آخر تحديث:12:22(بيروت)
الجمعة 16/11/2018
share

"خطابات البيت" لفيليب لاركن: ماذا لو كان الشاعر كريهاً؟

شادي لويس | الجمعة 16/11/2018
شارك المقال :
  • 0

"خطابات البيت" لفيليب لاركن: ماذا لو كان الشاعر كريهاً؟ كان لاركن فظاً مع الآخرين، مريعاً مع حبيباته، ومجاهراً بكراهية عميقة للنساء والأجانب
"هل أخبرتك أنني قمت بتنظيف موقد الغاز يوم الأحد؟"، "اليوم تساقط الثلج، لكن ليس الكثير منه"..."بالطبع لا يمكن أن تتوقعي الاستمتاع في إجازة كما تستمتعين في البيت".

في 688 صفحة، يقدم كتاب "خطابات البيت" من تحرير جميس بوث، مختارات من رسائل الشاعر الإنكليزي، فيليب لاركن إلى والدته بين العام 1936 وحتى وفاتها في العام 1977. لا تتطرق الرسائل التي كتبها لاركن أسبوعياً، على مدة عقود ثلاثة، ولاحقا بشكل يومي خلال السنوات الخمس الأخيرة من عمر والدته، إلى أبعد من تعليقات على الطقس والأعمال المنزلية والإجازات ومزاجه في العمل. وفي بعض الأحيان، تضمنت الخطابات سخرية قاتمة من شعوره بالملل والوحدة، أو تعبيراً مقتضباً عن كراهيته للمهاجرين أو للبشر بشكل عام. ولا يبدو هذا الدأب في المخاطبات العائلية استثناء في التقليد الأدبي البريطاني. فالروائي والمسرحي الإنكليزي أرنولد بينيت، كتب لوالدته كل يوم حتى وفاتها، والشاعر والعسكري - ويلزي المولد ولفيد أوين، كانت غالبية الصفحات الـ630 من مراسلاته المنشورة هي رسائل لأمه أيضاً.

لكن خطابات لاركن تلك، ليست في براعة رسائل بينبت، صاحب العبارة الشهيرة "أمي ذكية جداً حتى تفهم الأشياء التي لا تحبها". ولا هي كخطابات أوين، تقدم تسجيلاً أدبياً لفترة لها دلالتها التاريخية الفادحة، كمعارك الحرب الأولى. بل تحمل "خطابات البيت" ما يكفي من التفاصيل لاستشفاف لمحات من التاريخ الاجتماعي لبريطانيا بعد الحرب الثانية، ومكتوبة بشكل شبه يومي دؤوب ومفرط في تفاصيله. لكن التأريخ هو آخر ما يمكن توقعه أو السعي وراءه في رسائل واحد من أكثر الشعراء الإنكليز شعبية في القرن العشرين. وكذا، فمع أن الرسائل تبدو للوهلة الأولى واعدة بكشف السر وراء بؤس طفولة لاركن، وعلاقته المضطربة بوالديه والتي سيطرت على معظم قصائده، فإن "خطابات البيت" التي أسهبت في وصف نوبات عسر الهضم وأدوار الإنفلونزا التي أصابته، لم تضف الكثير لمعارفنا عن ماضيه وعوالمه الداخلية.

قدمت "الخطابات المختارة"، وهي مجموعة سابقة من خطابات لاركن إلى خليلاته وأصدقائه نُشرت العام 1992، مادة ثرية وفضائحية حول علاقاته النسائية المتعددة، وميوله المعادية للمرأة وعنصريته، والكثير من فلسفته الشعرية. وهذا كله لا يتوافر في "خطابات البيت" العادية إلى حد الملل. لماذا إذن يحتاج أحد أن يقرأ مثل تلك الرسائل؟ ولماذا تبدو الخطابات الشخصية للشعراء أو غيرهم من الأدباء جديرة بالنشر بالإساس؟
 
تبدو الإجابات في منتهى البداهة وعصية على القبول في الوقت نفسه. فـ"أدب" المراسلات العائلية لطالما بدا للكثيرين من الضحالة بما يكفي لنبذه كلياً، أو قبوله على مضض كساحة لعمل كتّاب السيرة الذاتية والباحثين في التاريخ الأدبي. وربما هذا القبول تحديداً هو المعضلة. فمع إن اختصار الظاهرة الأدبية في الجانب الفردي للمبدع لطالما كان رائجاً ومقبولاً، إلا أنه كثيراً ما ساهم في طمس الجوانب الاجتماعية والتاريخية للأدب بوصفه ظاهرة جماعية. لكن الإشكالية الأكبر تكمن في تلك المفاجآت التعيسة التي نقابلها حين لا تتوافق الحياة الشخصية للأدباء مع أدبهم. ولعل لاركن هو النموذج الأكثر فجاجة لتلك الحيرة التي تتملكنا تجاه مثل هذه التناقضات. فشاعر إنكلترا المحبوب هو "الرجل الكريه" أيضاً. انتمى لاركن إلى جيل "الشباب الغاضبين" الأدبي في الخمسينات، وكان في هذا من رواد "الحركة"، ذلك التيار الشعري الذي نبذ الرومانتيكية و"الموديرنيزم" معاً. فخرّيج أوكسفورد الذي كتب قصائده عن المستشفيات وسأم العمل المكتبي وخرف المسنين، احتقر الغموض والإفراط في الميتافيزيقيا واللاشعور. أسس لاركن، الذي لم يتورع عن استخدام ألفاظ نابية في قصائده، لشِعر صلب ومتشكك وساخر ويومي يفهمه جمهور واسع. وكان احتقاره للتجريب الذي "يحول تركيز الشاعر من جمهوره إلى أدواته"، مع إيمانه بأن غاية الشعر الأكثر سمواً هي "مساعدتنا على الاستمتاع بالحياة أو احتمالها" من أسباب الإقبال الجماهيري على أعماله. لكن لاركن الذي خلدت العشرات من قصائده في الذاكرة الأدبية البريطانية، رغم إنتاجه الشحيح، كان أيضاً رجلاً فظاً، أبدى القليل من المشاعر في حياته الخاصة تجاه الآخرين. كان مريعاً مع حبيباته، ومجاهراً بكراهية عميقة للنساء والأجانب، وميالاً إلى أقصى اليمين في معيار السياسة.

يبدو كتاب "خطابات البيت"، الصادر مطلع الشهر الجاري، محاولةً للتصالح مع لاركن، "الرجل الكريه"، وقبوله أو تفهمه. فكل تلك الرسائل المفرغة من العواطف تجاه أمه، حملت شعوراً جلياً بالذنب، وتمسكاً عنيداً بالواجب تجاهها. وهو يكتب في محل آخر "أتشكك إن كنت أحب أمي بالإساس"، لكن هذا لا يزعزع من دأبه أو حسه بالمسؤولية تجاهها. تترك تلك الرسائل قرّاءها مع رغبة في التسامح مع لاركن والشفقة عليه، واستعداد لمحو العار الذي لحق بشِعره، وبالأحرى التعايش مع تلك التناقضات التي تحيق بالأدب ووجودنا الإنساني إجمالاً.    
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها