آخر تحديث:13:46(بيروت)
الجمعة 23/11/2018
share

مايك لي يستحضر "بيترلو" التي لم تُدرّسها المدارس

شادي لويس | الجمعة 23/11/2018
شارك المقال :
  • 0

مايك لي يستحضر "بيترلو" التي لم تُدرّسها المدارس مخرج الفيلم يتخلى قليلا عن "واقعية حوض المطبخ"
"وإذا تجرأ الطغاة، فدعوهم يدخلون على خيولهم بينكم 
ليقطعوا ويطعنوا ويبتروا ويشوهوا 
وكل ما يحلو لهم دعوهم يفعلونه 
بأذرع مطوية، وعيون ثابتة، بقليل من الخوف وقليل من المفاجأة 
أنظروا إليهم وهم يذبحون.."

لا يذكر من شيللي سوى رومانتيكيته الفيكتورية، وتراجيديا حياته القصيرة، والشهرة التي لم ينلها سوى بعد وفاته. لكن راديكالية الشاعر الإنكليزي وقصائده السياسية، التي ألهمت ماركس مع كثيرين، قليلاً ما يشار إليها. فذاكرتها ربما بهتت عن غير قصد، لصالح صورة الشاعر الحالم، ذي الوجه الملائكي والروح المعذبة الهشة، أو ربما مُحيت عمداً لنسيان هول الأحداث التي تخلدها. لكن القصائد، في أحيان كثيرة، تصمد أكثر من التاريخ نفسه، متغلبة على محاولات نسيان وقائعه. تبقى ذاكرة قصيدة شيللي الطويلة "قناع الفوضى"، "أعظم قصيدة سياسية كتبت في إنكلترا" بحسب الكثير من نقاد ومؤرخي الأدب البريطاني، لكن القليل هو ما نذكره اليوم عن مذبحة "بيترلو" التي ألهمته فظائعها.

وفي ذكرى مرور قرنين على المذبحة شبه المنسية، اختار "مهرجان لندن السينمائي"، فيلم "بيترلو" (2018)، للمشاركة في مسابقته الرسمية. وفي 17 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، بدأ الفيلم عروضه في مدينة مانشستر، مكان وقوع أحداثه الحقيقية، لتكون هذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها المهرجان اللندني عرضاً افتتاحياً خارج العاصمة البريطانية.

يقدم الفيلم سرداً درامياً للأحداث التي قادت للتظاهرة التي حضرها حوالى 60 ألف مشارك في ساحة "سانت بيتر فيلدز" في مدينة مانشستر، والتي انتهت بمذبحة ارتكبتها قوات الخيالة سقط فيها 18 قتيلاً وأكثر من 700 جريح.

ينحرف مايك لي، في إخراجه "بيترلو"، عن أسلوبه الذي ميز مجمل أعماله السينمائية والتلفزيونية، منذ الستينات، إذ يتخلى قليلاً عن "واقعية حوض المطبخ" التي ساهم في تأسيسها وكان أشهر ممثليها في السينما البريطانية. وبعيداً من التركيز على التفاصيل اليومية لحياة الطبقة العاملة المعاصرة في المدن الإنكليزية، يتحول "لي" إلى التاريخي، مازجاً بعضاً من تفاصيله المتبصرة عن اليومي، مع الكثير من الخطب السياسية وحوارات النخبة الحاكمة في الغرف المغلقة. لكن "لي" الذي بدأ مشواره الفني في المسرح، لا يبعد كثيراً عن تاريخه الإخراجي، بل يرجع فيه إلى مرحلة أبعد زمنياً، ليخلق مشاهد سينمائية "ممسرحة" إلى أقصى حد، يتكلم ممثلوها ويتحركون كما لو أنهم على الخشبة، لا أمام الكاميرا.


تظهر الشخصيات ثنائيةَ الأبعاد ومفرغةً من العمق عمداً. فالحدث وذاكرته غالباً هو ما يهم صنّاع "بيترلو". أما شخصيات النخب الحاكمة، فعلى عكس موجة الحياد الرائجة في سينما الدراما التاريخية، فإن "لي" يرسمها جميعاً أحادية البُعد، ممسوخة وشريرة. يأخذ "بيترلو" جانباً واضحاً من الأحداث وموقفاً أخلاقياً صارماً لا يسعى لإخفائه، بل لتأكيده طوال الوقت. ليذكرنا بالأثمان الفادحة للديموقراطية، وتفكيك الأساطير الرائجة عن مخملية التحول الدستوري في بريطانيا، والأهم زعزعة الصورة المحافظة والبراقة للأسرة المالكة والساسة البريطانيين والتي تصاعد ترويجها في السينما والدراما التلفزيونية في العقدين الأخيرين.

يفرد الفيلم في نهايته مقطعاً طويلاً لمشهد المذبحة، يدخر "لي" له كل أدواته السينمائية، ليخرج واحداً من أكثر مشاهد العنف الجماعي كثافة وإيلاماً. يقتصد المشهد في عناصر العنف السينمائية التقليدية، الدم والبتر والأطراف المتناثرة، ليركز ثقله على عشوائية العنف واعتباطيه ارتكابه، وذلك العجز الذي يسيطر على ضحاياه والشهود عليه. يذكرنا "بيترلو" بماضٍ كاد يُنسى، ويصدم مشاهديه بثمن الحاضر الفادح، في مانفيستو سياسي لا تنقصه جمالياته السينمائية.

في نهاية الفيلم، وفي القاعة اللندنية التي شاهدته فيها قبل أسبوعين، وقف عدد من المتفرجين، على غير المعتاد، وصفقوا بحماس وخبطات تشي بالغضب. وورائي سمعت شاب وشابة يتهامسان: "لماذا لم يدرسوا لنا هذا في المدارس؟".
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها