آخر تحديث:09:14(بيروت)
الأحد 16/12/2018
share

مئوية ليلى مراد.. قلب مصر ودليلها

شريف الشافعي | الأحد 16/12/2018
شارك المقال :
  • مئوية ليلى مراد.. قلب مصر ودليلها
    كل الأبواب فُتحت أمام الصاعدة الواعدة لتقود موجة الغناء الجديدة
  • مع عبد الوهاب
    مع عبد الوهاب
عبر تاريخ الغناء الحديث في مصر، اقترنت الثورات التجديدية والنقلات المهمة عادة بأسماء موسيقيين في المقام الأول، وإن كان بعضهم يمارس الغناء، من أمثال سيد درويش ومحمد عبد الوهاب ومحمد فوزي، ومن بعدهم بليغ حمدي وكمال الطويل ومحمد الموجي، وصولًا إلى هاني شنودة وجمال سلامة وأحمد منيب وغيرهم من الطليعيين.

في مرات محدودة للغاية، بل نادرة، تحققت الطفرة الغنائية والنغمية من خلال مطربين، كانوا هم المراكز المستقطبة للموسيقيين والمؤلفين والموزعين، لتتحقق القفزة التطويرية بفضل ملكات الصوت الخاصة الخارقة، وقدرته الاستثنائية على فرض الشخصية والهيمنة على الحالة برمتها وقيادة فريق العمل نحو فضاء غير مأهول.

من هؤلاء المطربين الذين ينطبق عليهم هذا المثل، فيقال بارتياح إن الحركة الغنائية والموسيقية قبلهم كانت شيئًا، وبعدهم صارت شيئًا آخر، رغم أنهم ليسوا مؤلفين موسيقيين: ليلى مراد، وعبد الحليم حافظ، ومحمد منير، مع اختلاف الظروف التي جعلت كل واحد منهم بحساسيته المميزة نقطة تحوّل في فلسفة الموسيقى والغناء، ومنظومة مكتملة لإطلاق منتج فني مغاير لما هو سابق عليه، فضلًا عن تفوقه النوعي "الكيفي" على المجايلين.

لم تكن أم كلثوم من هؤلاء المتجاوزين للزمن، على الرغم من كونها المطربة الأبرز والأشهر في مصر والعالم العربي على مدار سنوات طويلة، لسبب بسيط، هو وقوفها هي شخصيًّا وبمحض إرادتها ضد هذا التجاوز، واستماتتها في وأد وتقليص كافة المغامرات والمحاولات التجديدية في الموسيقى المقترحة لأغنياتها، وأيضًا الكلمات، والإيقاعات، والتوزيعات، والآلات.

وقد أدت تدخلات أم كلثوم المستمرة، وفرضها آراءها التي لا تقبل المراجعة، وشخصيتها الملتزمة المحافظة، إلى تقليص شطحات الجنون ومساحات الخيال في أعمالها، فلم يظهر محمد القصبجي معها بكامل طاقته وانجرافه وانحرافه ورشاقته، ولم يقدم عبد الوهاب وبليغ والطويل والموجي وسيد مكاوي إفرازاتهم الطبيعية بأريحية وانطلاق وتمرد مثلما يتمنون.

لهذا السبب، تآلفت أم كلثوم أكثر مع ألحان رياض السنباطي، وانسجمت رغبتها في الحفاظ على النجاح القائم "كما هو" مع موسيقاه الشرقية هادئة الطموح متكررة الشكل والجوهر، في حين انطلق الموسيقيون الثوريون يلحنون لأنفسهم أحيانًا، ويتماهون مع أصوات أخرى مرهفة تحمل لواء الدهشة وتقود حركة التحلل من النمطية.

هكذا، تهيأت الفرصة الذهبية لليلى مراد (1918-1995) في الثلث الثاني من القرن العشرين لتشكل "ماركة مسجلة" للإبهار في الغناء والأداء والموسيقى والإيقاع والتوزيع، ومدرسة رفيعة مسؤولة عن نهضة الحركة النغمية بأكملها في مصر، لأنها ببساطة تلك الروح الطلقة الآتية من كوكب آخر، والصوت البكر الضحوك المستخرَج لتوه من بئر نقية في جوف الأرض، وطوق النجاة للموسيقيين الراغبين في التحرر من القوالب الشرقية الضيقة، والانفتاح في ألحانهم وتوزيعاتهم وإيقاعاتهم على المنجز الغربي، بدون فقدان الهوية المصرية، التي تفوح نكهتها من عذوبة صوت ليلى مراد وبراءته وريفيته.

هذه الملابسات، وغيرها، من أسباب تفوق ليلى مراد وتصدرها المشهد، فضلًا عن معطيات صوتها وإمكاناته من الوجهة الموسيقية، وما إلى ذلك من قراءات وأطروحات متعمقة، لم تدر في خلد المحتفين بالذكرى المئوية لميلادها في القاهرة، من خلال الاحتفالية الفوضوية الباهتة التي نظمها مؤخرًا المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية في مركز الهناجر للفنون بدار الأوبرا المصرية.

في مئوية ليلى مراد بالقاهرة، قلبُ مصر ليس دليلَها ولا مُرشدَها إلى صاحبة الصوت الخالد، فهناك إفراط في القصور وسطحية التعاطي الساذج والأرشيفي مع شخصية بهذا الوزن، فما وُصفت بالاحتفالية الكبرى بدت حافلة بالعشوائية، من حيث غياب المختصين، وعدم انتظام المواعيد، واقتصار الفعاليات على فيلم تسجيلي مكرر، واجترار أغنيات صاحبة الصوت النوراني بأصوات ذكورية خشنة ونسائية ضحلة ومسيئة، وإصدار كتيّب ببليوغرافي "تعريفي"، بما يشكل امتهانًا للفنانة بكل المقاييس، لا احتفاء بها.

كل ما يقترن بـ"ليليان زكي مراد موردخاي" هو جديد وصارخ وصادم، منذ ميلادها بالإسكندرية لأسرة يهودية الأصل، فالأب هو الملحن والمطرب إبراهيم زكي موردخاي "زكي مراد"، والأم هي جميلة سالومون، اليهودية من أصل بولندي. 

اشتعالات ليلى مراد جاءت مبكرة للغاية، ففي سن الرابعة عشرة بدأت ربيبة والدها زكي مراد والموسيقار داود حسني الغناء في الحفلات الخاصة والعامة، ونجحت ذات الستة عشر عامًا في اختبارات الإذاعة المصرية كمطربة، لتتحمس شركات الأسطوانات لصوتها الذي تنبئ نبراته بحدة التأثر والإحساس بالبهجة والألم والقدرة على التعبير التمثيلي عن المشاعر الإنسانية.

الإطلالة الأولى غير الاعتيادية لليلى مراد قادت إلى ردود أفعال غير اعتيادية، حيث استشف الجمهور في صوتها رهافة الأنثى ووضاءة الجرس ونعومة الخامة، وحساسية التنويع في الذبذبات والترددات الصوتية بين المد والجزر، والعلو والانخفاض، وجماليات الارتجال والدندنة، ومن دون مقدمات باتت المطربة الناشئة مشروع نجمة يُراد منها الكثير.

هذه البداية الصاروخية أغرت الموسيقار محمد عبد الوهاب لترشيح ابنة التاسعة عشرة عامًا لتقف أمامه بطلة في فيلم "يحيا الحب"، في عام 1937، وهي نقلة نوعية في مسيرتها، ومغامرة من جانب عبد الوهاب لم تلق قناعة من المخرج محمد كريم، لكن عبد الوهاب راهن على من وصفها بصوت الحب ومطربة المستقبل، ووقع معها بعد نجاح الفيلم وأغنياته عقدًا لإنتاج عشر أسطوانات دفعة واحدة.

تفتحت كل الأبواب أمام الصاعدة الواعدة لتقود موجة الغناء الجديدة مصحوبة بموسيقى عبد الوهاب ومحمد القصبجي وزكريا أحمد وداود حسني ومحمد فوزي وأحمد صدقي ومنير مراد ومحمود الشريف وسيد مكاوي وغيرهم، وتجاوزت أعمالها 1200 أغنية، و27 فيلمًا سينمائيًّا غنائيًّا واستعراضيًّا، لتصل بالأغنية المصرية إلى آفاق عليا من الابتكار وكسر القوالب التقليدية، خصوصًا في الأغنيات الدرامية والأوبريات والأغنيات السريعة والخفيفة، إلى جانب الألحان التطريبية التي غازلت الشباب والكبار على السواء.

وإلى أن أعلنت اعتزالها في منتصف الخمسينيات (وهو موعد مناسب للتواري بعد ظهور المُجَدِّد التالي عبد الحليم حافظ إلى جانب شادية وصباح ونجاة)، تركت ليلى مراد مع كل ملحن تعاملت معه بصمة في مسيرته الموسيقية، لأن صوتها كان الدينامو المحرّك للنهضة الفنية المنطلقة إلى الأمام على مدار أكثر من عشرين عامًا يمكن وصفها بلا مبالغة بـ"مرحلة ليلى مراد".

بالطبقة الصوتية الأنثوية الشاردة، في تهذيب ونضارة ومزج بين التطريب الشرقي والأداء الراقص، اتحد صوت ليلى مراد بالنسمات، فكان هواء الاستنشاق العميق للإنعاش الروحي وتغذية الحواس بالدسامة الطازجة.

مع صوت ليلى مراد، تجرأ محمد القصبجي ليقدم الفالس الأوروبي في "قلبي دليلي"، من كلمات أبو السعود الإبياري في عام 1945، مع آهات الكورس الساحرة، والتوزيع الأوركسترالي، في هندسة نغمية عنوانها الإيقاع الثلاثي الحاكم، وأناقة الحبكة الشرقية الغربية، وانتظام اللحن.  وتشكل "قلبي دليلي" علامة من علامات التطوير الموسيقي والغنائي في حقبة الأربعينيات، وخطوة نحو الأوبرالية بمذاق محلي.


ومع محمد عبد الوهاب، الذي أشعل جمرة البدايات بإيمانه بالصوت الأخضر الغض، وجدت ليلى مراد لاحقًا البرواز البلوري للضوء المنتثل من حنجرتها، وقدمت من ألحانه أعمالًا فائقة التطور في الغناء التعبيري والعاطفي والاستعراضي والدرامي، وبلغ النضج ذروته في أغنيات فيلم "غزل البنات" في عام 1949، ومنها "أبجد هوز"، و"اتمخطري يا خيل"، و"الحب جميل"، فضلًا عن أغنية "ما ليش أمل في الدنيا دي"، التي مثلت طفرة في تفاعل الصوت مع الوتريات، والتوزيع الموسيقي الباذخ، والانتقالات الثرية بين الكوبليهات.


وجاء "النقاء الموجود بذاته" في صوت ليلى مراد ليمتزج مع البساطة والتلقائية الموسيقية والروح المصرية الشعبية في ألحان محمد فوزي، إذ قدم الثنائي أصدق ما يمكن تقديمه من أعمال غنائية يمكن للعاديين ترديدها بيسر، لخلوها من التعقيد والتكلف، كما في دويتو "شحات الغرام" الذي جمعهما في العام 1951.


أما أغنية "أنا قلبي خالي" في عام 1949، من كلمات مأمون الشناوي وألحان محمد فوزي، فقد شكلت بحد ذاتها مسارًا مختلفًا للأغنية المصرية في ذلك الوقت، وصارت الصافرة الموسيقية في مقدمتها هي أشهر صافرة تتداولها الألسن بمصر لسنوات طويلة.


ومع ألحان أحمد صدقي، بلغت الأغنية العاطفية والدرامية شأوًا بعيدًا من خلال أغنيات ليلى مراد في فيلم "شاطئ الغرام" عام 1950، كما في "يا مسافر وناسي هواك" من كلمات صالح جودت، وهي أغنية بالغة الخصوبة، يتعانق فيها التطريب الصوتي كغاية بحد ذاته، والتعبير الفني المجسّد لمعاني الكلمات في الوقت نفسه، وينسجم الطقس الكلي للأغنية مع تصويرها سينمائيًّا بالأبيض والأسود بالقرب من أمواج البحر المتلاطمة في شاطئ العشاق بمرسى مطروح.

مئوية ليلى مراد بمصر، التي ينشدها الفن، هي مناسبة يجدر أن يتعطل فيها الكلام، ليلخّص صوت القيثارة وحده الحكاية كلها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها