آخر تحديث:13:17(بيروت)
الإثنين 03/12/2018
share

عن الماكرونية

روجيه عوطة | الإثنين 03/12/2018
شارك المقال :
  • 0

عن الماكرونية العهد الماكروني، وبابتغائه تحويل فرنسا إلى سوق يعود بالأرباح على مالكيه، يواصل نفي روحها
ليست مظاهرات "السترات الصفراء" في فرنسا الآن، مجرد اعتراض على قرار الحكومة زيادة الضرائب على المحروقات، بل إنه ابلاغ عما تعيشه البلاد أيضاً: عهد يسهر على الإسراع بها إلى الدمار، عهد لا يمكن أن يشتغل جيداً بلا أن يدفعها إلى الإمعان في دمارها، وفعله هذا يستهدف أفضل ما فيها، أي روحها، التي بلورتها حوادثها الكبرى والصغرى، من 1789 إلى 2005، وبينهما 1871 و1968.

فالعهد الماكروني يقوم بمنظور محدد، وهو جعلها سوقاً لا أكثر ولا أقل. يعين غاية السوق بأن يكون مقصد طبقة اقتصادية غنية من أنحاء العالم، أو بالأحرى من أنحاء العولمة. تسويغ هذا الأمر يتطلب من العهد أن يبديه، وبطريقة غير معلنة، كسبيل لتخفيف زحمة الأجانب، تماماً كما هو الوضع في تلميحه عند اعلائه أقساط الجامعات للطلاب غير الفرنسيين والأوروبيين. مثلما يبديه، وبطريقة معلنة، كحاجة لا مفر منها. فقرار زيادة الضرائب على المحروقات يندرج في سياق الحفاظ على بيئة المحلة. لكنه، في الواقع، وعدا أن تحصيله ينهك الطبقة الفقيرة، فالغالب من محصوله يوزع على ما لا يمت للإيكولوجيا بصلة.

من هنا، العهد الماكروني، وبابتغائه تحويل فرنسا إلى سوق يعود بالأرباح على مالكيه، يواصل نفي روحها من خلال إطاحة أساس من أسسها، أي المساواة. هذا ما يؤدي إلى ضرب اجتماعها وتفتيته، وبالتالي، لا يعود بمقدوره أن يلتئم الا بنكران تحطمه أمام أي "غريب" عنه. مثلما يؤدي إلى الإمساك بهذا الاجتماع المضروب والمفتت بسياسة الأمن، بحالة الطوارئ، وقبلها، حالة الكوارث، بتخويفه من الهجمات الإرهابية. وهذا ما حذر منه البعض على إثر مظاهرات السترات الصفراء. لذلك، الماكرونية هي أقصر الطرق إلى تفشي اليمين المتطرف، إلى تفشي اللوبانية، التي تطرح على الاجتماع إياه إقفاله، وردِّه إلى "أصله"، إلى ما قبل ضربه وتفتته، بجعل الغريب مصدر خطر عليه.

بالاستناد الى الماكرونية، لا يمكن ان يلتئم الاجتماع سوى بالتستر على حطامه أمام الغريب. وبالاستناد إلى اللوبانية، لا يمكن أن يزيد من التئامه سوى بإلغاء الغريب، بالوقوف ضده. وفي الحالتين، تزول المساواة.

قالت الروائية فرجيني ديبانت، ذات مرة، إنه لا يوجد سوى التطرف اليميني واليمين المتطرف. من المتاح الإضافة إلى هذه الملاحظة اللامعة والدقيقة أن الأول، وفي لحظته الماكرونية، كشف أنه صار الخادم المباشر للثاني. فمهما رفع هذا التطرف شعارات شبيهة بفيديوات التحفيز، فهو لا يريد سوى رفع الضرائب، وكسب الأرباح. وفي النتيجة، يتطرف في اغتيال المساواة، يفتح الطريق لليمين للتنكيل بجثتها.

فاللوبانية هي يمين هذا المتطرف في محو المساواة. وهذا المتطرف يهيئ لها القدوم من تحت قناعه، لأنها ببساطة وجهه. من النافل التذكير بعبارة سجّلها أحد متنوري الجمهورية العظيمة: الوجه اللوباني هو وجه "الديموقراطية" كما شوّهها/حددها التطرف اليميني.

قد تكون الماكرونية، الممثل الخالص والبسيط للرأسمالية، بحسب جاك رانسيير. إلا أنها، وبالفعل نفسه، الممثل السهل وسريع الهضم للتطرف اليميني أيضاً. يكفي الاستماع إلى الاتهامات الموجهة ضد محتجي "السترات الصفراء" لإدراك سطحيتها، ولإدراك أن تطرفها فرغ بالكامل. كأنه ما عاد يسيّر سوى مصالح عدد ضئيل جداً من الناس. حتى المدافعين عنه يفعلون ذلك، رفعاً للعتب. على أن التطرف، وكلما فرغ، ازداد خطورة، لأنه يدفع مزاوليه، أو "الشركاء" فيه (بما أن الماكرونية مولعة بالمنطق الشركاتي)، إلى إلغاء كل ما ليس مثلهم: وهم الناجحون. فمعلوم تقسيم الرئيس ماكرون للفرنسيين، بين الناجحين و"مَن هم لا شيء". وعلى هذا النحو، "السترات الصفراء" هم اللاشيء الذي، في الأساس، وُضع الامتحان لكي ينتج رسوبهم.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب