آخر تحديث:14:05(بيروت)
الجمعة 23/11/2018
share

غيلان الصفدي بالأبيض والأسود: كآبة المهرّج

محمود وهبة | الجمعة 23/11/2018
شارك المقال :
  • 0

غيلان الصفدي بالأبيض والأسود: كآبة المهرّج
قد يكون غيلان الصفدي من أكثر الأسماء تداولاً في الساحة الفنية، حيث يرسم لوحته بطابع خاص وطقس حميم، ينتقل بين الإضاءة والعتمة بحثاً عن معنى لوحدته. الصفدي الذي درس الفنون الجميلة في جامعة دمشق، وبدأ الرسم منذ أيامه الجامعية، ليتعاطى مع اللوحة كملجأ وحضن للخروج على كل شيء. تم تسليط الضوء على أعماله ومعارضه، خصوصاً في البدايات في سوريا حيث كان صوته أعلى من غيره ولم يساير أحداً، وأيضاً بسبب غرابة الأعمال وجنونيتها وكسرها للقالب السوري المعتاد من خلال اللون والجنس والحياة، باختصار يحتفظ الصفدي ببصمته الفنية الخاصة في ظل خفوت فني كبير.


في الجميزة، الشارع الذي يختزن ذكريات المارّة، يقع مرسم غيلان الصفدي الذي أراد أن يكون مرسمه مكاناً للخروج من عزلته ولترجمة سخطه في لوحات، منتقلاً بالفرشاة إلى عالم أكثر حكمة وهدوءاً وطراوة.

يأخذك غيلان ابن السويداء، وصاحب اللكنة المحببة، إلى مرسمه ويدخلك في كل تفصيل من تفاصيله، فترجع مع شبابيك المرسم إلى مسرحيات فيروز والأخوين الرحباني. تعودُ بك ذاكرتك مباشرة إلى حقبة فنية وطفولية معينة. تسرّ وتسعد بهكذا بيت ما زال يحتفظ بقناطره وشبابيكه وأدراجه وأبوابه العتيقة على الرغم من تقادم سنّها وغزو العدوان. قد يكون السبب هو أن الساكن في البيت هو رسام يعشق طفولته، وفي داخله حنين دائم للعودة إلى أزمنة وأوقات مضت وتركت فيه أثراً حياتياً وفنياً كبيراً. هكذا بين القناطر والنوافذ والأبواب يشعر الصفدي بالرغبة المطلقة بالرسم ويجد نفسه أمام لوحته ممتثلاً لما تمليه عليه الرغبة والشحنة الإيجابية التي تمنحه إياها تفاصيل المرسم.

زائر مرسم الصفدي لا بد له أن يضع أمامه صورة للحرب السورية بتفاصيلها وأطرافها وخرابها. ينقلك مزيج الأسود والأبيض المخيّم على اللوحات، إلى عمق الوجع السوري. المرسم يدخلكَ إلى سوريا أخرى، كما يراها الصفدي، أو ربما كما يعيد تأويلها بواقعية بل بغرائبية تطرحُ عليك تساؤلات ساخرة، رافضة لكل ما جرى ويجري. إلى أن تنتهي الإجابة على شكل لوحة أو وجه أو سؤال. سؤال وجواب وحيرة دائمة مستمرة. 


تبدو الأرضية في المرسم متناسقة إلى حد كبير مع اللوحات المعلقة هنا وهناك. تصادفكَ علبُ الألوان الغريبة والمتناثرة، والتي تجعل من المرسم ركناً مركباً لا يهدأ ولا يستكين. إذا دققنا أكثر في غرف المرسم، نجد قسماً خاصاً يسكن فيه الصفدي، وهذا ليس بغريب، ببساطة وكما يقول هناك اتصال وارتباط كبير بين رسومي ولوحاتي وواقعي الحياتي الذي أعيشه. سكنُه في هذه البقعة بالذات يخلق جواً من الحماسة لديه لنقل تفاصيل هذا العالم إلى لوحته لنحبها بعد ذلك.

الأسود والأبيض 
لعل سيطرة الأسود والأبيض تعود إلى أنهما يعكسان الحياة العامة والشخصية. هذان اللونان مرتبطان جداً بما جرى ويجري في سوريا، حيث نرى كل يوم الحرائق والدخان والبلد الذي يتهدم ويحترق، بالتالي يجسدان المأساة السورية.

للفوضى موقعها في المرسم على غرار سائر الرسامين والتشكيليين الذين فضلوا ترسيخ أفكارهم ورسومهم، على أن يتفرغوا لتنظيف وتجميل أماكن إبداعهم. تلك الجدران الصافية تختفي شيئاً فشيئاً تحت وطأة الرسوم السوداء والبيضاء. هكذا ببساطة، تتفاعل عناصر المكان. يقول الصفدي: "لوحتي في تطوّر دائم، أنا الآن في الأربعينات، تتضح معالم تجربتي أكثر فأكثر، وأميل منذ فترة إلى الأسود والأبيض لأنهما يمثلان الكآبة، لكنها ليست كآبة الضعيف، بل كآبة الشخص المهرج الذي يرى الأشياء ويضحك على الناس بمراقبتهم". والمتابع يجد في اللوحات شيئاً من المسرح، لأن الحياة هي مسرح باختصار، وكل شخص له دور على هذه الخشبة، أحدنا المخرج والآخر الممثل، وهلم جراً.

معرض جنس 2001: بصمة خاصة  
أقيم معرض جنس بعد التخرج العام 2001، في المركز الثقافي العربي، وللأسف أوقف نتيجة الإباحية التي لم تكن معتادة. رسم الصفدي حينها بصدق، والمصادفة أن لوحاته بيعت كلها، واستغرق تنفيذ المعرض 4 أشهر. كانت فكرة المعرض الأساسية أن الجنس ممرّ أساسي لأي شيء، الخوف، الحب، الضياع، محاربة الموت بالجنس. اعتُبر المعرض حينها إباحياً وتم إيقافه، وكانت تجربة فعلا جميلة. أيضاً، شارك الصفدي في الكثير من المعارض السورية واللبنانية والعربية، أبرزها مشاركته في معرض دبي "خريطة العالم العربي". إضافة إلى معارض فردية وجماعية منها: رماد / العرض يجب أن يستمر / صدى / تجليات.. إلخ. 

سيرة ذاتية 
غيلان الصفدي، فنان تشكيلي سوري، مواليد السويداء العام 1977، حاصل على ماجستير من جامعة دمشق - كلية الفنون الجميلة - اختصاص التصوير الزيتي العام 2001. 
يقيم حالياً في بيروت، له مقتنيات في أكثر من دولة منها: باريس - بيروت - الجامعة الاميركية - تونس - الجزائر. أقام الصفدي ست معارض فنية فردية، وشارك في حوالى 40 معرضاً جماعياً في ألمانيا، ايطاليا، لندن، ارمينيا، باريس، تركيا، الكويت، الأردن، دبي. فاز بجائزة تورينو - ايطاليا لأفضل تصميم دمى بمسرحية "خيط حرير - خيال ظل". له معارض دائمة في باريس وبيروت (الحمرا - الجميزة).

(*) يشارك حالياً في معرض جماعي في "غاليري كاف".
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها