آخر تحديث:11:34(بيروت)
الخميس 29/11/2018
share

"وما طلّت كوليت"لزياد عيتاني.. حين تتحوّل التروما إلى مسرحية

حسن الساحلي | الخميس 29/11/2018
شارك المقال :
  • 0

  • "وما طلّت كوليت"لزياد عيتاني.. حين تتحوّل التروما إلى مسرحية
    تتكثف صورة الأب في شخصية القاضي
  • عيتاني
    عيتاني
  • عيتاني
    عيتاني
لم أشاهد مسرحية "وما طلت كوليت" التي تعرض على مسرح "مترو المدينة"، لأني معجب بالمسرح الشعبي أو أنتظر عملاً فنياً خارقاً، بل لسبب بسيط هو أن قصة بطل المسرحية زياد عيتاني، الصحافي والممثل، الذي صار اسمه على كل لسان العام الماضي، بعد تلفيق ملف عمالة لإسرائيل بحقه، كان يمكن أن تكون قصتي الشخصية، أو قصة أي واحد من أبناء جيلي، يعرف جيداً أن النظام الذي نعيش فيه، يمكن أن ينقلب ضده في أي لحظة، إن كان ذلك بسبب كلمة كتبها في "تويتر"، أو سيجارة حشيش، أو ببساطة خطأ مطبعي وتشابه أسماء، وبأن "التروما" التي عاشها عيتاني ويحاول الخروج منها بعمل فني، هي قَدَر كل من يعيش في لبنان في حال لم يكن جزءاً من المنظومة المهيمنة والفاسدة.

من جهة أخرى، أعرف جيداً أن خشبة المسرح التي حوّلت عيتاني إلى نجم بيروتي، منذ خمس سنوات، وهي بالمناسبة خشبة "مترو المدينة" نفسها، لن تنفع أحداً بشيء عندما يصبح هناك، في الطبقات السفلية المخفية عن العيون، حيث لا فن ولا ثقافة، وفقط الكثير من الغطرسة والغباء والجهل. كما أن خشبة المسرح هذه لن تنفعه أيضاً عندما يحاول تبرئة نفسه، أمام الأشخاص أنفسهم الذين صفقوا له يوماً قبل أن يخوّنوه ويعودوا ليصفقوا له من جديد، حتى لو ملأ كل الفراغات في القصة، وأثبت براءته من جديد بعمل مسرحي مُحكم، أو حتى فيلم أو رواية. فالمشكلة لا تكمن في "صدقية" القصة أو في قابلية الناس للتصديق. بل المشكلة في منظومة جعلت كل واحد من أبنائها مذنباً، يمكن أن يُحاكم في أي لحظة، من قبل شقّها الأمني أو القضائي أو الإعلامي. 


تخبرنا شخصية فوزي فوزي، سائق الديلفري وابن مصلّح الأعواد البيروتي، ما حصل معه منذ اصطدامه بـ"الست" وشجاره معها قرب فرن المناقيش حيث يعمل، حتى احتجازه في المخفر ودخوله أقبية التحقيق التي انتهت به أخيراً مع مساجين متنوعي الأهواء والإنتماءات في سجن رومية.

ثلاثة مَشاهد يؤديها عيتاني مع كل من زياد شكرون، أحمد الخطيب، خالد صبيح، وفراس عنداري. كل منها يجسد فصلاً من فصول القصة. نبدأ بالتحقيق الذي يشارك فيه أربعة عناصر فاسدين، لا يتمتعون بأي كفاءة تخولهم القيام بهكذا مهمة. يجبرون فوزي فوزي، تحت التعذيب، على اختلاق شخصية "كوليت"، وقصص أخرى متضاربة تشكل ملامح الفيلم الذي سيخرجه العناصر إلى الإعلام ويؤدي إلى تخلي الجميع عن المتهم، بمن فيهم صاحب الفرن الذي يعمل فيه، الذي تخلى عن ابنه عند أول مفترق طرق، وأصدقاؤه الذين وجدوا أنفسهم أيضاً في مواجهة أصابع الإتهام.

يحضر الإعلام في الخلفية ليرسم الصورة الجديدة لفوزي فوزي، بمساعدة صحافيين يلعبون دور المحققين، قبل أن يحضر "فايسبوك" برمزيته الإجتماعية ليجري محاكمة أخرى للمتهم، تبرر تعذيبه وصلبه، ثم تأتي السينما من خلال فيلم عربي قديم حول الجواسيس والعملاء، لكن بمضمون مختلف عن الأصلي، ملائم أكثر للقصة والنَّفَس الكوميدي الذي يصاحبها، يغذي الخيالات والفانتازيا الكوليتية المصاحبة للمسرحية.

تتنوع أجواء المسرحية، بين الكوميديا، الدراما، التهريج، الخطابية، والغنائية. كما أن الضغط والتوتر يتفاوتان بين فصل وآخر. في الفصل الثاني مثلاً، الذي يظهر المحاكمة، يتراجع الضغط والتوتر عند ظهور القاضي الذي يشكل خشبة الخلاص التي يتمسك بها فوزي لتبرئة نفسه.

تصبح المسرحية هنا سلسة ومسلية، حيث يؤدي عيتاني مقاطع من أغاني أم كلثوم، من ألحان عبد الوهاب، وبليغ حمدي، وزكريا أحمد. ثم يخبرنا "فوزي" عن والده، مصلح الأعواد، الذي قذف به يوماً إلى البحر كي يتعلم السباحة. ليس صدفة حضور الوالد في المحاكمة. فبعدما أصبح المتهم عارياً من كل شيء، بلا ظَهر يحميه أو واسطة تخرجه من الأزمة، وبعدما لعب به المحققون كرة القدم، بحسب تعبيره، وتخلّت عنه دولته التي يفترض أن تكون الأب الأكبر لمواطنيها، يحضر الحنين إلى والده، الذي يفترض أن يحمي أبناءه في المجتمع البدائي الذي وجد عيتاني نفسه ضمنه. وتتكثف صورة الأب في شخصية القاضي، أول من يساعد عيتاني فعلياً، ويثبت بأن هناك خطأ في التحقيق، فيطالب بالتوسع فيه.

الفصل الثالث، وهو الأكثر تماسكاً في المسرحية، يقدم صورة عن الوضع الذي عايشه المتهم في السجن، منذ دخوله إلى النَظَارات، حيث يتعرض للتعذيب مرة أخرى، لكن هذه المرة على أيدي المساجين، قبل انتقاله إلى إحدى الغرف حيث يحميه تاجر مخدرات شيعي، مؤمن ببراءته، ويبقى بصحبة سجينين، أحدهما إسلامي والآخر مسيحي أرمني، قبل الإفراج عنه أخيراً وخروجه بالبراءة.

وهنا يكشف فوزي فوزي عن زياد عيتاني الحقيقي، بعدما أخبر قصته، وتعاطف معه الجميع، وأثبت للجمهور براءته. لكن تلك البراءة صُكّت له منذ خروجه من السجن فعلياً، ولم يكن هناك من داع لإثباتها مجدداً بعمل فني، إلا في حال كان يريد إثباتها لنفسه.. 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها