آخر تحديث:14:01(بيروت)
السبت 01/12/2018
share

من كرة القدم إلى ترامب: لا جسد للفرد!

أحمد مغربي | السبت 01/12/2018
شارك المقال :
  • 0

من كرة القدم إلى ترامب: لا جسد للفرد! كانت "حركة فيمن" حرباً بالعُريّ.. فكيف هي نقاشات "مي تو" اليوم؟
بعد خمسين سنة من "ثورة الشباب" وظاهرة الهيبز في 1968 التي رفعت ثقافة الجسد- الفرد إلى ذروة عالية، يظهر مشهد مقلق أساسه صعود ثقافة إلغاء الجسد- الفرد بصورة متسارعة. ولعل المقلق في هذه الثقافة أنها تحمل سمات "الثقافة البديلة" التي كانت دوماً المكان المفضل لصعود الجسد وأهوائه وانطلاقتها وتفلتها. تمتد ثقافة إلغاء الجسد- الفرد حاضراً في مساحات أساسيّة في الحياة اليومية، إذ تظهر شواهدها جلية في ملاعب كرة القدم والروبوت والسوشال ميديا، إضافة إلى كون الشعبوية الصاعدة في الغرب [خصوصاً أميركا] تمثّل أحد أوضح تجلياتها، بل ربما أقساها. والأرجح أن ذلك الإلغاء يسير بخفاء، بل بتنكر ماكر، لأن ما يجري على السطح يبدو عكس ذلك تماماً. واستباقاً، يجدر دوماً تذكر أن الثقافة هي دوماً مساحة صراع وتناقضات، فلا يكون خيط واحد أو مقولة مفردة، كافيين لوصفه او اختصاره، بل يكونان أقرب إلى مؤشرين على أحد تفاعلاته.

واستباقاً، لا زالت ثقافة جسد الفردية قويّة وحاضرة مستندة إلى إرث إنساني مديد، لكنها صارت تصارع في مساحات كانت تظن أنها تساندها بصورة مطلقة. لعل أحد صور ذلك الصراع يظهر عند تأمّل المسافة التي لا زالت تفصل بين حركة "فيمن" من جهة، وبين النقاشات التي ترافق حركة #مي_تو، من جهة ثانية.



في البداية، ربما تصلح "ثورة الشباب" في 1968، نقطة بداية للنقاش عن حال ثقافة جسد الفردية في الزمن الراهن، وكذلك لاستعادة معنى أساسي فيها. إذ لا يتعلق الأمر بمجرد ظهور الجسد وأعضائه [بما فيها الحميمة] مباشرة أو بالصور، بل يتصل الأمر أساساً بمدى الاقرار بأهوائه. عندما تستعاد مشهديات العام 1968 كتلك التي تظهر في الأشرطة عن مهرجان "وود ستوك" في أميركا، يظهر الجسد على السطح مهملاً، مع ميل إلى إزدراء النظافة المباشرة وإهمال حلاقة الشَعر، والعودة إلى شيء من "البدائية" في عيش شبه بوهيمي النزعة، إضافة إلى إهمال صحته عبر إرهاقه بالتدخين والحشيشة والطعام غير المهجوس بأن يكون صحياً.

وفي المقابل، لم يكن هناك شيء أكثر أهمية من الجسد في العام 1968، بمعنى الافصاح عن اندفاعاته وأهوائه، خصوصاً عبر إطلاق العنان لثورة الجنس. كان إهمال الشَعر تحديّاً لتنميط انضباطه في قصّات سائدة، بل إعلان عن أنه لا يطيع النظام الاجتماعي السائد. وعلى ذلك النحو، جاء الانفلات بالثياب إلى ما يعاكس السائد الثقافي. بديهي القول أن الجنس كان المساحة الأقوى لتحدي الثقافة النظامية السائدة. ضُرِبَ الرياء الاجتماعي التاريخي حيال جسد المرأة برمي قفاز التحدي في الحق في الإجهاض [وقبله، حبوب منع الحمل] الذي يتناقض مع حصر علاقات الجنس في الزواج. وقّعت 343 امرأة في فرنسا بياناً علنياً، جاهرن فيه بأنهن أقمن علاقات جنس خارج الزواج، بل أنهن أجهضن على رغم الحظر الرسمي، وطالبن بالحق في الإجهاض. لم يأبهن بأن سُمّيت مطالبتهن بـ"بيان الـ343 ساقطة"، بل دافعت الراحلة سيمون دوفيل عن ذلك الحق في البرلمان الفرنسي الذي اضطر لإحناء الرأس أمام قوة النسويّة الصاعدة.

"أشهر من المسيح"!
في مهرجان "وود ستوك"، كما في حفلات موسيقى "البيتلز" و"الروك"، كانت الأجساد المنتشيّة والمتمازجة لا تأبه بالفوارق في لون الجلد أو الهيئة الإثنية للوجه والجسد، بل كانت اللقاءات مباشرة بين الأجساد المختلفة شكلاً، والمتواصلة عبر الأهواء والميول، بل بصورة مباشرة عبر الجنس. وتباهى "وود ستوك"، والاحتفالات المماثلة التي اجتاحت العالم، باللقاء المباشر والمفتوح بين الأجساد المختلفة في الإثنية واللون والانتماء، بل المصرّة على عبور تلك الحدود والتأكيد على فردية إنسانية عابرة لتلك الحدود الفاصلة بين البشر.



لعلها ليست مصادفة أن ثقافة جسد الفردية ساندت صعود الجسد الأسود في أميركا إلى حقوقه، بل كانت من النقاط الأقوى في تأييده. وحتى على القمر، وصل الجسد البشري بصورة مباشرة إلى هناك، في سنة تالية. ربما في تلك الصور يأتي المعنى المكثف للجملة الشهيرة التي قالها جون لينون، أحد أبرز أركان فرقة البيتلز، بأنه "أشهر من المسيح"، بل كانت سبباً في مقتله على يد متديّن متطرف. إذ عَبَرت موسيقى البيتلز المضمخة بثقافة الجسد الفرد، حتى الحدود الجغرافية السياسية للحرب الباردة آنذاك بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، واجتاحت الفواصل بين شعوب وأديان وثقافات.

ليست الكلمات السابقة سوى نتف عن صور ما زالت حاضرة، بل تسهّل التقنية استعادتها عبر "يوتيوب". وبمقدار ما، لا زالت ثقافة الجسد- الفرد متواصلة الصعود، لكن هناك ما يقلق، ليس في أنها صارت جزءاً من السائد وفقدت توثبها عندما كانت في الهامش، بل في استيلاء ثقافة مناقضة تماماً، باتت تتمدد حاضراً على الهامش والسائد سويّة، وهي "متمازجة" مع ثقافة الفرد- الجسد إلى حد التطابق ظاهرياً معها أحياناً!

يمكن البدء من كرة القدم مثلاً. في المدرجات التي تحقّق الحضور المباشر للأجساد، تظهر صورة استيلاء ثقافة جمعيّة بأنواعها لتضرب الجسد- الفرد، لأنها تلغيه لمصلحة صورة متوهمة عن جسد جمعي يلغي الفردية كلياً. 

لا فرق في عمق الثقافة الجمعية لفريق أو دولة. مثال؟ يعطي فريق برشلونة مثلاً عن حال التماهي الكامل مع القومية الكاتالونية. ووصل التماهي بين القوميّة والفريق إلى ذروة غير مسبوقة في الحضور الكثيف لرؤساء الدول في "مونديال روسيا- 2018"، خصوصاً فرنسا وكرواتيا. ويساند التلفزيون ارتصاف ملايين البشر في حالٍ توحّد متوهم مع فريق منتخب أو نادي. أين للجسد- الفرد أن يحضر في ذلك السيل العارم؟ ألا يُلاحظ أن ألوان فرق النوادي والدول باتت هي المستولية على الأجساد؟ إلى حد أن هناك من يجعل ألوان علم الفريق/المنتخب جِلداً مباشراً فوق جلده، فيكسوه كله، وتضيع فرادته في لون الهوية الجماعية.

إلغاء التواصل الجسدي ومسار العنف
الأرجح أن الإلغاء الأقصى للجسد- الفرد يظهر في المعلوماتية والاتصالات المتطورة، وهي ركن أساسي في الحياة المعاصرة، ولعل ذلك جزء من العنف الذي يرافقها، بل وصولاً إلى الموت الذي هو إلغاء كامل للإنسان فرداً وجسداً. لنتأمل المقتلات المتوالية في أميركا، ألا يبدو أن شبكة الانترنت تحضر فيها بصورة متصاعدة إلى حد أن البحث عن "بصمة القاتل في السوشال ميديا" بات جزءاً من مسار تلك المقتلات. ربما ليس مجرد مصادفة. إذ تستبدل الانترنت التواصل الجسدي المباشر بالاتصال الافتراضي، وتكون الصورة الرقمية حضوراً بديلاً للفرد في تلك الشبكات. ويعني ذلك أن هناك بديلاً عن الإنسان- الفرد، يحتل الشبكة: إنها الصورة المنقولة عبر الفضاء الافتراضي. ويذكر ذلك بقول للمفكر الفرنسي رولان بارت في كتاب "الكاميرا الرائقة" بأن الصورة "ليست حقيقة، لكنها نظير كامل لها، إنه بالضبط ذلك الادعاء بكمال النظير هو الذي يحدد الصورة في الذهن العام".

وبقول آخر، بتحوّل الفرد إلى صورة، لتصبح جزءاً مما في الذهن العام، وتلغى جسد الفرد لمصلحة الصورة النمطية للفرد/الأفراد في الذهن العام لجماعة أو أثنية أو قومية أو عرق. إلغاء الجسد نقطة بداية مهمة في الفارق بين التواصل والاتصال عبر الانترنت. هل أنها مصادفة أن يكون الرئيس دونالد ترامب صورة مكثّفة عن ذلك التناقض؟ إنه الذي وصل بدعم في السوشال ميديا، والشعبوية المشرّبة بالذهنيات الجمعية [خصوصاً تيارات الإنجيلية، والوطنيّة الأميركية، وتفوق العرق الأبيض...]، وهو نقيض الجسد النسوي الذي يواصل احتجاجه عليه [تاريخ التحرش الجنسي لترامب يعادل الإزدراء بحقوق الجسد الأنثوي عبر ذكورية متطرقة]، وهو الذي شهدت سنوات ولايته تصاعداً قوياً لحوادث العنف والقتل الجماعي. ربما المثل الأبرز عن تلك الأشياء كلها كان في مقتلة 1 تشرين أول 2018، عندما قتل 58 شخصاً في ملهى في لاس فيغاس، ولم يستطع المحققون التوصل إلى دوافع القاتل الذي لم تفته أن يترك رسائل وأشرطة في السوشال ميديا"!

ويتوجّ الروبوت ثقافة إلغاء الجسد، عبر التركيز على الذكاء الاصطناعي فيه، فتختزل هوية الإنسان التي يحاول محاكاتها إلى مجرد أفكار وذكريات وطرق تفكير، فيما لا زال "جسد" الروبوت بدائياً، ولا يجري الاهتمام به بقدر الاهتمام بالمعادلات المجردة للذكاء الاصطناعي. وربما ليس مصادفة أن المذيع المصنوع بالذكاء الاصطناعي لم يكن جسداً أبداً، ولا حتى جسد روبوت، بل مجرد صورة افتراضيّة تفاعليّة تتمتع بذكاء المعادلات الرياضيّة.

أليس مقلقاً أن يكون كل ذلك الصعود لثقافة البصر والذكاء مرتبطاً بثقافة إلغاء للأجساد؟ مجرد سؤال.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها