آخر تحديث:12:33(بيروت)
الأحد 02/12/2018
share

فيوليت أبوالجلد لـ"المدن":بالشِّعر أرمّم ما تداعى..وأبني حلماً فوق حلم

محمد حجيري | الأحد 02/12/2018
شارك المقال :
  • 0

فيوليت أبوالجلد لـ"المدن":بالشِّعر أرمّم ما تداعى..وأبني حلماً فوق حلم أرافق المجانين الى عقولهم وسعيدة بلعبتي
فيوليت أبو الجلد شاعرة لبنانية هادئة لماحة حالمة، ترمم "العالم بالشعر" كما تقول، وتمتاز قصيدتها بنوع من الاستعارات المبتكرة والفلاشات الحسيّة العالية خارج الانفعالات السائدة، تكتب الحب والجسد والمرأة والرجل بلغة الأنوثة والحياة والشعر. معها هذا الحوار. 

- بداية أين أنت من واقع الشعر في مدينة زحلة، هذه المدينة المميزة التي تجمع بين الشعراء المعالفة (آل المعلوف) وسعيد عقل وشاعر المحكية ميشال طراد، هل كان لهم تأثيرهم فيك؟

* أنا من زحلة، لكني ولدت وكبرت في جونية قرب البحر، بين الكنائس والحدائق والحياة بتنوعها وغناها، بحربها وسلامها. أحب شعراء زحلة، أعتز بهم كما أحب وأعتز بكل شعراء لبنان كمحبتي للشعر أينما كان، عربياً أو عالمياً.
الشاعر يقرأ كثيراً، يبكي ويضحك كثيراً، ينسى كثيراً ثم يكتب تجربته الخاصة، متأثراً بكل ما ذكرته، ومتخلياً عن كل ما ذكرته وما لم أذكره. 

- الملاحظ أن أول من عرفني إلى شعرك، الكاتب العراقي خالد مطلك، والأمر الثاني هو حماسة الروائي علي بدر من دار "الكا" لتبني شعرك، كما أنكِ أصدرتِ أكثر من ديوان في عمّان. فهل يعني ذلك أن بيروت لم تهتم بك بعد؟ أم أن الأمور تحصل بالصدفة؟

* كتبتُ، وما كتبته وصل إلى من وصله، هناك من يحتفي بما يقرأ، وهناك من يقرأ بصمت ويمضي. لبنان، العراق، الأردن، أو حتى فرنسا، لا يهم حقاً، كرامة الشاعر ألا يدفع مقابلاً للنشر مهما كان، ألا يرسل نصه الى جريدة يتحكم فيها مزاج شخصي لصحافي له علاقاته وانتماءاته وأحزابه. لم أطرق يوماً باب أحد، لم أشارك في تجمعات ثقافية ولا جلست في المقاهي، أعيد ما قلته يوماً: الشاعر رفيق العتمة، أضواء المسارح تخدش عينيه، والتصفيق يجرّح ثورته وسكينته. طبعاً، لا بد أن أشكر الروائي علي بدر على تبنيه طباعة ونشر كتابي الأخير "لا أحياء على هذا الكوكب سواي". الذي ترجمته الشاعرة سعاد لعبيز الى الفرنسية وسيصدر قريباً عن دار لانسكين في باريس.

- حين صدر ديوانك "لا أحياء على هذا الكوكب سواي"، كتب علي بدر: "فيوليت أبو الجلد شاعرة لبنانية ذات تفرد خاص، تميزت قصائدها بنوع من الاستعارات المبتكرة، ومزيج من الكتابة الغنوصية والحسية في آن معاً". هل تؤيدين هذا الكلام؟

* أنا ضد تصنيف الشاعر في خانة واحدة أو تأطيره، التجربة الشعرية متغيرة ومتحولة ومتطورة. في بداياتي، كتبت كثيراً عن الحب، عن الجسد، عن الرجل. ثم كتبت عن الوحشة والعزلة والموت، ثم شغلتني أمور أخرى، تشغلني أخرى الآن، وسيشغلني غيرها غداً. الحياة مدّ وجزر، والشعر سماء متقلبة فوق بحر حائر. المسألة تتجاوز قضية تصنيف الشاعر، الى طبيعة العلاقة بين الناقد والمبدع.
ربما تصورات النقاد تهم الجمهور أساساً أو تهمّ من سيوثقون، ولا تهمّ صاحب التجربة. 
بل ربما كانت هذه الأفكار وآراء النقاد تشوش سكينته الإبداعية وتربك عفويته. السؤال فيه شيء ضد منطق الشعر، فأية محاولة نقدية، مهما كانت رحابتها، قد تصبح سجنًا لروح الشاعر ولا يمكن أن تفسر جنونه.

- يقول أحد النقاد في وصف بعض قصائدك "إن الانشغال برؤى ايروتكية شعرية لا يقصي الاحساس بما يجري من أحداث، بل تصبح قضية الجسد جزءاً مهماً من إشكالات وجودية واجتماعية أكبر وينفتح عليها".. أين تقف حدود الكتابة عن الجسد عندك؟

* الجسد يحضر حيناً، ويغيب أحياناً، لا أحد ينفصل عن جسده حين يكتب. الحسية العالية موجودة في بعض نصوصي السابقة، فهي جزء لا يتجزأ من كيان انساني جميل فيه البراءة وفيه الشهوة، وهو في كل حالاته إنساني القوة والضعف، متعالٍ مرة، ومنكسر مرات… واثق ومرتبك. أجمل ما يفعله الشعر بنا هو أنه يحررنا، الكتابة تحول الجسد الى أحجية بعدما كان وسيلة إنجاب وتكاثر، أنا أكتب لأني أبحث، لا لأني أعرف. 

- تقولين "نكتبُ/ لأنّ أصواتَنا مناسِك،/ لأنّ أجسادَنا معابدُ لِلحالِمين". أين دور الحلم في شعرك؟

* الحلم هو الشعر، هو الخلق، بين الخالق والمخلوق تماهٍ وأحياناً تنافس. أنا في حالة حلم دائمة حتى إن لم أكتب، وإن كتبتُ أرَّختُ اللحظة ثم أطلقتها من جديد الى حلم آخر وعالم مختلف وتأويل جديد يتجدد مع كل قراءة ومع كل إعادة قراءة.

- كان الشاعر الراحل بسام حجار يقول إن لديه قاموساً لا يتخطى 12 مفردة، هل لديك قاموسك وتركزين على مفردات بعينها؟

* في الشعر، كما في الحياة، لا أملك قاموساً مختصراً، انما أميل الى الكلمة الشاعرة. الى المفردة المكثفة بأبعادها. أهمل الأفعال الخادشة للحس الفني. لا يمكنني أن أنقل الواقع كما هو الى الشعر، أنا عبر الشعر، أرمّم ما تداعى ثم أخلق واقعاً جديداً، وأبني حلماً فوق حلم.

- عدا حضورك الذاتي في القصيدة، لمن تكتبين الشعر؟ متى تكتبين؟

* أكتب لأنني أكتب، لأنني أحب كثيراً، لأنني أحزن كثيراً، ثم أضحك كثيراً. لي، لمن أحب، لأصدقائي، ثم لا لي ولا لهم، ولا حتى لمجرد الكتابة. أكتب لأنني حائرة وقلقة وخائفة، لأن الحياة أجمل مما أتحمل، ولأنها أقسى مما أتحمل. لأن الشعر لعنة ساحرة، أكتب حين يصير الوقت كلاماً أو حين تحين اللعنة الماكرة.

- لماذا أنت خارج السجال الشعري، ولا تنظّرين للقصيدة، فقط تكتبين. حتى في الحوارات التي تجرينها، كثيراً ما يكون الجواب على السؤال من خلال قراءة قصيدة؟

* أنا أرافق المجانين الى عقولهم وسعيدة بلعبتي، المجانين الذين لا يدخلون في سجالات بل يقتحمون النص ويشكلونه ويشكلون حالة جميلة ينشغل بها مَن لا يجيدها أو من لا طاقة له على تحمل نهرها المتدفق عكس مجراه. أنا منذورة للغناء وللحب ومنشغلة بالرقص فوق النار، لا حولها.

- وسط ضجيج الجوائز وانفلاش العالم النثري، هل أغوتك فكرة كتابة رواية، أم إنكِ اكتفيتِ بالتعبير الشعريّ؟

* الرواية تحتاج نفساً طويلاً وصبراً جميلاً، بينما أنفاسي قصيرة وأميل إلى التسرع في انهاء كل شيء، حتى هذا الحوار الجميل.


(*) ديوان "لا أحياء على هذا الكوكب سواي"، جاء في 74 صفحة من القطع المتوسط، هو الإصدار السادس للشاعرة فيوليت أبو الجلد، إذ سُبِقَ لها أنْ أصدرتْ الكتب التالية: "همس ممنوع (1997)"، "صيّاد النوم (2004)"، "بنفسج أخير (2010)"، "أوان النصّ... أوان الجسد (2012)"، و"أرافق المجانين إلى عقولهم (2015)".
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها