آخر تحديث:12:26(بيروت)
الإثنين 31/12/2018
share

استعادة نفرتيتي.. موجة جديدة من "طق الحنك"!

أسامة فاروق | الإثنين 31/12/2018
شارك المقال :
  • استعادة نفرتيتي.. موجة جديدة من "طق الحنك"!
    رأس السيدة الأولى
  • حجر رشيد
    حجر رشيد
خلال الأسبوع الماضي، ألقى خبير الآثار المصرية ووزيرها الأسبق زاهي حواس، محاضرة في مدينة كوريتيبا البرازيلية حضرها 3 آلاف شخص، وقال فيها إنه سيقود حملة من المثقفين المصريين والأجانب لاسترجاع حجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ورأس نفرتيتي الموجودة في متحف برلين، والزودياك في متحف اللوفر بفرنسا، لعرضها في المتحف المصري الكبير عند افتتاحه.

حديث حواس شغل المواقع الإخبارية لتخرج كل يوم بعناوين عريضة عن حملته الكبيرة غير المسبوقة لاستعادة التراث المصري المنهوب، وبالطبع القنوات التلفزيونية التي وجدتها فرصة لتملأ ساعات الفراغ بمداخلاته وتحليلاته. والحقيقة أنها لم تكن المرة الأولى التي يقول فيها حواس هذا الكلام، وربما لن تكون الأخيرة، وهو يعرف إنه، بلا إرادة حقيقة لتنفيذه، فلا طائل من ورائه ولا مستفيد إلا اللغط حول حواس نفسه، الذي لا يعدم الطرق التي يعود بها إلى الأضواء مجدداً كلما ابتعدت عنه عدسات التصوير، خصوصاً إذا عرفنا أنه لم يحدد أي موعد لبدء حملته تلك ولا الطريقة ولا الأسماء الداعمة، وإذا عرفنا أيضاً أن أحدث خطوة في هذا الأمر كانت منذ 10 سنوات تقريباً.

كان حواس قد نظم في 2010، باعتباره الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار وقتها، مؤتمراً دولياً ضم 16 دولة لمناقشة قضية استعادة التراث الثقافي. وفيه، جدد حواس دعوته التي سبقت المؤتمر بأشهر، لاستعادة خمس من أهم القطع المصرية الموجودة في متاحف العالم: تمثال "حم أيونو" مهندس الهرم الأكبر والموجود في متحف "هيلدزهايم" بألمانيا، ورأس الملكة نفرتيتي في متحف برلين، وحجر رشيد بالمتحف البريطاني، و"الزودياك" أو القبة السماوية والموجودة في متحف اللوفر، أما القطعة الخامسة فهي تمثال "عنخ حااف" مهندس الهرم الثاني للملك خفرع ومعروضة في متحف الفنون الجميلة ببوسطن، وأضاف لها قطعة جديدة هي تمثال رمسيس الثاني الموجود في متحف تورينو بإيطاليا، بينما طلبت الدول الأخرى مهلة حتى تستشير حكوماتها حول القطع التي يمكن أن تطالب بها!

أثناء فترة التحضير، قال حواس أن الآثار المصرية تنهب منذ عصر الفراعنة، وللأسف لا قانون يلزم الدول بردّ ما لديها من تراث الأمم الأخرى، "وكان من المنطقي أن نبدأ نحن بهذه الدعوة لأننا أكثر الدول المنهوبة". وفي الافتتاح أجاب على سؤال حول اختيار هذه القطع الست بالتحديد، قائلاً إنها من القطع الفريدة التي يجب أن تظل في مصر، بينما توجد قطع أخرى "لا تستحق الحرب من أجلها" لأنها مكررة وبالآلاف، ومن وقتها بدأ خبراء المجلس في إعداد ملف شامل بكيفية خروج هذه القطع من مصر، وحتى الآن لم ينته، ولم يعلن التوصل لشيء جديد!

رأس "السيدة الأولى" 
الرأس الشهيرة عثرت عليها بعثة ألمانية بقيادة عالم المصريات الألماني، لودفيك بورخارت، في 6 ديسمبر 1912، في ورشة النحات تحتمس، في تل العمارنة. والراويات متضاربة حول الكيفية التي هرّب بها بورخارت التمثال، فهناك من يقول إنه هربه إلى منزله في حي الزمالك بالقاهرة، ومن هناك هرّبه إلى ألمانيا مخفياً إذ قام بطلائه بالكامل ببعض طبقات من الطمي وأرسله ضمن مجموعة من الفخار للترميم في ألمانيا. ورواية أخرى تقول إنه قام بطلاء التمثال فعلاً لكنه لم يرسله للترميم بل تركه حتى يوصّف خلافاً لحقيقته الفعلية ولا يؤول لمصر تبعاً لقواعد القسمة التي كانت متبعة وقتها، ويصنف باعتباره مجسماً وليس تمثالاً كاملاً. وأياً كان ما حدث، فالنتيجة النهائية أن عملية الإخفاء كانت دقيقة تماماً حتى أن أحداً لم يلاحظ تمثالاً نصفياً فريداً، ملوناً ومصنوعاً من الحجر الجيري والجص، يصور بدقة مفاتن امرأة رائعة الجمال، بوجه جذاب، وعنق طويلة، وأنف دقيق، ووجنتين بارزتين، ترتدي غطاء فريداً للرأس مخروطي الشكل.

النزاع –الحديث حول نفرتيتي بدأ في 2009 تقريباً، حين فاجأ حواس الحاضرين في معرض الآثار الغارقة، الذي أقيم في العاصمة الألمانية برلين، فقال: "إن نفرتيتي تطلب السماح بزيارة زوجها اخناتون وأهلها في مصر". كلمة حواس أثارت لغطاً واسعاً ليس فقط بين جمهور الحاضرين، بل في المجتمع الألماني الذي ارتبط بتمثال الملكة حتى أطلق عليها لقب "السيدة الأولى". ومن ناحية أخرى، وجد البعض أنه مطلب عادل جداً، خصوصاً أن حواس اقترح استضافة التمثال ثلاثة شهور فقط، ولأن طلب حواس لم يكن رسمياً فلم يتلقّ أي ردّ رسمي من الحكومة الألمانية، حتى فوجئ الجميع ببيرد نويمان، وزير الثقافة الألماني وقتها، يعقد مؤتمراً صحافياً يرفض فيه الطلب المصري بحجة أن التمثال ربما يتعرض للخطر أثناء عملية النقل كما أن التمثال خرج بطريقة شرعية، ما يجعله خارج طائلة القانون.

الرد الألماني الصادم قوبل باستهجان شديد، وبناء عليه، هدد حواس بقطع التعامل مع ألمانيا في ما يخص المجال الأثري، ولم يفعل ذلك بالطبع. وذلك رغم إنه تأكد من قبل من فاعلية هذا الإجراء عندما هدد بوقف أعمال البعثات الفرنسية في مصر، وبالفعل، استعاد وقتها جداريات أثرية مسروقة كانت معروضة في متحف اللوفر.

لكن على أي حال لم تكن هذه هي المحاولة الأولى لاستعادة الرأس الشهيرة. فطبقاً لما يرويه الكاتب أشرف العشماوي، الذي كان مستشاراً قانونياً للمجلس الأعلى للآثار، في كتابه "سرقات مشروعة" عن تلك الفترة، يقول أنه، في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، وقت حكم الملك فؤاد، وعقب ظهور رأس نفرتيتي في برلين في صورة علنية، تمت مخاطبة السلطات الألمانية لاسترداد الرأس، إلا أن المحاولة لم تتكلل بالنجاح، بعدما رآها هتلر في المتحف، وقال مقولته الشهيرة إنه "على استعداد لشن حرب على مصر، حتى لا تغادر تلك التحفة الرائعة برلين"!
والمحاولة الثانية قادها جدّه محمد باشا العشماوي، وزير المعارف المصري، في 14 أبريل 1946. وقتها قدمت مصر طلباً رسمياً إلى مجلس قيادة الحلفاء الذي كان مسؤولاً عن القطع الفنية والتاريخية في ألمانيا، إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، لاستعادة الرأس، وأتبع ذلك بطلب رسمي من السفير المصري بالولايات المتحدة إلى وزارة الخارجية الأميركية بتاريخ 21/2/1947 لإعادة رأس نفرتيتي. إلا أن مجلس الحلفاء أفاد بأنه ليست لديه السلطة لاتخاذ هذا القرار، وأوصى بإعادة تقديم الطلب مرة أخرى بعد قيام حكومة ألمانية قادرة على إدارة شؤونها.

المحاولة الجديدة قادها أشرف بنفسه، العام 2009، وانتهى إلى أن التمثال يمكن استعادته إذا ما توافرت مستندات محددة وهى: يوميات بورخارت، ومحضر القسمة الذي خرج التمثال بموجبه لصالح البعثة الألمانية، بالإضافة إلى القوانين التي كانت مطبقة في ذلك الوقت. خاطبت مصر متحف برلين، مرات عديدة، للحصول على الوثائق والمستندات الخاصة بالبعثة، وبالطبع كان الطلب يقابل بالرفض، حتى كان يوم 20/12/ 2009. يومها حصلت مصر على نسخة من بروتوكول القسمة ووثائق أخرى ذات صلة بالموضوع، لكنها ليست من برلين وإنما من أحد معاهد الآثار الأوروبية في مصر! وكانت من بينها مجموعة من النشرات والمطبوعات التي نقلت عن شهود عيان وقائع ما جرى وقت اكتشاف الرأس، حتى إجراء القسمة في منطقة تل العمارنة، ويوميات مكتشف الرأس وممثل البعثة في عملية القسمة.

وتبين من هذه الوثائق، كما يقول العشماوي، أن ممثل مصلحة الآثار المصرية لم يعاين الرأس وإنما اكتفى بصورة عرضها عليه بورخارت، بعدما كان قد وضع الرأس فعلاً في صندوق خشبي، وأودعه في غرفة سيئة الإضاءة في تل العمارنة، وأثبت في محضر القسمة أن الرأس مصنوعة من الجبس ويخص أميرة من الأسرة الملكية. وفي اليوميات نفسها، يؤكد بورخارت أنه كان يعلم من البداية قيمة التمثال، وأنه مصنوع من الحجر الجيري، لكنه لم ينشر هذا الكشف علمياً إلا بعد 10 سنوات.

يؤكد العشماوي أن كل هذه الوثائق تثبت تدليس الجانب الألماني في عملية اكتشاف التمثال. ورغم ذلك، فشلت كل المحاولات السابقة لاستعادته، أو حتى استعارته لمدة 3 شهور فقط. وفى رأيه يعود السبب الأساسي في ذلك إلى الطريقة التي تتبعها الحكومات المصرية المتتابعة في الطلب، وحتى اللغة التي تستخدمها، بحيث يبدو الطلب وكأنه رجاء لا حسم فيه ولا قوة مَن يطالب بحق أصيل من حقوقه.

حجر رشيد.. مفتاح اللغز
كان نشر الفرنسيين لكتاب "وصف مصر" الذي سجل فيه علماء الحملة الفرنسية وصفاً تفصيلياً لما شاهدوه من بقايا أثرية، هو نقطة التحول التي بدأ عندها اهتمام العالم الغربي بآثار مصر. وبلغت حمّى البحث عن الآثار أشدها في مصر، حتى باتت المقابر تفتح وتباع محتوياتها للسائحين، بل إن المتحف المصري نفسه كان يخصص قاعة كاملة لبيع الآثار! وقبل ذلك كانت الاتفاقات الرسمية بين مصلحة الآثار وبعثات التنقيب، تقضي بحصول المنقبين على جزء مما يعثرون عليه من بين القطع المكررة أو الأقل أهمية. وكان البعض بالطبع يعمد إلى إخفاء أهمية القطع التي يأخذها، وهو ما حدث مع رأس نفرتيتي، وأيضاً مع حجر رشيد، وإن كان الأخير لم يتم إخفاؤه، إذ خرج تحت الحماية الفرنسية التي اكتشفته، إذ اكتشفه ضابط فرنسي في 19 يوليو 1799 إبان الحملة الفرنسية، وقد نُقش العام 196 ق.م. ويمثّل مرسوماً ملكياً صدر في مدينة منف العام 196ق.م. أصدره الكهنة تخليداً لذكري بطليموس الخامس، وفيه ثلاث لغات: الهيروغليفية والديموطقية (القبطية ويقصد بها اللغة الحديثة لقدماء المصريين) والإغريقية. وكان وقت اكتشافه لغزاً لغوياً لا يفسر منذ مئات السنين، لأن اللغات الثلاث كانت وقتها من اللغات الميتة، حتى جاء العالم الفرنسي جيان فرانسوا شامبليون، وفسر هذه اللغات بعد مضاهاتها بالنص اليوناني ونصوص هيروغليفية أخرى.

كان محتوى الكتابة، تمجيداً لفرعون مصر وإنجازاته، وقد كتبه الكهنة ليقرأه العامة والخاصة من كبار المصريين والطبقة الحاكمة. وكان العالم البريطاني، توماس يانغ، قد اكتشف أن الكتابة الهيروغليفية تتكون من دلالات صوتية، وأن الأسماء الملكية مكتوبة داخل أشكال بيضوية خراطيش، وهذا الاكتشاف أدى إلى فك العالم الفرنسي شامبليون لرموز الهيروغليفية العام 1822. وبهذا الكشف، فتحت آفاق التعرف على حضارة قدماء المصريين وفك ألغازها، وترجمة علومها بعد إحياء لغتهم بعد مواتها عبر القرون. وأصبحت الهيروغليفية وأبجديتها تدرس لكل من يريد دراسة علوم المصريات. وقد نقل الحجر إلى لندن طبقاً لشروط معاهدة 1801 بين الانكليز والفرنسيين، وهو الآن يعد واحداً من أهم القطع الأثرية المعروضة في المتحف البريطاني بلندن.



الزودياك.. تحفة فريدة بألف قرش
الحملة ومجموعة "وصف مصر" كانت أيضاً سبباً في خروج الزودياك، إحدى القطع الأثرية المصرية الفريدة، والحكاية تقول إن جامع الآثار الفرنسي لويس سباستيان سولنييه، كلف المهندس جان بابتيست لولورين في نقل لوحة "دائرة الأبراج الفلكية" الزودياك- الرائعة من سقف معبد دندرة وشحنها إلى باريس، جمال هذه اللوحة قد أثار كثيرا الحساسية الفنية للفرنسيين حيث نسخت بشكل رائع في "وصف مصر"، وفيها نرى أكمل وأقدم تصور لبروج السماء الأثنى عشر كما تخيلها المصري القديم.

كانت دائرة الأبراج محفورة في كتل من الصخور بسمك ثلاثة أقدام واستخدم لولورين البارود ليفجر ثقوباً فيها، ثم بدأ رئيس عمال، وأربعون عاملاً، في القطع باستخدام الأزاميل والمناشير. وبعد ثلاثة أسابيع من العمل ليلاً ونهاراً، أزيلت الكتل وجرت على بكرات إلى أحد القوارب وأعلن القبطان أن المياه منخفضة إلى حد لا يسمح له بالإبحار شمالاً بهذه الحمولة الثقيلة في هذا الموسم. غير أن لولورين كان قد بقي في مصر، بما يسمح له بأن يدرك أن الرجل تلقى رشوة من الإنكليز، فسأل القبطان ببساطة عن المبلغ الذي عرض عليه، ودفع 1000 قرش وأبحر القارب. وفي منتصف الطريق إلى القاهرة، أوقفهم وكيل انكليزي، ومعه أمر من الوزير الأول للباشا يحظر عليهم نقل الأحجار، غير أن لولورين رفع العلم الفرنسي وتحدى منع سير قاربه وواصل الإبحار. وفي الإسكندرية، حاول القنصلان الانكليزي والفرنسي منعه من شحن دائرة الأبراج، مدركين أي إضافة مثيرة ستمثل لمجموعتيهما، غير أن لولورين أصرّ، وشحنت الكتل سالمة إلى باريس وبيعت للويس الثامن عشر مقابل 150 ألف فرنك، وأعيد جمعها في اللوفر.

أما القطع الثلاث الأخرى: تمثال "حم أيونو" مهندس الهرم الأكبر، تمثال "عنخ حااف" مهندس الهرم الثاني، وتمثال رمسيس الثاني، فكلها خرجت من طريق المبادلات الرسمية. وإذا كنا قد فشلنا في استعادة ما ثبتت سرقته، فما العمل في ما وهبناه؟!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها