آخر تحديث:16:19(بيروت)
الأربعاء 05/12/2018
share

رثاء الفوتوغرافيا في "الفيلم": انت تصوِّر.. إذن أنت جاسوس!

أسامة فاروق | الأربعاء 05/12/2018
شارك المقال :
  • 0

رثاء الفوتوغرافيا في "الفيلم": انت تصوِّر.. إذن أنت جاسوس! هل يمكن النظر إلى الفوتوغرافيا بوصفها صورة محايدة عن الواقع؟
في كتابه "الغرفة المضيئة" يشتكي الناقد الفرنسي رولان بارت من ندرة الكتب التي تتناول الفوتوغرافيا كموضوع منفصل، يقول إن عددها دائما أقل من تلك التي تتناول أي فن آخر. فهي ضحية الصعوبة في وجهة نظره، وما يتاح دائما يكون أقرب للتأريخ أو لبحث ظواهر اجتماعية، وتكون في الأغلب "مجبرة لملاحظة الظاهرة الكلية للفوتوغرافيا" تتفحصها عن بعد ولا تتعمق فيها كموضوع منفصل يستحق البحث.

هل اختلف الأمر الآن؟ ربما، قليلا، هناك أيضا وليس هنا في منطقتنا العربية التي لازالت تعاني من ندرة الكتب والأبحاث المتخصصة في هذا المجال، لكن على الأقل أصبحت هناك محاولات دائمة لتظل الفوتوغرافيا حاضرة في الصحف والمجلات العربية، حتى وإن كان ممارسة فعل التصوير نفسه لايزال محل جدل!

المحاولة الأحدث كانت في مجلة "الفيلم" التي خصصت عددها الأخير للبحث في قصة الفوتوغرافيا في العالم، وفى مصر على وجه الخصوص. ليس من الممكن بالطبع عرض جميع موضوعات المجلة، وربما ليس صحيحا أيضا، لكن لم يكن من الممكن تجاهل الموضوع الافتتاحي والذي كان بمثابة إنذار لخطورة الوضع الحالي الذي باتت عليه علمية التصوير في مصر الآن، المجلة لا تبدأ بعرض تاريخي ممل أو بتنظير تقني متخصص بل بلحظة الذروة مباشرة، بـ25 يناير التي كانت "عيد الفوتوغرافيا" في مصر بحسب وصف المصور عادل واسيلي في حواره مع المجلة، يقول إنه ومنذ ذلك اليوم أعاد الناس اكتشاف الفوتوغرافيا، وبدأ الجميع يصور بالكاميرات العادية وبكاميرات الهواتف المحمولة "اكتشفوا أن هناك وسيلة سهلتها التكنولوجيا الحديثة لتسجيل اللحظات الهامة، وأصبح الذين يسجلون اللحظات الهامة بالفوتوغرافيا أكثر بكثير من اللذين يسجلونها بالفيديو"، أصبحت الصورة هي البطل في الصحافة وفي وسائل التواصل ولم تخضع بعدها للنظرة القديمة التي تختزلها كمكمل للموضوع الصحفي، أصبحت هي الموضوع في بعض الأحيان "بعد 25 يناير تأكدت بطولة الصورة وحدثت نقلة في تفكير الناس وتفكير المصورين".

بعدها تراجع الأمر –ككل شيء- ارتدت الأفكار القديمة مجددا، بل ربما عادت بشكل أكبر وأكثر قوة مما كان "بعد الثورة أصبح التصوير عاديا لكنه الآن غير ذلك، أصبح معناه أنت تصوّر، إذن أنت جاسوس، وللأسف هذه النظرة مستمرة، الآن عندما أخرج بالكاميرا أجد المواطنين الشرفاء الذين لا أعرف عما يدافعون وأجد البوليس، لازالت الثقافة العامة لا تفهم أنك حر تصور من غير ما تمتهن مهنة معينة، بمعنى أنه من حقك تهوى التصوير وتمارسه".

هذا الارتداد دفع المصورين للابتعاد، للبحث عن مورد آخر للرزق أقل خطورة، خاصة بعدما تم القبض على بعضهم، وبعدما استغنت عنهم الصحف التي كانت دائما ما ترحب بإنتاجهم، وربما حتى اختفت صورهم تماما مع ما اختفى من الأرشيف الصحافي لثورة يناير، يؤكد واسيلي أن كثير منهم اتجه لتصوير الأفراح، وبعضهم اتجه لتصوير الإعلانات، وبشكل عام قلت الأماكن التي تستقبل معارض الصور، ودفعت الأزمة الاقتصادية الناس للتفكير في أشياء أخرى غير الفن وشراء الأعمال الفنية، أصبح التصوير في الشارع يحتاج لتصاريح أمنية لا يمنحها أحد، وأصبح المصورون كجواسيس يجوبون المدينة متخفيين محملين بأوزار لا يعرفون مصدرها على وجه التحديد.

الصورة شهادة أكيدة، لكنها شهادة عابرة كما يؤكد رولان بارت، إلا أن بدر الدين مصطفى أستاذ الفلسفة المساعد بجامعة القاهرة يفضل أن يستعين بما كتبه الفلاسفة للتأكيد على قوة الصورة لا زوالها، وفي مقاله الذي يلي حوار واسيلي مباشرة ربما نجد تفسيرا فلسفيا لهذا العنف الذي يمارس تجاه التصوير الآن، كما أنه مدخلا مناسبا لقراءة موضوعات المجلة، التي تأتي كلها تقريبا لتمدح أزمنة مغايرة وقت أن كان هناك اعتبار لفكرة الصورة ودورها.

يقول بدر الدين إنه وفقا للمفكرة الأميركية سوزان سونتاغ فقد امتلكت آلة التصوير دوما سطوة هائلة، وقد ظلت تلك السطوة تتنامي حتى تفوقت في عصرنا الحالي على الواقع الفعلي المعاش، أما عند بارت فتبدو وكأنها دليل وجودنا في العالم، توثيق لهذا الوجود، فلسان حال الصورة التي نلتقطها لأنفسنا أو للآخرين "أنظروا لقد كنت موجودا هناك" إذن فالصورة في جوهرها توثيق للوجود والموجود "لا تتمثل أهمية الصورة في كونها تذكرنا بالماضي، فالتأثير الذي تحدثه ليس هو إمكانية إرجاع ما تم محوه، ولكن إثبات أن ما أراه قد وجد بالفعل وبالمثل لا تقول الصورة حتما ما لم يعد كائنا، ولكن فقط بتأكيد ما كان".

إذا للصورة الفوتوغرافية قوة لا يمكن تجاهلها "بل هي في الواقع ربما تغدو أقوى من الحدث نفسه" لماذا؟ لأنه يمكن من خلالها إعادة خلق الحدث في ظروف مغايرة، وهي القوة التي أطلق عليها جان بودريارد الواقعية المفرطة.

في تفسيره يقول أستاذ الفلسفة إذا كانت الحضارة الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين قد أعلت من شأن المشهد والصورة وجعلت منهما وسيطا هاما من وسائط المعرفة؛ فإن ما حدث الآن ونتيجة لهذه المكانة التي احتلتها الصورة، هو غياب الواقع وتواريه خلف عالم من الصور، انكمش الواقع وتضاءل حجمه حتى بات صورة شاحبة، وما لبثت هذه الصورة أن انمحت بالكامل حتى أصبحت غير ذات وجود، وفي المقابل زادت سطوة الصورة وهيمنتها التي كان ينظر إليها على أنها محاكاة لعالم الواقع، فأصبحنا نعيش في عالم مليء بالصور غير ذات الأصل، صور معلقة في فضاء خاص بها، هذا الفضاء يتمدد باستمرار وتزداد رقعته، إلى أن أصبح يحتل الفضاء نفسه الذي كان يحتله الواقع "نوع من الإزاحة والإحلال إن جاز التعبير، على أن الفرق بين الواقع الجديد والواقع القديم، ليس فرقا في النوع، إنما فرق في الدرجة بمعنى أن الواقع الجديد يمتلك من عوامل الجذب والإبهار ما لم يكن يمتلكه الواقع القديم، لذا فهو لا يقدم نفسه كواقع بديل فقط، بل أشد واقعية من الواقع القديم نفسه".

هل يمكن النظر إلى الفوتوغرافيا بوصفها صورة محايدة عن الواقع؟ يسأل بدر الدين ويجيب على لسان بوديارد مؤكدا أن الأخير بالتأكيد كان سينفي نفيا قاطعاً. فالصورة، أيا كان ادعاؤها بالحياد، مزيفة في جوهرها ولا يمكن التأكد من صحتها لأنها غدت منتمية إلى واقع آخر غير الذي حدثت فيه.

ختام المقال يتناسب مع الحالة التي أصبح عليها التصوير، حيث يخلص إلى أن التصوير الفوتوغرافي فن رثائي في جوهره، وأغلب الموضوعات الفوتوغرافية على صلة بالرثاء، والصورة الفوتوغرافية لها حضور زائف، وهي رمز للغياب في الوقت ذاته، خاصة تلك التي تمثل أشخاصا لا يمكن رؤيتهم بصورة مباشرة، أو منظرا طبيعيا بعيد المنال، أو ذكريات مرتبطة بمكان لم يعد يحتوينا، أو ماضيا مندثرا، إنها تنفض التراب الذي تراكم على الذاكرة، وتوقظ أيضا أحلام اليقظة من مرقدها "الإحساس بالشيء بعيد المنال، الذي يمكن أن يستحضر في الصورة، يتغذى على نحو مباشر بمشاعر الرغبة لأولئك الذين تتعزز رغبتهم في البعد".



الصورة تستخدم كأداة هروب من الواقع أيضا حسبما تؤكد ضحى الورداني في مقالها "الحنين للماضي في عصر الصورة"، تسأل: كيف يمكن الحنين إلى عصر لم يُعَش؟ باعتبار أن أغلب الشباب الذين يتحدثون عن روعة الماضي من حيث البناء المعماري والأفلام السينمائية والعلاقات المختلفة بين البشر، لم يعاصروا هذا العصر، بل إن اسلافهم أنفسهم كانوا في مرحلة الطفولة وقتها! وتؤكد أن النوستالجيا هي السبب في تلك الأزمة، تلك الحالة العاطفية التي يستدعيها الإنسان في توقيت معين باعتبارها آلية دفاع، يستخدمها العقل لتحسين الحالة المزاجية و"تكثر عند شعور الإنسان بفقد حياته قيمتها وتغيرها للأسوأ، وهنا يبدأ الإنسان في البحث عن أفضل عصر يشعر بالحنين إليه، فيبدأ في الوصل بين الزمن القديم والحديث، وهنا لا يهرب الإنسان من مسؤوليات الواقع المعاش، بل هو يهرب من الواقع نفسه، فيبدأ الشعور بالألم الناتج عن الرغبة في العودة إلى الماضي".

العدد تضمن أيضا الحلقة الأولى من مشروع الكاتبة إيمان علي، الذي تبحث فيه في الأرشيف الفوتوغرافي للأدباء، وكانت الحلقة الأولى بحثاً مفصلاً في أرشيف الكاتب علاء الديب. كما تضمن أيضا إطلالة موسعة على الأرشيف العائلي للدكتور عماد أبو غازي وزير الثقافة الأسبق.

ويبدو العدد في مجملة جملة رثائية طويلة لعصور احتلت فيها الصورة مركز الصدارة، وسؤال استفهامي كبير حول مستقبلها في عصر الإتاحة التكنولوجية والرفض/الخوف الرسمي.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها