آخر تحديث:12:55(بيروت)
الأربعاء 19/12/2018
share

تحرير الدين من السياسة

خالد زيادة | الأربعاء 19/12/2018
شارك المقال :
تحرير الدين من السياسة الأزهر
يحدث([1]) اليوم أنّ المشتغلين بشؤون الأديان والتنوّع هم من الناشطين أو الباحثين ذوي الأعداد الحقوقي أو السوسيولوجي، المأخوذين بالوقائع المباشرة والأحداث التي تزدحم بها الأخبار، والذين يريدون أن يكون لهم ولنشاطاتهم واجتماعاتهم تأثير في الواقع وفي الجماعات الفاعلة وفي الرأي العام.

وكما يُلاحظ فإن هؤلاء الناشطين والباحثين قلما يعيرون أهمية لأصول المشكلات وتاريخ المصطلحات، خصوصًا أن هذه القمة تعقد تحت عنوان: "دور المؤسسات والقيادات الدينية في تعزيز التسامح والتماسك الاجتماعي في المنطقة العربية"، أي أننا إزاء عدة مصطلحات لكل منها تاريخه ومرجعياته وتطوره. وبين هذه المصطلحات الكلمة المفتاح التي هي "تعزيز" والتي تعني الفعل والتأثير باتجاه دعم آليات أو نشر التسامح والتماسك الاجتماعي.

ونحن هنا أمام مفهومين هما: التسامح والتماسك الاجتماعي يأتي كل منهما من فضاء ثقافي وتاريخي مختلف. فالتسامح هو مفهوم اسلامي. أما التماسك الاجتماعي فهو مفهوم نجده لدى علماء الاجتماع، الذين برزوا مع تطور الرأسمالية في أوروبا في القرن التاسع عشر، وما نتج عن هذا التطور من تفاوت بين المالكين وغير المالكين والصراعات الطبقية التي شهدها العالم الغربي في تلك الفترة. ولا شك بأننا إذ نستخدم المفهوم اليوم فإننا نعني شيئًا مختلفًا إذ ننقل التماسك الاجتماعي من الميدان الطبقي إلى الميدان الاتني أو الديني.

والتسامح الاسلامي هو جزء من المنظومة الاعتقادية عند المسلمين. فإذا كنا نتحدث أو نستهدف المنطقة العربية أو العالم العربي. فإن هذا العالم يشهد تنوعًا دينيًا وإثنيًا معًا، وبالرغم من أن كل السكان في هذه المنطقة يتكلمون العربية، فإن هناك جماعات اثنية لديها لغاتها، وهناك عدد أكبر من المسلمين مع جماعات دينية معتبرة وخصوصًا من المسيحيين. والتسامح في الأصل يعني التسامح مع غير المسلمين في معتقداتهم وطقوسهم. ويعني قبول الاختلاف والتعدد ونعلم أن الاسلام نظم العلاقات مع المسيحيين واليهود وغيرهم، ولم يفرض عليهم الدخول في الاسلام أو الهجرة، كما كان يحدث في أوروبا مطلع العصر الحديث. وأشير هنا إلى أن اليهود الذين طردوا من اسبانيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر ووجدوا ملاذًا آمنًا في المدن العربية خصوصًا والعثمانية مثل استامبول وازمير وسالونيك. وحسب دراسات سكانية "ديمغرافية" فإن عدد السكان المسيحيين كان في ازدياد مع السيطرة العثمانية على سوريا ومصر منذ بدايات القرن السادس عشر. وإذا كنا نتحدث عن الدولة العثمانية، فإن مدنها كانت تتكون عادة من سكان مسلمين من أتراك وعرب وألبان وشركس وأكراد ومسيحيين من يونان وأرمن ويهود، ومن أوروبيين فرنسيين وايطاليين وانكليز وغيرهم من التجار أو القناصل.

وكما حدث انزياح في مفهوم التماسك الاجتماعي، كذلك حدث تبدل في مفهوم التسامح، الذي استخدم أيضًا في أوروبا، وخصوصًا بعد الحروب الدينية الكاثوليكية- البروتستانتية. لكن في نهاية القرن السابع عشر، نجد أن الفيلسوف الانكليزي جون لوك ينشر: "رسالة في التسامح"كما كتب "مقالتان في الحكم". كان جون لوك مبشرًا بفصل السلطات وفصل الدين عن الدولة، وهذا يعني أن الدين شأنٌ خاص بالمؤمن لا يمكن التعرض له طالما أنه يبقى بمنأى عن شؤون الحياة العامة. والرأي عند لوك: "ليس لأي انسان السلطة في أن يفرض على انسان آخر ما يجب أن يؤمن به، وأن يفعله لأجل نجاة روحه هو. لأن هذه المسألة شأن خاص ولا يعني أي انسان آخر. إن الله لم يمنح مثل هذه السلطة لأي انسان، ولا لأي جماعة، ولا يمكن أي انسان أن يعطيها لإنسان آخر..". وهذا يعني أن المسألة الدينية تصبح شأنًا خاصًا، فالتسامح هنا يمكنه أن يلتقي مع التماسك الاجتماعي في غرض واحد، وهو حرية الأفراد الاعتقادية، وترك الشؤون العامة للمجتمع والدولة.

إن أول اهتزاز لمبدأ التسامح، وأول ظهور للتوتر الاسلامي-المسيحي، حدث مع الحرب الروسية- العثمانية (1768- 1774) وما تلاها من حروب امتدت سحابة قرن من الزمن. وإزاء انتصار روسيا على العثمانيين، فإن بعد الظواهر تُشير إلى اضطراب غير معلن في العلاقة بين أتباع الديانتين، إلا أن التوترات الموسمية كانت تحدث داخل المدن بسبب الاحتكارات من جانب المقيمين الأجانب والنفوذ الذي بدأ يستحوذ عليه القناصل الأوروبيون.

وفي القرن التاسع عشر كان نفوذ القناصل يتزايد، إلى الحد أنهم كانوا يمنحون الحماية لأبناء الطوائف المسيحية من التجار والقناصل والمتعاونين معهم. وبسبب هذه الحماية نشأت توترات لأسباب اقتصادية، فإزاء تراجع اقتصاديات المدن وانهيار الحرف التقليدية أمام منافسة البضائع الأوروبية، كان المسلمون يضعون اللوم على المسيحيين بشكل خاص. وقد تراجع مفهوم التسامح ليس من الوجهة العملية، ولكن من وجهة النصوص الرسمية أيضًا، ففي عهد التنظيمات صدرت وثيقتين رسميتين عن السلطان عبد المجيد عام 1839 والسلطان عبد العزيز عام 1856، وفي كلتا الوثيقتين لم تستخدم كلمة تسامح وحلّت مكانها كلمة مساواة، و "رعايا" في إشارة إلى كل من هم عثمانيون بدل أبناء الأديان والمِلل. إلا أن المساواة كانت تقتضي أن يخدم المسلمون وغير المسلمين في الجيش، لكن المسيحيين كانوا يمتنعون عن ذلك، وكان المسلمون لا يتقبلون الأمر.

من الواضح أن التأثير الغربي قد سبب هذا الاضطراب في العلاقات المسيحية- الاسلامية، الذي اتخذ اشكالاً مضطردة، فالحماية للمسيحيين وغيرهم من جانب الدول الأوروبية أدت ببعض الجماعات إلى الشعور بالاستقلال أو الاستقلال الذاتي.

إلا أن تأثير الغرب في تلك المرحلة التاريخية وخصوصًا في القرن التاسع عشر، قد أدّى إلى تقليص دور المؤسسات الدينية نفسها. ذلك أن اعتماد الأنظمة التعليمية الغربية، قد سحب من المؤسسة الدينية أهم تأثير لها وهو التربية بحيث تقلص عدد طلاب المدارس الدينية واتجه طلاب العلم بما في ذلك أبناء العائلات الدينية إلى دراسة الحقوق والطب. كذلك فإن اعتماد النظام الحقوقي الغربي، لم يترك للعلماء قضاء الأحوال الشخصية، وبهذا تراجع دور المؤسسة الدينية الاجتماعي. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر استمر دور المؤسسات الدينية في التراجع.

ومع نشوء الدول الوطنية أصبحت هذه المؤسسات إدارات تابعة للحكومات. ولا شك بأن هناك تفاوت بين بلد وآخر لجهة نفوذ وحضور المؤسسة الدينية. فالأزهر ما زال مؤسسة تربوية كبرى لجهة عدد طلابه على الأقل، ولجهة النفوذ المعنوي لشيخ الأزهر بالمقارنة مع المؤسسات الدينية في بلدان عربية أخرى. هذا التراجع في دور المؤسسة أو المؤسسات الدينية هو أحد الأسباب التي أدّت إلى بروز حركات اسلامية خارج المؤسسة الدينية الرسمية.

نشأت حركة الاصلاح الديني بسبب تحديات التقدم الأوروبي والفكر الغربي للأسلام. ولم يعد السؤال لدى الاصلاحيين ما الذي ينبغي أن نأخذه من الغرب، ولكن كيف للإسلام أن يواجه التحديات المعاصرة. كذلك فإن نشوء حركة الاصلاح الديني قد نتجت عن عجز المؤسسة الدينية عن ابتداع الأجوبة المعاصرة. ومع رواد الإصلاح نشأ اتجاهان، الأول مثله جمال الدين الأفغاني الذي أراد من المسلمين أن يشكلوا جبهة تقف في وجه الاستعمار الانكليزي (الصليبية الجديدة) وبهذا يكون قد مهد لانخراط الاسلام في السياسة الذي تجلّى لاحقًا في نشوء تنظيمات وأحزاب حولت الاسلامإلى أيديولوجية جهادية تنشد مقاومة التأثير الغربي وتسعى إلى إقامة الدولة على أسس اسلامية.

أما الاتجاه الثاني الذي مثله محمد عبده (بعد انفصاله عن الأفغاني) والذي دعا إلى تجديد التفكير الديني ورأى أن الدعوة تتلخص في التربية وإصلاح منهاج التعليم في الأزهر الذي هو مؤسسة دينية كبرى.

ومن هنا يمكننا القول بأن المؤسسة الدينية والقيادات الدينية ليست شيئًا واحدًا، فقيادات الاصلاح الديني نشأت خارج المؤسسة الدينية، وقد شكلت اتجاهًا موازيًا للمؤسسة، فالشيخ رشيد رضا على سبيل المثال، أسس جمعية "الدعوة والارشاد" في سبيل تخريج الدعاة والمدرسيين. كذلك فإن تأسيس الجمعيات والمنظمات الاسلامية. كان يعبّر عن الانفصال عن المؤسسة الدينية، الأمر الذي أفضى إلى نشوء حركات ذات طابع حزبي وسري وأذرع مسلحة، وكان تنظيم الأخوان المسلمين هو المثال الذي انبثقت منه تنظيمات تتوسل العنف من أجل بلوغ الهدف وهو الدولة الاسلامية.

إزاء كل التطورات التي عصفت بالعالم الاسلامي، قد يكون من المناسب اليوم العودة إلى تفعيل المؤسسة الدينية(الرسمية) وخصوصًا لجهة دورها التربوي في نشر تعاليم الاسلام التي تحض على قبول الآخر و "التسامح" والأخوة الانسانية.

إن المشكلة الأساسية التي يعانيها الاسلام هو استخدامه في أغراض سياسية، فقد بدأ ذلك في نهاية القرن التاسع عشر مع الإمام جمال الدين الأفغاني، وكذلك مع السلطان عبد الحميد الثاني الذي دعا إلى الجامعة الاسلامية بهدف مجابهة أطماع الدول الأوروبية، وقد احتدم استخدام الاسلام في أواسط القرن العشرين من خلال تكوين أحلاف غرضها الوقوف في وجه المد الشيوعي والاتجاهات القومية. ومع بداية الحرب الأفغانية 1978، وانتصار الثورة الايرانية 1979، دخل العالم الاسلامي في دوامة تسييس الدين.
إن المهمة الرئيسة اليوم هي تحرير الدين من الأغراض والمشاريع السياسية.


(1) ألقيت هذه الكلمة في "قمة التنوع الديني والروحي الثانية" (بيروت 18 و19 كانون الأول 2018) والتي عقدت تحت عنوان "دور المؤسسات والقيادات الدينية في تعزيز التسامح والتماسك الاجتماعي في المنطقة العربية".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

خالد زيادة

خالد زيادة

أكاديمي ودبلوماسي لبناني