آخر تحديث:13:59(بيروت)
الثلاثاء 04/12/2018
share

طلاء التماثيل المصرية.. الأحياء يغتالون الموتى

شريف الشافعي | الثلاثاء 04/12/2018
شارك المقال :
  • 0

  • طلاء التماثيل المصرية.. الأحياء يغتالون الموتى
    نفرتيتي مشوهة
  • الطهطاوي
    الطهطاوي
  • ماريلين مونرو
    ماريلين مونرو
لا يرتضي فن التشكيل بأن يكون التمثال مجرد اشتقاق لغوي من التمثّل، بمعنى تشبّه الصورة بالأصل، فالمحاكاة مهارة وتمارين قاسية على ممارسة الإبداع، لكنها ليست الإبداع ذاته، المقترن بالضرورة بالخلق والخيال، والانطلاق العفوي في أفق لا نهائي من التحرر.

وفق هذا الطموح الطبيعي، وتلك الرؤية الأولية للفن، انطلق النحّات المصري عبر العصور، معيدًا هندسة الكون بكتله القادرة على استعمار الفراغ، وتكويناته البصرية الراغبة في احتلال الحواس الخمس والتوغّل في داخل الإنسان. فما ينتجه الفن هو حيوية الحياة بكل طاقتها، إذا أريد لهذا النتاج البقاء، وإلا فإن الأزمنة تطويه مستهزئة.

بأبعادها الثلاثية، وصلتنا مصر الفرعونية كاملة التفاصيل، من خلال مجسّمات مبدعيها الاستثنائيين، حيث يتجلى شموخ الآلهة وصخب البشر وجلال البناء، وتتكشف يوميات الواقع الاعتيادي بما فيه من تعبّد وعمل وحب وحرب وأحداث سياسية وعلاقات اجتماعية وموت وتهيؤ للبعث. هي الصورة الدينامية التي تحكي بغير توقف، وهي الروح التي تتحدى؛ شأنها شأن الصخر؛ فكرة التلف.

المجسّمات والمنحوتات، بأحجامها المتباينة، سمة مميزة لمصر الفرعونية، وفي المعتقد القديم أن أن التماثيل لها دور في تمكين الروح داخل المقبرة من ملاقاة صاحبها المتوفى في الآخرة. وبحسب المكانة والمنزلة، تتباين الأحجام وتتعدد الأشكال، والأضخم على الإطلاق هو تمثال الفرعون، تليه تماثيل الموظفين والكتبة في البلاط، ثم تماثيل العمال والخدم.

من الحجر الكلسي، أنتج الوعي المصري تمثال "أبو الهول" الأسطوري، الأشهر في العالم، بجسم الأسد ورأس الإنسان. ومن الحجر الجيري، صاغت الأصابع المرهفة تمثال نفرتيتي؛ رمز الأنوثة والجمال، في العام 1345 قبل الميلاد. أما تمثال رمسيس الثاني، البالغ عمره أكثر من 3200 عام، والذي يتجاوز وزنه 80 طنًّا، فمنحوت من الغرانيت الصلد، فيما تشكل المسلات العملاقة من الكتل الصخرية، المصوغة تيجانها على هيئة لوتسات وأزهار، ما يصفه الخبراء والمختصون بالمعجزة المعمارية بكل المقاييس.

في مرحلة النهضة الحديثة، في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، كان منطقيًّا أن يرث الأحفاد عبقرية الأجداد، في ميدان النحت، والفنون التشكيلية عمومًا. وكان منطقيًّا كذلك، أن يُسَمّى التمثال الأبرز في ذلك العهد "نهضة مصر"، فهو عنوان لبلد بأكمله يتطلع للاستقلالية والتطور والازدهار، وهو عمل ضخم من حجر الغرانيت، طرحه الرائد محمود مختار العام 1920، وفيه كل آمال مصر الراهنة وتطلعاتها المستقبلية ممثلة في فتاة متوثبة تتماس يدها مع رأس "أبو الهول"، وبينهما حوار بصري ثري الدلالات.

شكلت تماثيل الميادين والأمكنة المفتوحة جانبًا مهمًّا من شخصية مصر التاريخية لفترة طويلة، ومنها تمثال "نهضة مصر" بميدان جامعة القاهرة في الجيزة، وتمثال رمسيس الثاني، الأشهر، الذي خاض رحلة تنقلات متتالية حتى مستقره الأخير في بهو المتحف المصري الكبير، وتماثيل الزعماء والقادة والسياسيين والفنانين والمشاهير في سائر المجالات.


هذه القيمة البصرية لتماثيل الميادين، في القاهرة والمدن المختلفة، تجانست مع قيم مماثلة في مفردات "العمارة المصرية" على وجه العموم، وهي التي بلغت ذروة نضجها وتطورها في عهد الخديوي إسماعيل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. إذ جرى التخطيط لأن تكون القاهرة الخديوية هي باريس الشرق، فنيًّا وحضاريًّا، واستمرت هذه الرؤية الجمالية تسم وجه مصر المعماري الأنيق إلى ما بعد منتصف القرن العشرين.

في سنوات الانحدار الأخيرة، التي تراجعت فيها قوة مصر الناعمة وفقدت بوصلتها الهادية وتأثيراتها الإشعاعية داخليًّا وخارجيًّا، امتدت يد التلوث البصري والتشويه إلى سائر العناصر، في المناطق والأحياء والشوارع الأثرية، والمنشأة حديثًا على السواء. وبدت مشروعات قومية من قبيل "إحياء القاهرة التاريخية" و"تطوير الميادين العريقة" مثل مزحة باردة، في ظل غزو العشوائيات وتصاعد الأدخنة واستفحال الضجيج، واختزال فكرة المكان في مفهوم سطحي يغفل المناخ العام الحالي أو الطقس الكلي المحيط، المحيل إلى الفوضى والتهالك والتدني الحضاري والاختناق الإنساني.

لم تنج التماثيل، بطبيعة الحال، من منظومة التجريف والتخريب الكائنة، في مشهد مأساوي طاول الأعمال القديمة والجديدة على السواء، على نحو غرائبي يبدو كأنه ممنهج، لهدم شخصية مصر المعمارية والتاريخية، وهدر جمالياتها البصرية، بمعرفة الأحياء الذين لم يكتفوا بالاعتداء على الأحياء، واغتيال الأفكار في مهدها، فاغتالوا الموتى كذلك بتشويههم وسحق أطيافهم المحلقة في الأجواء.

أكثر من آلية جرى اعتمادها، ويجري، لإفساد الذوق ونشر ثقافة القبح عبر التماثيل المزرية، فمن سيناريوهات الإهمال المتعمد في صيانة ونقل التماثيل القائمة، إلى آليات التدمير تحت ستار ترميم التماثيل وتحديثها، بالإضافة إلى ملء الفراغ بأعمال أخرى جديدة لا تمت إلى الفن بصلة بدعوى التزيين والتطوير.

المثير للدهشة أن مثل هذه الإجراءات توكل إلى غير المتخصصين في الفن، عبر الأجهزة الإدارية والمحافظين وموظفي الوحدات المحلية، فتأتي النتائج كارثية في بعض الأحيان إلى درجة تفوق التصور، كما في حالات طلاء تماثيل مرموقة وتحف أثرية بالألوان الزاعقة، وإضافة عناصر بصرية رديئة إليها، وتغيير هيئتها الأصلية، لتبدو كأنها مرآة للواقع المصري بكل ما فيه من "ضحك كالبُكا".

عشرات الحالات، في أشهر قليلة، لمثل هذا العبث، بما يعني أن الأمر أكبر من الصدفة، وأخطر من سوء التصرف نتيجة غياب الوعي أو نقص المعرفة. وفي كل مرة تثار ضجة، وتشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بالسخرية، وتطلق منابر الإعلام قذائف الانتقادات والاحتجاجات، ثم تتلاشى الزوبعة كأن شيئًا لم يكن، وبعدها تتكرر الواقعة.

من أحدث هذه الإساءات خلال الفترة الوجيزة الماضية، على سبيل المثال لا الحصر، ما جرى لتمثال الخديوي إسماعيل نفسه، صاحب الحلم بأن تصبح القاهرة بمعمارها الراقي باريس الشرق، حيث تفتقت أذهان المسؤولين في محافظة الإسماعيلية عن فكرة طلائه باللونين الأسود والفضي، بدلًا من لونيه الأصليين: الأخضر والذهبي، ليتحول التمثال الغرانيتي الضخم من عمل فني متميز إلى مسخ من العيار الثقيل.



هذا الطلاء البغيض، أو ما يمكن تسميته بقناع طمس وجه مصر، طاول أيضًا تمثال الزعيم أحمد عرابي في مسقط رأسه بالزقازيق، بعد دهانه باللون الأخضر، وطربوشه بالأحمر، وطلاء الحصان الذي يمتطيه باللون الأبيض، والطريف أن مسؤولية فضيحة "الرجل الأخضر" آلت في هذه المرة إلى "عمال النظافة".

وتسبب الطلاء في تحويل تمثال الكاتب عباس محمود العقاد، في مدينته أسوان، إلى كائن مرعب، بعد تلوينه بالأصفر والأخضر والأسود، وهو العمل النحتي الرصين الذي صممه الفنان فاروق إبراهيم فى تسعينيات القرن الماضي.

وإلى تماثيل رائد النهضة رفاعة الطهطاوي في سوهاج، وسيدة الغناء أم كلثوم في الزمالك، والمخرج العالمي يوسف شاهين في الإسكندرية، والموسيقار محمد عبد الوهاب في حي باب الشعرية بالقاهرة، حيث تسبب الطلاء وتشويه الملامح بدعوى الترميم والإنقاذ من التصدع والحماية من العوامل المناخية، في تحويل هذه الأعمال إلى شواهد على ما آلت إليه الذائقة البصرية من ضمور تام.

حتى الحسناوات، لم يسلمن من هذا التضرر بفعل الرداءة والطلاء. فنفرتيتي رمز الأنوثة والبهاء ظهرت في تمثال لا يمت للجمال بصلة في محافظة المنيا، مطليّ بألوان منفرة، وكذلك الحال في تمثال كليوباترا في الإسكندرية، وتمثال مارلين مونرو بدار الأوبرا المصرية، وتمثال عروس البحر في سفاجا.

إن ما يؤكد أن مثل هذه المهازل تجري مع سبق الإصرار، أنها لا توكل إلى جهات ثقافية مثل "الجهاز القومي للتنسيق الحضاري" أو "قطاع الفنون التشكيلية" التابعين لوزارة الثقافة، ولا تُعهد إلى كيانات مستقلة أو فنانين متخصصين. إنما تقع مسؤولية "التجميل" على المحافظين والمحليات وجهات إدارية بعيدة من الحقل الإبداعي، تحكمها عقليات بيروقراطية محدودة وميزانيات زهيدة لا يمكنها الارتقاء إلى الشكل الاحترافي، على الرغم من وجود قرار حكومي مجمّد بحظر المساس بتماثيل الميادين أو ترميمها دون الرجوع لوزارة الثقافة.

وأخيرًا، أبت يد "الطلاء الحكومي" أن تترك يد فنانة ناشئة تعمل بطلاقة في تمثالها الجديد الذي أعدته للاعب محمد صلاح في منتدى شباب العالم منذ أيام قليلة، وقد عزت النحاتة مي عبد الله عدم رضاها عن التمثال في شكله النهائي إلى طلائه بمادة البرونز على غير رغبتها، إذ ظلم الطلاءُ التمثالَ، مثلما ظلمها، وظلم صلاح!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها