آخر تحديث:12:32(بيروت)
الثلاثاء 27/11/2018
share

رقصة برتولوتشي الأخيرة... شكراً

شفيق طبارة | الثلاثاء 27/11/2018
شارك المقال :
  • 0

  • رقصة برتولوتشي الأخيرة... شكراً
    دخل برتولوتشي السينما بالصدفة، تعرّف إلى بازوليني وكان عمره 19 عاماً
  • التانغو الأخير في باريس
    التانغو الأخير في باريس
  • خلال التصوير
    خلال التصوير
رحل عاشق السينما الإيطالي، من حلم يوماً أن يعيش من أجل السينما، من أراد أن يفكر بطريقة سينمائية أن يأكل وينام من اجل السينما. في السابعة من صباح 26 نوفمبر الجاري، فقدت السينما ومحبوها المخرج برناردو برتولوتشي عن عمر يناهز 77 عاماً بعد صراعٍ مع المرض وبعد 6 سنواتٍ قضاها مقيّداً في كرسي متحرّك.

مهرجان "كان" قال إنّه "عملاق صناعة الأفلام الإيطالية، وسيبقى إلى الأبد ضوءاً رئيساً للسينما العالمية". أمّا مهرجان البندقية فاعتبر أنّ "ذكراه ستكون مع أعظم أسياد السينما الإيطالية والعالمية". الرجل محلّ إجماع. تتفق المرثيات من كلّ حدبٍ وصوب على عالميته وعظمته السينمائية. هو المولود في المدينة الإيطالية بارما العام 1941، مهد الموجة الايطالية الجديدة ونواة الغضب والأمل لاحتجاجات العام 1968. بارما التي شكّلت كل شيء لبرتولوتشي، التي تركت أثرها الثوري والسينمائي على أفلامه الأولى والتي عاد اليها في أفلامه اللاحقة.


كان برتولوتشي جزءاً لا يتجزأ من المشهد السينمائي الإيطالي والموجة الجديدة، جنباً إلى جنب بيار باولوبازوليني، فيديريكو فيليني، ومايكل انجلو انطونيوني وغيرهم. هذه الموجة التي تأثرت برياح الموجة الجديدة القادمة من فرنسا، هو السينيفيلي الشغوف قبل أن يصبح مخرجاً والذي عشق المخرج الفرنسي جون لوك غودار "أحببته بشكل كبير لدرجة أنّه لو كان لديه أطفال لكنت أخذتهم بنفسي إلى المدرسة".

نشأ الرجل في منزل عرف الفنّ، فوالده الشاعر والكاتب الإيطالي أتيليو برتولوتشي. وفي هذا الاتجاه ذهب برناردو في البداية، شجعه والده على نشر أول مجموعة شعرية له العام 1962 تحت عنوان "بحثاً عن الغموض". ترك الشعر وذهب إلى السينما في العام نفسه، هو إذاً تمرّد على ما هواه والده، وهذا ترك بصمة في أفلامه باعترافه "عبر التحليل الفرويدي اكتشفت أن صنع الأفلام بالنسبة إلي هو فعل قتل أبي. بطريقة ما، أصنع الأفلام من أجل متعة الشعور بالذنب. كان علي أن أعي ذلك، بل إن والدي أيضاً اضطر لقبول حقيقة أنه يُقتل في كل أفلامي. الطريف أنه قال لي يوماً: أنت ذكي جداً، لقد قتلتني مرات عديدة من دون أن تسجن ولو لمرة". الخلفية الشعرية للرجل تركت أثراً أعمق في أفلامه، الكلمة أساسٌ وتضاهي الصورة أهمية.

لقد دخل برتولوتشي السينما بالصدفة. شاءت الأقدار أن يتعرّف إلى بازوليني، وكان عمره 19 عاماً: "هل تريد أن تكون مخرجي المساعد؟ أجبته أنني لا أعرف كيف أفعل ذلك. فكان جوابه أنّه هو أيضاً لا يعرف كيف". خلال العامين 1960 و1961 راح الإيطالي الشغوف يراقب ويدقق في خلق السينما يوماً بعد يوم، ليكتب اسمه مخرجاً للمرة الأولى العام 1962 على فيلم الإثارة "قابض الأرواح"، وبعدها العام 1964 على "قبل الثورة" عن البرجوازية الشيوعية في بارما...

روى برتولوتشي في أفلامه تطور المجتمع والتاريخ والعادات. هو واحد من صانعي "سينما المؤلف" القلائل الذين عملوا على هذا النوع من الأفلام بموازنات ضخمة. وسينما المؤلف هي التي يُخرج فيها المخرج هواجسه الشخصية، ومع الإيطالي نتحدّث عن: الصراع الطبقي، اللاوعي، الجنس، الجمال والسياسة. أبطاله يصارعون مثله، متمرّدون على الأعراف والقوانين والسياسة، وكذلك يصارعون داخلياً نفسياً ووجودياً.


"1900" فيلم يمتد 5 ساعات ونصف، يتناول الصراع السياسي والطبقي، قصة مالك الأرض الثري والمزارع. فيلم ملحمي في خضمّ الصراعات الفاشية والشيوعية خلال النصف الأول من القرن العشرين. وقبله فيلم "الملتزم" سياسي أيضاً، تدور أحداثه خلال سنوات فاشية موسوليني.

أما في فيلمه الأكثر إثارة للجدل "التانغو الأخير في باريس"، فيغوص أكثر في الصراعات الباطنية للأشخاص، عن علاقة المتناقضين التي لا تفتر، عن العاطفة والجنس، عن الرابط الجسدي الذي يصبح وسيلة لتسكين الآلام والهروب. الفيلم مثير للجدل بسبب أحد مشاهده (مشهد الزبدة الشهير) والذي فاجأ به الممثلة الرئيسية بمشهد غير متفق عليه، فانقسم الجمهور لاحقاً بين من يصطفون مع المخرج من أجل واقعية المشهد، ومن وقفوا مع الممثلة ماريا شنايدر.

برتولوتشي ذهب أبعد من إيطاليا وأبعد من هوليوود، ليكون أوّل مخرج غربي يصور فيلماً في المدينة المحرمة في الصين، في فيلمه "الإمبراطور الأخير"، وهو عن حياة الإمبراطور الأخير للصين "بوئي" والذي أحرز عنه تسع جوائز أوسكار، منها أفضل فيلم وأفضل مخرج العام 1987.


لا شكّ أنّ سينما برتولوتشي خاصة، تجمع فلسفة ماركس، وتحليلات فرويد، وموسيقى فيردي، مع إجادته انتقاء الكلمات وتركيب الجمل. أحبَّ الممثلين وعرف كيف يختارهم، وأحب مشاهد الرقص فجعل كاميراته تتمايل. "آمل دائماً أن تكون أفلامي غير مفهومة تماماً"، هذا ما قاله يوماً. لكن رغم ذلك، بقليل من كل فيلم له عرفناه إنساناً، مخرجاً وسينيفيلياً نهماً.. شكراً برناردو برتولوتشي.. لن نقول وداعاً.. بل إلى اللقاء مع مشاهداتٍ لا تنتهي لأفلامك.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها