آخر تحديث:11:23(بيروت)
الخميس 22/11/2018
share

"بوهيميان رابسودي": القصيدة بلا المَلحمة

يارا نحلة | الخميس 22/11/2018
شارك المقال :
  • 0

"بوهيميان رابسودي": القصيدة بلا المَلحمة الفيلم لم يكن نتاج حبّ وشغف، بل نتاج حسابات تجارية
كم من الموهبة يتطلّب تحويل حياة إحدى شخصيات العالم الأكثر سحراً وفرادة إلى فيلمٍ رتيب وممل؟ الإجابة هي عند براين سنجر، مخرج فيلم Bohemian Rhapody الذي يروي السيرة الذاتية لفرقة الروك البريطانية "Queen" ومغنيها فريدي ميركوري. فالفيلم الذي انتظره الجمهور مطولاً، لم يقرب عظمة الملحمة الموسيقية التي يدّعي تجسيدها. وخلافاً لشخصيته المحورية، خرج هذا العمل بجودةٍ متوسطة خالية من الإبداع، وكأنه نسخة مكرّرة عن آلاف الأفلام الهوليوودية.


حين اختار فريدي ميركوري "كوين" اسماً لفرقته، كان واثقاً من أنه لا يريد لها أن تكون مجرّد فرقة "روك"مكرّرة، كما جعلنا الفيلم نعتقد. كما لم يشأ لنفسه أن يكون كغيره من مغني الروك التقليديين. فبحكم أصوله الفارسية/الهندية، لم يكن ميركوري صورة رتيبة عن مغني الروك البيض. وبأسنانه الأمامية العملاقة، لم يكن بجاذبية روبيرت بلانت أو جيم موريسون.

لكن ميركوري تحوّل، وفي فترة قياسية، من دخيلٍ على عالم الروك إلى "ملكة" فيه. وهذا ما فشل الفيلم في نقله، بالرغم من الأداء الإستثنائي للممثّل رامي مالك الذي جسّد دور ميركوري. قد يكون مالك العنصر الوحيد الذي أنصف شخصية ميركوري، بكل ما فيها من توهج وطاقة إستعراضية باعثة للمرح. أداء مالك لم يلتقط مرح ميركوري فحسب، بل ترجم بالدقة نفسها حزن الفنان وعزلته. لكن فيما عدا ذلك، لم يرتقِ الفيلم إلى مستوى إبداع "كوين" وميركوري، ولم يتجرأ صنّاعه على الغوص في أعماق قصة حياة المغني المشاكس والجامح، مركزاً على نجاحه الفني، ومتجاهلاً ما تخللها من مأساة ومعاناة فنان كسر "تابو" المثلية الجنسية في حقبة السبعينات، وكان من الذين أصيبوا بالإيدز في أولى مراحله.

يبدأ الفيلم بلمحة عن حياة ميركوري العائلية. فهو ولد باسم فاروق بولسارا، لأسرة فارسية هاجرت من زانزيبار إلى بريطانيا، حيث حاول فاروق/فريدي الإنفصال قدر الإمكان عن جذوره الإثنية، بدءاً بتغيير اسمه. وحين كان لا يزال عامل نقل حقائب في المطار، تعرّف على فرقة روك محلية وأقنع أعضائها بالإنضمام إليها. ومن هنا تطوّرت الأمور سريعاً لتصبح "كوين" أحد أشهر الفرق العالمية، مع حصولها سريعاً على القبول والشعبية الأميركيين الذين كانا ضروريةً حتمية لنجاح أي فرقة في عالم الروك.

لا يفتقد الفيلم للجانب التوثيقي، لا سيما في ما يتعلق بمسيرة الفرقة المهنية. وكما يوحي اسم العمل، حازت أغنية "بوهيميان رابسودي" إهتماما خاص، وفي هذه الأغنية بالذات، تظهر عبقرية "كوين" التي خرقت مشهد "البوب روك" بأغنية أوبرالية. هذه الأغنية التي صنعت مسيرة "كوين" حملت الكثير من العناصر غير التقليدية التي تسببت بإنفصال الفرقة عن مدير أعمالها الأول (جون ريد). فمدتها التي تتجاوز ستّ دقائق قلّلت حظوظها في البثّ على الراديو. كما أن عملية إنتاجها كانت حافلة بالتجريب إن من حيث تقنية التسجيل أو المحتوى الموسيقي، ما أثار حفيظة المنتجين الذين لم يتوقعوا أن تصبح "بوهيميان رابسودي" واحدة من الأغاني الثلاث الأكثر مبيعاً في تاريخ المملكة المتحدة.


أما التطور الشخصي الذي عاشه ميركوري، أو باقي أعضاء الفرقة، فقد بقي بعيداً عن عدسة المخرج. لم يخض الفيلم في جوانب حياة ميركوري "الجدلية"، وهي الجوانب نفسها التي حوّلته أيقونةٍ بالنسبة للفئات المقموعة والممنوعة عن الحبّ. تحوّلت فرقة "كوين" رمزاً للتحرّر الجنساني حين ظهر أعضاؤها بهيئة ربات منزل مؤدين أغنية I want to break free. و"انتصر" ميركوري للمنبوذين حين ظهر بأزيائه الملكية ليغني We are the champions.

لكن الفيلم، في المقابل، يبالغ الفيلم في إضاءته على علاقة ميركوري بعشيقةٍ له تحوّلت في ما بعد إلى صديقة مقربة. في حين أنه يلمّح بشكلٍ عرضي عن علاقاته بالرجال، موحياً للمشاهد بأن الرجل الذي نصّب نفسه "ديفا" في المسرح، لم يكن في الحقيقة متصالحاً مع جنسانيته ومعترفاً بمثليته لذاته. أما عن إصابته بفيروس HIV الذي أدّى في نهاية الأمر إلى موته في العام 1991، فلم يتطرق إليها الفيلم كما يجب، وآثر عدم الدخول في تفاصيل تجربة بالغة الأهمية في حياة ميركوري وفي تاريخ تلك الحقبة التي شهدت الهجوم الأول لفيروس السيدا. تتضح منذ بدايات الفيلم جهود المنتجين إلى إرضاء الجمهور السائد وعدم إزعاجه بأي مواضيع شائكة أو معيبة تقع في دائرة "الفضيحة". وبنتيجة هذا التأني، يطفو الفيلم بأكمله على سطح تجربة "كوين" التي تختزل مرحلة بحالها.

النقص في المحتوى تمّ التعويض عنه بزيادة في الإبتكارات التقنية لا سيما في مجال المونتاج، مع تكثيف اللقطات السريعة التي يعيد فيها الممثلون خلق عروض "كوين"، فيبدو الفيلم وكأنه سلسة طويلة من الشرائط المصورة الملصقة ببعضها البعض. لكن ما يجعل الفيلم قابلاً للمشاهدة هو أغاني "كوين" نفسها، وخصوصاً حفل "Live Aid" الذي أعيد إحياؤه بدرجة عالية من الدقة لا سيّما من جانب مالك الذي تقمّص شخصية ميركوري على المسرح.

غنّى فريدي ميركوري عن الحبّ بكلّ أشكاله؛ حب الآخر، حب الذات، وحب العالم. لكن هذا الفيلم لم يكن نتاج حبّ وشغف، بل نتاج حسابات تجارية وتوثيق مجرّد وفاتر. فشل الفيلم في تصوير ثورة الحب التي نادت بها فرقة "كوين"، ولم يعكس الحالة الاجتماعية التي ولدت من رحمها الفرقة، أو تلك التي خلقتها. أما عضويها الآخرين (براين ماي- روجر تايلور) اللذين شاركا كمستشارين إبداعيين وموسيقيين، فقد أثبتا أن رؤيتهما السينمائية ليست بحساسية أذنهما الموسيقية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها