آخر تحديث:13:53(بيروت)
الأربعاء 28/11/2018
share

"طرق الرب" لشادي لويس..القبطي حامِل نَير الآخرين

أحمد شوقي علي | الأربعاء 28/11/2018
شارك المقال :
  • 0

"طرق الرب" لشادي لويس..القبطي حامِل نَير الآخرين البطل، الذي يصمه شادي لويس بوصمة السلبية، لا يرفع شعارات المظلومية، ليعرض أزمته
ثمة روايات ميتة، ورؤى ميتة كذلك، منغلقة على ذاتها، وإن تصدّت لأزمات كبرى. عالمها ضيق، يخنقه انتحال ما تتبناه من شعارات، أو ربما يخنقه السكون لوطأة الشعور الجمعي بالأزمة. وثمة روايات حية، ورؤى حية مثلها، لأنها وإن تصدّت لعوالم معزولة، فإنها تحفر عميقًا داخلها لتفتح أمامها سبيل الخروج.

وكجماعات مهضومة الحقوق في الأغلب، لا تحتاج قضايا الأقليات لبكائيات جديدة أو روايات ميتة تزيدها انغلاقًا على ذواتها. في روايات المصري إدوار الخراط، مثلاً، وهو مسيحي بالطبع، لم يكن المجتمع القبطي أقلية، كان هو العالم الأساس وما دونه طارئ، ولم يكن ذلك إنكارًا للآخر، أو تغافلًا عما تعانيه طائفة الأقلية في مصر من أزمات، أو تسجيلًا لواقع غابر. بل كان إثباتًا للوجود، وسماءً منفتحة تطل على مجتمع هُمّش فتقوقع على ذاته. وعلى غرار إدوار، ومع اختلاف المعالجة والموضوع والغرض الفني، يتحرك شادي لويس بطرس، عبر "طرق الرب"(*)، مؤرّقاً بِهَمٍّ حقيقي، لا ليصيغ بكائية جديدة، وإنما ليفتح للقارئ بابًا يطل من خلاله على أزمة بطله المسيحي، حتى يتورط فيها ومن ثم يشتبك معها.

تسير الرواية، بحسب البناء الذي أسسه لويس، في خطين حكائيين. يسرد الأول وقائع لقاءات تشبه طقس الاعتراف المسيحي، تجمع بين شريف، بطل الرواية، والأب أنطونيوس، أحد قساوسة الكنيسة الأرثوذكسية. ويعرض الثاني لعلاقة البطل بحبيبته الألمانية إستر، وبأصدقائهما: علاء وياسر ومريم ومايكل، وتوتر تلك العلاقة بسب تورطهما في ما اعتقدوا أنه قضية سياسية تتعلق بأمن الدولة، حيث تدور الأحداث ما بين العامين 2005 و2007، في ظل الحراك السياسي الذي أعقب تأسيس حركة "كفاية" والتصدي له أمنيًا من جانب نظام مبارك.

ومن خلال ذلك البناء، يتحرك الكاتب بحرية، بين الحكايتين، ليعرض ما أراد أن يطرحه من المسألتين المسيحية والسياسية على السواء، من دون أن يقع في فخي الإسهاب –المرهق- أو الخطابية. ويشتبك من خلال حكايات قصيرة، تمثل التاريخ العائلي والشخصي للبطل، مع ميراثه المسيحي العقائدي والاجتماعي، من دون أن يصرف تركيز القارئ عن متابعة أزمة شريف وإستر وأصدقائهما مع الأمن.

وتتبدى براعة لويس، الذي يقدم نفسه كروائي للمرة الأولى، من خلال ذلك المزج بين المسارين، من دون أن يضع إشارات زمنية تفصل أحدهما عن الآخر، كأنهما حاضران، ومع إخفاء الكاتب للعلاقة التي تربط الخطين الحكائيين بعضهما ببعض، فإن ترتيب الفصول والصلات الدرامية بينهما يوحي بتتابع أحداثهما زمنيًا. فتظهر لقاءات شريف بالقس وكأنها جزءا من عقابه المنتظر بعد أن يُلقي الأمن القبض عليه، وكأن الدولة –في مفارقة تهكمية- تعيده إلى كنيسته -باعتبارها وليّ أمره- لتؤدبه كمواطن فاقد للأهلية، هذا الشعور الذي سينتاب قارئاً يحاول افتراض علاقات لربط المسارين، لا يتبدد باكتشاف الرابط الأساسي قبل نهاية الرواية بفصلين، بل ربما سيعمق ذلك الاكتشاف شعور القارئ بأن المسيحيين ليسوا إلا مواطنين فاقدي الأهلية في نظر الدولة. فشريف، لكي يستطيع الزواج من صديقته "إستر"، لا بدّ له من الحصول على شهادة "خلو موانع" من الكنيسة، لذلك هو مُلزَم بذلك اللقاء الأسبوعي الذي يجمعه بالقس لكي يمنحه تلك الورقة الإجرائية!

لكن شادي لويس يقع في فخ الشك في قدرة حكايته على إلهام القارئ بمقاصده منها، لذلك يضطر أحيانًا للمباشرة، كضمانة زائدة على أن غرضه من القص قد وصل للقارئ كاملًا. فمسألة فقدان المسيحيين للأهلية، التي توحي بها التقنية السردية التي استخدمهما ببراعة، ربما بدت له غير كافية، وظنّها تحتاج أن يورد غرضه مباشرة على لسان بطله في الفصل الرابع عشر، حين يقول: "لم أتخيل قط أنني كنت فاقدًا للأهلية إلى هذا الحد أمام القانون، لمجرد أنني قبطي، أو أن الدولة سلمتنا رهينة في يد الكنيسة ورجالها بلا ضمانة على الإطلاق، وبكل هذه البساطة، وكأننا لسنا من مواطنيها، وبلا حقوق لديها أو لدى غيرها". وفي حين أن ذلك الاقتباس قد يجد لنفسه منطقًا دراميًا داخل الرواية، كمنولوغ بطل مأزوم يبدي غضبه من وضعه كمسيحي في دولة تعامله كمواطن من الدرجة الثانية، فإن موضعًا آخر في النص يصعب تفسيره بعيدًا من غرض المباشرة.

يمكن لرواية "طرق الرب" أن تنتهي بنهاية الفصل الخامس عشر من دون إخلال بحكايتها، لذلك يبدو الفصل الأخير الذي أضافه شادي لويس مربكًا إن لم يكن محبطًا للقارئ. ليس فقط لأنه لا يشبه في أسلوب سرده ما جرت عليه الرواية في فصولها السابقة، من تحول الراوي من مشارك يتحدث بضمير المتكلم إلى عليم يشير للقصة بضمير الغائب، وإنما لأنه يخالف في منطقه ما أهلت الرواية القارئ إليه، من أنه لا جدوى في معرفة حقيقة ما حدث: "استدار الرجل، وقال لي جملته الأخيرة، قبل أن يخرج من باب البيت: "معك حق، لا جدوى من معرفة الحقيقة الآن". في حين أن الفصل الزائد يضع نهايات لمصائر الأشخاص، ويوضح بعض الحقائق التي لم تتضح في الفصول السابقة. كما أن نهايته، بالإضافة إلى صيغة الراوي العليم التي تحول إليها لويس، تحيل الرواية إلى أمثولة كنسية تشبه أعمال البرازيلي باولو كويليو، الذي يفتتح نصوصه بحكمة مقتضبة ثم يستكمل صفحاتها بغرض واحد هو تأكيد وجاهتها ليس إلا.

تبدأ "طرق الرب" بالاقتباس التالي من سفر إرميا: "الآباء أكلوا حصرمًا وأسنان الأبناء ضرست". وفي نهاية الثلث الأول من الرواية، وتحديدًا في صـ49، يقول شريف عن جده، إنه: "كانت تلك الضربة القاصمة التي نالها بولس، والتي ظنها عقابًا إلهيًا كفيلة بإعادته إلى طرق الرب، لكن ليس إلى إيمانه البروتستانتي، كما كان متوقعًا، بل إلى أصوله التي فقد كل ما يربطه بها من زمن بعيد. بدأ بولس يردد بين الحين والآخر إنه رجع إلى عقيدته الأرثوذكسية أخيرًا. فبعد أن باعه "أسعد العرص" للخواجات، وبعد أن رموه هم في الشارع بعد أن حشوا رأسه بتجديفات لوثر وكلفن، وبعدهم خذله ناصر، لأنه لم يكن مصريا بما يكفي في نظره، لم يعد له سوى الرب. "ما أعجب طرقك يا رب"! قاطعني أبونا أنطونيوس في عجلة ليختم قصتي بالنيابة عني"...

ثم يعود بعد نحو أكثر من 141 صفحة، في نهاية الرواية، ليقول على لسان الراوي العليم قاصدًا مصير شريف، أنه: "كان دائمًا ما يختم حكاياته، التي تتغير أحداثها بحسب مزاجه وأمزجة المستمعين، بأنه لولا كل هذا، لما رجع إلى أحضان الكنيسة، فطرق الرب عجيبة وعصية على الفهم. وهو عرف منها طريقًا واحدًا فقط، وهو أنه لو لم يكن له رجاء في المستقبل، فعلى الأقل هناك أمل في الماضي، بالتأمل فيه وتدبر حكمته. وكان من حوله يهزون رؤوسهم منقسمين بين الشفقة والإعجاب، وهم يرددون: "ما أعجب طرقك يا رب".

وكأن الذي جاء بين ضفتي الرواية لم يكن سوى تفسير للحكمة المقتضبة من سفر إرميا، وهذا بالتأكيد غير صحيح. فالرواية أعمق من ذلك. لكن هذا ما فعله الفصل الأخير، أو بصيغة أخرى لعله كان "الشك في قدرة الحكاية وحدها على الإلهام".

يحمل "شريف موريس بولس"، عبء انتمائه إلى طائفة أقلية دينية، في دولة لا تعتد بمواطنيها عمومًا، ويواجه أزمة هوية واضحة. فهو مشوش بين كونه قبطياً ينتمي إلى أقدم طائفة دينية مسيحية في الشرق الأوسط، ما يعني بالضرورة أنه الأسبق في الحلول على أرض مصر من غالبيتها المسلمة، وبين اعتبار الأخيرة المسيحيين أجانب دخلاء "خواجات" على أرض يرونها تخصهم وحدهم. فلا هو استطاع التمتع بحقوقه مستقلًا، كشريك في الأرض، ولا استطاع الانتساب إلى الأجانب. فحتى والد حبيبته الألماني والذي يدين بنفس ديانته، يرفضه لأن "الثقافة التي تربى عليها مسلمة".

لكن البطل، الذي يصمه شادي لويس بوصمة السلبية، لا يرفع شعارات المظلومية، ليعرض أزمته من خلال منطق الضعيف المقهور، وإنما يشتبك مع ميراثه العقائدي والاجتماعي، عبر رحلة وجودية يجادل خلالها حاضره وماضيه، لا يظهر عبرها خانعًا بشكل مطلق، على الأقل خلال خط الحكاية الخاص بجلسات الاعتراف. وكأن تلك الوصمة في إطارها العام ليست إلا صيغة تهكمية أخرى تحاول تفسير واقع المسيحيين، الذين يحملون أوزارهم جيلاً بعد آخر، ربما لأنهم لم يتمردوا بما يكفي، أو كما يقول، شريف: "وحدهم الشياطين يحملون وزر أنفسهم إلى الأبد، أما نحن فنحمل نير آخرين لا نعرفهم، جيلًا بعد جيل".


(*) صدرت الرواية عن دار "الكتب خان"، في القاهرة.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها