبين: جانب علمي من جهة، بوصفها من باحث جامعي إلى أستاذه، وجانب شخصي من جهة أخرى، بوصفها من صديق إلى صديقه الحميم، الذي اختاره غوميث دون سواه ليبث إليه شجاواه وانطباعاته وقراءاته للواقع والبشر والأمكنة من حوله طوال أيام رحلته.

تقدم رسائل غارثيا غوميث، على الأصعدة المعلوماتية والتوثيقية والتاريخية، ما يمكن وصفه ببانوراما شاملة أو شهادة على عصر الفوران والتشكل بالشرق الأوسط، حيث كان الصراع محتدمًا بين تيار الإصلاح بزعامة طه حسين (الجامعة المدنية)، وبين الاتجاه المحافظ آنذاك بقيادة الأزهر (التعليم الديني).

وثمة صراعات أخرى كانت مشتعلة في المشهد، خصوصًا في مصر، بين الإسلام التقليدي "الرسمي" المدعوم من السلطة والمؤسسات الدينية الموالية لها، وبين "الدين الشعبي"، إذا جاز التعبير، كما لمسه غوميث لدى الفرق الصوفية بطرقها المختلفة، بالإضافة إلى فريق ثالث من أنصار المدنية والعلمانية، الذين قدموا مفاهيم مغايرة للتجديد الديني.

الباحث عن المعلومات والوثائق والتاريخ، والصور أيضًا، يجد ضالته في رسائل المستشرق غوميث، التي رصدت بدقة وأناة هذه التمظهرات الفكرية والإيديولوجية والحياتية والدينية، وأيضًا المعمارية (القاهرة الإسلامية والآثار الفرعونية)، والتباين بين الأصالة (الحارات الشعبية والأزقة) والتمدين (القاهرة الحديثة بشوارعها ومكتباتها وكازينوهاتها ودار الأوبرا). 
المتقصي كذلك للجماليات الأسلوبية والبلاغية، لن يخرج من رحلته في أعماق كتاب غوميث المترجم إلى العربية خالي الوفاض. فمن جهة، تحمل الرسائل حسًّا تصويريًّا فائقًا، وذائقة سردية رشيقة لماحة، ورؤية نافذة تتجاوز المظهري العارض إلى ما وراء الأسطح من علاقات جوهرية، ويأتي ذلك كله عبر لغة ذات بعدين: توصيلي أمين، وتخييلي مجازي، يسمح بتمرير العاطفة والانفعالات الذاتية للكاتب، بل وصرخاته وتنهداته في رحلة اغترابه.

استوعبت ترجمة طه زيادة باصطبار نادر هذه "الورطة" التي أقدم على ترجمتها، إذا جاز التعبير، فالرسائل خليط دافئ بين الأسلوبين العلمي والأدبي، لأنها ببساطة تحمل علمًا وأدبًا في آن. ولا تكاد "معلومة" تُمرر إلا من خلال "فلتر" الصياغة الإبداعية، هذا الفلتر الذي يبدو له "قلبان" في النسخة العربية: الكاتب، والمترجم.

من مثل هذه المعلومات والبيانات والتسجيلات التاريخية التي يوثقها الكتاب مغلفة بإطار حريري من الحنكة الأدبية، ما ورد في رسالة غوميث التي يصف فيها القاهرة لحظة اصطدامه بها للوهلة الأولى: "أما عن المدينة، فقد صرت أعرف عن ظهر قلب الجانب الحديث، الذي يثير الإحباط من شدة روعته: تروموايات، تاكسيات، بنايات فخمة، شرطة مدنية، دور سينما، أفنديات ثيابهم في منتهى الأناقة على الطريقة الأوروبية، الخ الخ".

ويستطرد غوميث: "لحسن الحظ أنه يجب أن يكون هناك جانب قديم رائع. أقول ذلك لأنه في ظهيرة سابقة، دخلتُ في متاهة من الأزقة، حيث لم أر أوروبيًّا واحدًا، وحيث الحياة الشرقية لها ذلك اللون الذي أخافني حقيقة، فخرجت لأنه كان أول يوم، بالرغم من أنني أفكر بالتأكيد في التجوال هناك كل يوم. انتابني في أول يومين شعور بحالة نفسية غريبة، شعرتُ بحنين جارف إلى درجة الرغبة القوية في البكاء، أخذت في الزوال عني".

هكذا تمضي سطور الكتاب، في رسمها المعلوماتي التاريخي الأدبي لجدارية الشرق الأوسط الكبيرة، بأضلاعها التي خبرها الكاتب، وتفاعل معها ذاتيًّا: القاهرة، القدس، دمشق، بيروت. أما القيمة العليا للكتاب: "معرفة الشرق الأوسط بنفسه، ووزنه، وطبيعته، عبر رؤيته ذاته في مرايا غوميث العاكسة"، فهي التي يمكن التقاطها ما بين السطور، في تلك التفاصيل الصغيرة التي تحويها الرسائل، أحيانًا بالتصريح، وأحيانًا بالترميز، وتأتي كخبايا مسكوت عنها لكن يمكن استنباطها، في مواضع ثالثة.

من تلك الإشارات الذكية، التي يمكن بتجميعها وتأويلها إنتاج قراءة كاملة لكتاب الشرق المجهول في عشرينيات القرن الماضي، يمكن انتقاء أمثلة مختصرة وقليلة بين ثنيّات رسائل غوميث، لكنها وافية لثرائها، وتفجّرها بالدلالات.

في انعطافة موجزة إلى مشهد "صلاة الجمعة"، ينفذ غارثيا غوميث ببراعة إلى جوهر الأزمة الدينية في المجتمع المصري، وفي المجتمعات العربية والشرقية عمومًا في ذلك الوقت، حيث الاهتمام بالشكليات والحركات التعبدية، وإهمال حقيقة الإيمان، وضياع روح التسامح خلف وجوه التعصب الخشبية التي يجري تصديرها في التعامل الإنساني، خصوصًا مع الآخرين من ديانة أو إيديولوجيا مختلفة.

هذه المعاني كلها، وأكثر منها، يمكن استشفافها مما قاله غوميث في رسالته المؤرخة بـ27 ديسمبر 1927: "ألا يتبادر إلى الذهن التحول للإسلام؟ لا تهتم. لقد أصبتم كبد الحقيقة كثيرًا في ما أخبرتموني به دومًا عن الإحباط الذي يتعرض له من يأتي إلى الشرق. أسفل القشرة البراقة المثيرة، لا يوجد سوى تعصب ومجتمع عبثي، لا مكان فيه للنساء، وحيث لا يتحدث الابن مع أمه أو يتعامل معها. الدين الشعبوي (بالطبع ليس ذلك الخاص بكبار الفقهاء!) أمر شاذ. صلاة الجمعة أشبه بحصة تمارين سويدي".

وفي رسالة أخرى، بتاريخ 5 يناير 1928، يحكي غوميث لصديقه تفاصيل تعرضه لحادث سير عابر في الطريق، لكن الدلالة الكاشفة لصورة الشرق المجهول أكبر دائمًا من الحدث، وهي التي يمكن التقاطها من بين السطور: "في عيد الفصح، في أثناء عبور كوبري قصر النيل، صدمني أوتومبيل، أرأيت حضرتك؟! أنا الذي أعبر شارع الكالا في مدريد كل يوم، حيث المرور أكثر ازدحامًا بعشرة أضعاف! نهايته، مكتوب (مُقَدَّر). إنهم هنا همجيون إلى حد ما".

لقطة ثالثة، من دمشق في هذه المرة، حيث الرسالة التي بعث بها غوميث إلى أستاذه دون ميغل آسين بالاثيوس، ووقعها بتاريخ 16 إبريل 1928، وفيها تتوالى الطلقات السريعة، التي ترسم كل واحدة منها مشهدًا من مشاهد كتاب الشرق المجهول. يقول غوميث: "دمشق ليست شائقة على الإطلاق، نصف مدينة، مهدمة، المساجد ليست شيئًا عظيمًا (المسجد الأموي الكبير تم ترميمه بالأمس القريب، كما يقال، أو بالأحرى أعيد بناؤه بالكامل)، فأصبح بلا طعم على الإطلاق".

ويستطرد غوميث في رسالته الدمشقية الكاشفة: "يمكن مشاهدة كل شيء في ست ساعات، بما في ذلك بانوراما الصالحية. لا يوجد أوروبيون، والناس هنا متعصبون، بالإضافة إلى أنهم في حالة فوران سياسي كبير ضد فرنسا. أكثر شيء راقني حقيقة، كان أن تمكنت من زيارة قبر (ابن عربي)، مثلما فعلت".

رسائل غارثيا غوميث، بمعلوماتها الوافية الظاهرة وتفاصيلها الكامنة، تعيد تقديم "الشرق" وفق تصورات كاتبها، وهو ليس كما يتمناه المشرقيون في هذا الموضع من الرسائل أو ذاك، كما أن الرسائل ذاتها ليست بالضرورة مصيبة للحقيقة في كل ما تعكسه، لكنها تفتح أبوابًا رحبة لاكتشاف الشرق ذاته بعيون التمحيص والمراجعة، وتلك هي نقطة الانطلاق إلى المستقبل دائمًا.


(*) إيمليو غارثيا غوميث (1905-1995)، أحد أعلام الاستشراق الإسباني، له العديد من المؤلفات حول التاريخ والأدب في العالم العربي، وترجم أعمالًا عربية إلى الإسبانية، منها: "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي، و"رايات المبرزين" لابن سعيد المغربي، و"الأيام" لطه حسين.  
(**) طه أحمد زيادة، مترجم وكاتب وصحفي من مصر،  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها