آخر تحديث:12:12(بيروت)
الخميس 29/11/2018
share

نُتف من سيرة برنار ستيغلر.. ترحيباً به في بيروت

روجيه عوطة | الخميس 29/11/2018
شارك المقال :
  • 0

نُتف من سيرة برنار ستيغلر.. ترحيباً به في بيروت لقد لمستُ العالم عبر جدار زنزانتي، خضت تجربته غيابياً.
بمعية نشاط "حوار الأفكار"، الذي تنظمه السفارة الفرنسية في بيروت بالتعاون مع المعهد الفرنسي الثقافي، تستقبل بيروت اليوم، عند الساعة السابعة مساءً، الفيلسوف برنار ستيغلر ضمن محاضرة يقدمها بعنوان "للطلوع من الدرب الإستهلاكي والبيئي المسدود: خلق الشبكات من جديد"، وخلالها، سيتحدث عن حقبتنا الصناعية المتفاقمة، حيث ان إنسانها بمثابة قوة أرضية لتدمير كل التوازنات ولتهديد الحياة بأكملها، كما أنه سيتحدث عن سبل الإنصراف من هذه الحقبة نفسها.

تعريفاً وترحيباً به، هنا، نتف مترجمة من سيرته المستمرة، التي ذكرها في إحدى المقابلات القديمة معه، والتي تدور في غالبيتها حول سجنه. مع العلم أنه أجاب مرات عديدة عن سؤال "كيف صرت فيلسوفاً؟"، وذلك، خلال لقاءات أو في محاضرات، وطبعاً، في كتيبه القيم "Passer a l'acte"، الذي صدر في العام 2003 عن "غاليله".


في بداية حياتي، تهتُ كثيراً. في أيار 68، كنت أبلغ من العمر 16 عاماً، وكنتُ "يسارياً راديكالياً". طُردتُ من الثانوية -لهذا لم أحصل على شهادة البكالوريا- وسرتُ كما يحلو لي. كنت هاوي جاز، أزور بعض أدباء "الليتريسم" (حركة فنية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية)، ثم انتسبت إلى الحزب الشيوعي، على أمل تغييره من الداخل. في العام 1971، صرت والداً. بعد أعمال متتنوعة - عملتُ كصانع جواهر، وعتّال أغراض من السوق إلى مشتريها، وعامل بناء... كل هذا، لم يجعلني قادراً على دفع إيجار المنزل. في يوم من الأيام، تلقيتُ أمر إخلاء مسكني في سارسيل، حيث كبرتُ. في شاحنة صغيرة، تركت المنزل بلا أن أدفع أي إيجار، وانتقلت إلى الريف.


هناك، لم أشعر أنني "هيبي": كنت في الريف كي أعتاش. لكن جفاف العام 1976، أجبرني على تصفية مزرعتي. لاحقاً، فتحتُ حانة في تولوز، واسمها "زبد الأيام"، حيث كنت ألعب الجاز، بالإضافة إلى استقبالي الفرق الموسيقية. كانت الحانة، طوال مساءاتها، مزدحمة بالناس الباحثين عن موسيقى جيدة. كانوا جمهوراً مترَوبصاً. أتت الشرطة في ليلة من الليالي، ووجدت كمّاً من الهيروين، وطلبت مني أن أتعاون معها، وهذا ما لم أفعله. جرى إقفال الحانة، وفي اللحظة ذاتها، مُنعتُ من استعمال حسابي المصرفي (كان ذلك بسبب خطة حكومية، تدعى خطة بار). لذا، غزوتُ مصرفي الخاص، ثم مصارف أخرى. بعد هجومي المسلح الخامس، وقعتُ في قبضة السلطة.

قلتُ بدايةً بأنني سأفعل ما حلمت به مطولاً: كتابة الروايات. ثم أدركت بألا شيء عندي لأقوله: ما كتبته كان سيئاً للغاية. أردتُ إذاً أن أدرس الأعمال الأدبية، وأن انشغل بالشعر والألسنية. (الفيلسوف جيرار) غرانيل، الذي حصل على أذن لزيارتي وجلب لي الكتب، طرح علي التسجيل في الجامعة، وأن أحضر للإمتحان الذي يمكنني من الدخول إليها. خلال الأشهر الأولى في الحبس، فهمت أن المهم هو الإقلاع عن الكلام، بل الإستماع إلى ما يدور في هذا الصمت. أضربت عن الطعام مطالباً بزنزانة إنفرادية، وبعد ثلاثة أسابيع، رضخت الإدارة.

عندما يوجد الصمت، ينطلق "هذا" (بمعنى الهو الفرويدي) في الكلام. وهنا، بالذات، من الممكن قول أشياء مفيدة. في هذا الوضع، وللمرة الأولى، بدأت الدراسة، وبكل هوى. في السجن، تتضاعف قدرة العمل عشرات المرات. وما أن تجاوزت امتحان الدخول، شرعت في قراءة سوسور، بالإضافة إلى نقده، لا سيما الذي دبّجه دريدا، وعلى هذا النحو، التقيت بالفلسفة.

لقد لمست العالم عبر جدار زنزانتي، حيث خضت تجربته غيابياً. غصت في فينومينولوجيا هوسرل. مستنداً على تجربة الشك الراديكالي عند ديكارت، وممدداً تجربة كانط، مارس هوسرل طريقة "التقليل الفينومينولوجي". مبطلاً أثر ما سماه أطروحة العالم (الإيمان بوجوده)، حلل الظروف التي، وفي نتيجتها، ينشئ الفاعل عالماً (يعني ظروف التجربة). من خلال استيعاب العالم على أساس بيانه، وعلى أساس ولادته في الوعي، تؤدي الطريقة الفينومينولوجية إلى قلب وجهة النظر: تتنازل عن "الوضعية الطبيعية"، وترشد البصر. بيد أنني، في الحبس، عشت توقف عالم الحدوث. لكن، حتى في ذلك، اكتشفت أن هناك شيئاً: هناك ذاكرتي، التي كانت كناية عن وجع. فالكتب التي جلبها لي غرانيل كان تحتوي ذاكرة الإنسانية. لهذا، موضوعة الأثر-الكتابة-التي، وعلى أساسها، تواجه دريدا مع هوسرل، قد أصبحت نقطة انطلاقي. لا يمكن أن نبطل الأثر، ولا بدّ من إعادة النظر في مشروع الفينومينولوجيا من هنا. هذا ما قررت أن أفعله. وضعني غرانيل على إتصال بدريدا، الذي بدأت بالعمل معه.

في الحبس، لا شيء يتغير: البارحة كاليوم الذي سيكون كالغد. هذا الاستقرار غير محتمل البتة-إلا في حال التحول الفينومينولوجي: هنا، التحول إلى فضيلة الإعتقال. تتيقن من أن شيئاً ما يحدث حتى عندما يبدو ألا شيء يحدث: مثلاً، البارحة "لم يكن على ما يرام"، واليوم "أفضل"، أو العكس. الفلاسفة على حق: ما يحصل لنا، يأتي منا. لكن، في حال لم تقدم على الإضطلاع بهذا الأمر كمنهاج وتنضبط به، فقد يصيبك بالجنون. ففي حال، فرضت ما سماه إبكتيتوس " Mélété"، التمرس، يصير الحبس خليلاً كبيراً.

داخل زنزانتي، تأثرت بكتاب أرسطو "في الروح"، الذي يدور حول مسائل الحركة، التغير، والفتور، أي السمات التي يتصف بها "أول محرك ثابت" (ثيوس-الإله). الروح، بحسب الفيلسوف إياه، هي حركة الحياة. لكن، يجب تمييز ثلاثة أنواع من الأرواح. الروح المغذية، روح النباتات، التي لا تتحرك سوى بنموها. الروح الحساسة، روح الحيوانات، التي تتنقل من أجل غذائها وتناسلها. الروح التفكرية (الأناتية من أناة)، التي تتصل بالأناة، بالذهن، والتي تتحرك كلياً: هي موضوع سؤال. أغلب الوقت، تبقى الروح الأناتية في الطور الحسي، وهذا، كالروح الحساسة التي لا تنتقل إلى الفعل إلا بطريقة متقطعة وتشتغل في أغلب الوقت على أساس ما هو قريب من النمط المغذي. طرحت فكرة أن المحيط لا يصير أناتياً، تفكرياً، سوى عندما نخرج منه-كسمكة طائرة بالتناوب.

الخروج من المحيط لأجل تأمله، يعني التنظير حوله، هذا ما يسعى إليه الفينومينولوغ عندما يعكس نظرته. فعند أرسطو، لا يوجد عالم آخر، حيث تنتظرنا الأفكار الخالصة. من سجني، استنتجت أن تجربة الحقيقة هي تجربة العالم حيث يجب الغوص، الحقيقة، هي الماء نفسه. لكن، يجب الطلوع منه لإدراك كل ذلك.

لقد قضيتُ خمسة أعوام في السجن، ومع خروجي منه، لم أعرف القيام بالكثير من الأشياء، ولا عبور شارع حتى. لكن المكسب أنني، عندها، رأيتُ كل شيء كأنه جديد. إنه حلم رسام، أو حلم فيلسوف.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب