آخر تحديث:11:47(بيروت)
الأحد 02/12/2018
share

"الجانب الآخر من الحديقة": مونولوغات الفقد والخسارة

علاء رشيدي | الأحد 02/12/2018
شارك المقال :
  • 0

  • "الجانب الآخر من الحديقة": مونولوغات الفقد والخسارة
    رحلة أم إلى عالم الموتى
  • الجانب الآخر من الحديقة
    الجانب الآخر من الحديقة
  • الجانب الاخر
    الجانب الاخر
يُبنى نص العرض المسرحي "الجانب الآخر من الحديقة" الذي تقدمه فرقة "كون"، في مسرح دوار الشمس - بيروت، على ركيزتين أساسيتين: 
الركيزة الأولى نص قصصي بعنوان "الأم" للكاتب الدنماركي هانز أندرسن (1805 - 1875)، الذي عمل على تدوين الحكايات الخرافية ومنحها طابعاً أدبياً قصصياً. حكايته المقتبسة للعرض هنا تروي رحلة أمّ إلى عالم الموتى، بحثاً عن ابنها الذي اختطفه الموت باكراً. وخلال رحلتها، تضطر إلى تقديم التضحيات التي تمكنها من الوصول للقاء ملك الموت. في طريقها، تضحي الأم بصوتها، عينيها، شعرها، وحتى اسمها.

الركيزة الثانية للعرض هي ما دأبت فرقة "كون" على تحقيقه بين العرض والآخر، وهي إشراك كل من الممثلين السبعة (حمزة حمادة، سارة مشموشي، سارة زين، ستيفاني كيال، صبا كوراني، وشادي مقرش) في كتابة المونولوغ الخاص به في المسرحية. بتصميم سينوغرافي غني، يفتتح العرض على مكان رمزي، يمثل عالم البرزخ، أو عالم الأرواح، حيث تصل الأم، التي تجسدها دمية في المسرح، لتقابل الشخصيات الرئيسة في المسرحية، على أنهم أرواح في العالم الآخر. لكل منهم قصته وحكايته التي سيرويها للجمهور، ولكل منهم إسهامه في مساعدة الأم للعثور على ابنها، مقابل أن تمنحه تضحيةً مما تملك. وهكذا، تقابل الأم الشخصيات السبعة، وتقدم أضحية لكل منهم في سبيل الوصول إلى ابنها، فتقدم صوتها، شعرها، عينيها، واسمها. (سينوغرافيا وإخراج: أسامة حلال).

هاتان الركيزتان تشكلان بنية نموذجية لعرض مسرحي (120 دقيقة)، على المستوى السردي. لكن ماذا عن المستوى الموضوعاتي؟ هل بلغ الجهد الدراماتورجي المستوى المطلوب للتوفيق بين مضامين "حكاية أم"، لأندرسن، مع مونولوغات الممثلين السبعة؟ (دراماتورجيا: علاء عبد العالم، هشام حميدان). تبيّن فرقة "كون" سبب اختيارها لنص "حكاية أم" في البيان الخاص بالمسرحية: "من خلال العمل على نص حكاية أم لأندرسن، تدخل فرقة كون في عملية بحث في أسئلة الفقدان والخسارة والأضحية. نشاهد هذا التحول الجذري الذي يحصل للأم في رحلتها، وكأنه التحول الذي يتعرض له الإنسان في الحرب".

بهذا يبدو خيار الحكاية موفقاً في تعامل فرقة "كون" مع موضوعات تبدو راهنة. فبالنظر إلى الحرب الأهلية اللبنانية والحرب السورية، نجد أن موضوعة الفقدان والخسارة، بسبب ما تعرفه الحروب من ضحايا ومختفين قسرياً، موضوعة ملحة، ومعالجتها بحكاية رمزية مثل "قصة أم" لأندرسن، هو الجانب الرمزي الأكثر إمتاعاً لذهنية المتلقي في العرض، والمستوى الذي يتطلب أعلى الجهود من قبل الفريق العامل على تحقيق وإخراج المسرحية.

تتنوع مونولوغات الممثلين السبعة بين موضوعات عديدة، منها المرتبطة بالفقدان والخسارة، ومنها الخارجة عن الموضوعة العامة للمسرحية وتتمتع بإمكانية تأويلها في السياق ذاته.


في أداء متميز، يقدم حمزة حمادة أول مَشاهد العالم الآخر، يروي شخصية متدينة اسمها "أبو محمد"، حكايتها إحالة واضحة إلى المقاتلين المفقودين في الجبهات الحربية: "بهالضيعة الصغيرة كان كل مقاتل معو مفتاح الجنة، مفتاح الخلاص، أبو محمد كان حافي، كان لابس قناع الغازات السامة، فات ع البيت وبلش يقول إنه القيادة طلبت منن التراجع بعد ما اقتحم العدو المكان، الكل رفض إلا هوي. مرة قاللي:هالمفاتيح يلي عم يعطونا ياهن ما بيفتحوا ولا باب، كان واضح أنو عم يتساقطوا يوم ورا يوم". هكذا، يرسم حمزة حمادة اللحظات الأخيرة التي تسبق موت الكثير من المقاتلين.

في التعبير عن الفقد 
تقدم صبا كوراني في مونولوغها موضوعة ملائمة للشرط المسرحي لعرض "الجانب الآخر من الحديقة"، فتؤدي دور الأم الشعبية، بالمعنى الثقافي واللغوي، وكيفية مفارقتها لابنها، وكيفية تعبيرها عن ألمها بالأدعية والأمثال الشعبية: "روح قلبي معاك، روح ربي معاك، يا رفة العين، يا حبيب أمك لا تتركني، فراقك بذلني وشوفتك تفرحني، إذا نسيتك مارح سامحني"، هي تنويعة على طرق الثقافة الإجتماعية في التعبير عن آلام الفقد والخسارة.
 
التنويعة الثانية على الموضوعة ذاتها، تقدمها سارة مشموشي، وهي أسلوب الغناء. فالتراث الإنساني الجمعي مليء بالأغاني المعبّرة عن آلام الفقد والرحيل، فيظهر الغناء واحداً من التعبيرات الواضحة في الحالات المماثلة. هذه أغنية أمّ تناجي صغيرها الذي رحل عنها باكراً، بعدما علّقت آمالها عليه: "ربيتك صغيرون حسن ليش نكرتني، يا حسن، ليش انكرتني؟"، وتكرر الجوقة هذه الأهزوجة من وراء الأم الثكلى، كتعبير جمعي عن الفقد والخسارة.

لكن مونولوغات بقية الممثلين، لا تحافظ على المستوى ذاته من التعامل مع موضوعة المسرحية. فمثلاً، تقدم ستيفاني كيال شخصية الأنثى المولعة بإهتمام الآخرين بها، بمظهرها، وبالإحتفال بعيد ميلادها. تروي الإحتفالات التي كانت تحضرها لها عائلتها المثالية التقليدية، منذ كانت صغيرة، كل احتفالات عيد ميلادها مصورة بالفيديو والكاميرات. وهي ترغب أن تكون كوالدتها، أن تعيد تكرار علاقة أبيها وأمها النموذجية في نظرها. نلمح هنا أن الموضوعة لا تنصب في سياق موضوعة المسرحية عن الفقد والخسارة.

كذلك الأمر مع الأداء المتميز لشادي مقرش، كان مونولوغه الأكثر تأثيراً في الجمهور، والأكثر استثارة للتفاعل معه. لكن حكاية الشخصية التي يقدمها، وبرغم براعته في أدائها، لا تتناسب مع موضوعة الفقد والخسارة. لنصل أخيراً إلى سارة زين التي قدمت حكاية عن صورة أخيرة التقطتها الكاميرا لطفل فارق الحياة. هنا نستعيد فكرة موت طفل، كما حكاية أندرسن، لكن سارة تضيف تفاصيل عن طفولتها، عن حجم وشكل عينيها الواسعتين منذ ولدت، وقد مكّنتاها من النظر والتعرف على العديد من الأشياء بالمقارنة مع أقرانها. هنا تشتيت لذهن المتلقي، وانزياح في طريق الفهم العام لإطار المسرحية، القائمة على موضوعات حكاية أندرسن.

رغم أن موضوعات الحكايات التي اختارها الممثلون متباينة في العلاقة مع موضوعة المسرحية، العمل الذي يُعزى إلى الدراماتورجيا أكثر من كونه مهمة الممثلين، إلا أن الأداءات التمثيلية السبعة كانت ممتازة مسرحياً. من ذلك، تنسيق المؤدين السبعة التفاعل في ما بينهم، والمهارات المسرحية في الإلقاء والتمثيل في الأداءات الفردية، ومن ثم العودة إلى إيقاع المجموعة مجدداً، كذلك في التعامل وتحريك الدمية حمزة حماد، سارة زين، وعلاقة كل مؤدٍّ مع الجمهور.

لم تعتمد الخيارات الإخراجية الطريقة الكلاسيكية في أداء المونولوغات على المسرح، بل بنى الإخراج تنويعات بصرية وسمعية لكل منها بطريقة مختلفة عن الأخرى. فمن القصص السبع ما يُروى بتنويعات بين الفرد والجماعة. كما أن مقاطع صوتية تروى بمرافقة الموسيقى، التي تطغى على المونولوغات أحياناً، لتعود فتطغى عليها الكلمات. (تأليف وأداء موسيقي: سينفكيو بانيا). على هذا المستوى الإخراجي كان الجهد المبذول واضحاً، وممتعاً للمتلقي، بتنويعات مسرحية صممها المخرج بدقة.
مستوى آخر نلمح فيه الجهد الإخراجي، وهو المتعلق بالإستفادة من الفضاء المسرحي، والتنويع في ابتكار الأماكن على الخشبة القابلة لأن تكون أمكنة رمزية وهندسية فوق المسرح تُروى فيها الحكايات. يُبنى ذلك بإدارة جيدة لتموضعات مجموعة المؤدين على الخشبة، وباستعمال الأغراض المسرحية المبتكرة لغاية العرض (مدير تقني وتصميم إضاءة: كرم أبو عياش). في نهاية المسرحية تبلغ الأم مبتغاها في لقاء ملك الموت، لتبلغ الرحلة إلى عالم الموتى ذروتها. تطلب الأم عودة ابنها إلى الحياة. هل يعيد ملك الموت لهذه الأم طفلها، وهي التي تجاوزت كل هذه الصعاب، وقدمت كل هذه التضحيات؟

نهاية درامية موفقة تختارها الدراماتورجيا في التعامل مع هذه الحكاية الرمزية وإحتمالات إسقاط تأويلها على الواقع الراهن. فيجيب ملاك الموت على طلب الأم: "إن استرجعتي ابنك، فإن ابن أمّ أخرى سيموت عوضاً عنه"... هذه هي الحرب حيث التضحيات والخسارة والفقد تمس الجميع، ولا خلاص لفرد إلا بتضحية يقدمها الآخرون بدلاً منه.

يؤكد العرض على الفكرة السابقة، حين تظهر في اللحظات الأخيرة من المسرحية، أقنعة ودمى عديدة، تمثل أمهات أخريات (تصميم وتنفيذ الدمية والأقنعة والإكسسوارات: ناتاشا بيلوفا – لوبيك نيبريدا). فبعدما كانت حكاية أم واحدة مركزية في المسرحية، ها هي الأقنعة والدمى تبين لنا أن هناك مئات وآلاف الحكايات من الفقد والخسارة التي تعيشها العائلات والأسر في فترات الحرب. واحدة منها قدمتها لنا فرقة "كون" في عرضها المتميز "الجانب الآخر من الحديقة"، وقد حققتها ببراعة مسرحية، ومتعة بصرية، ورمزية ذهنية كانت مؤثرة في الوجدان، وفعالة في إستثارة أسئلة الوعي حول الفقدان والموت والتضحية والخسارة.
 
(*) يستمر العرض حتى 9 كانون الأول/ديسمبر الجاري في مسرح "دوار الشمس".
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها