آخر تحديث:11:58(بيروت)
الخميس 15/11/2018
share

الاستقلال اللبناني وشمبانيا مود فرج الله

محمد حجيري | الخميس 15/11/2018
شارك المقال :
  • 0

الاستقلال اللبناني وشمبانيا مود فرج الله مود فرج الله برفقة كميل شمعون
من بين ما لاحظته وأنا أقرأ بعض المقالات عن تاريخ الاستقلال اللبناني ومجرياته، هو اندفاع بعض الكتّاب والحزبيين اللبنانيين للاستشهاد بمذكرات مود (أو مولودة) فرج الله (1909 – 1995) ابنة حي السراسقة، ودورها "السياسي" في تلك المرحلة، وعلاقتها بالجنرال البريطاني سبيرز والكتلة الدستورية في لبنان، وصالون بيتها الشهير في منطقة زقاق البلاط ببيروت. فالروائي إلياس خوري يقول في مقالة نشرت في "القدس العربي": "العام 1943، لم يكن لبنان ساحة للصراعات بين الحليفين اللدودين: الفرنسي والبريطاني، أو بين الصديقين العدوين: إميل إده ورياض الصلح، بل كان مسرحاً لصراع غير متكافئ انتهى بسرعة على إيقاع كؤوس الشمبانيا التي شربتها مود فرج الله مع أصدقائها البريطانيين والدستوريين"، ويضيف: "يومها احتل المسرح اللبناني الجنرال البريطاني سبيرز بـ"فرنسيته المتقنة وهوسه بالبيوت الشرقية وتمتعه بحياة بيروتية تظللها السكينة وأشجار الصنوبر، وتحتل صدارتها سيدات شارعي سرسق وزقاق البلاط، بأذواقهن الإفرنجية وجمالهن وغواياتهن". و"نستطيع أن نقرأ الاستقلال من منظور حكايات سيدة المجتمع مود فرج الله التي كانت صديقة مقربة من المفوض البريطاني الجنرال سبيرز، التي قيل والله أعلم إنها كانت إحدى عشيقات الرئيس كميل شمعون، وكيف ذهبت إحدى المظاهرات الاستقلالية إلى منزلها في زقاق البلاط لمطالبتها بحث صديقها البريطاني على دعم قادة الاستقلال المعتقلين في قلعة راشيا". 

واقتبس المعلق السياسي جهاد الزين "النهاري" في مفتتح مقالة بعنوان مقاله "كي لا يطغى الهاجس التكتيكي في بكركي" مقطعاً يقول إن "السيدة مود فرج الله تروى في مذكراتها أنها نظمت للسيد بيار اميل اده، في سياق تجميع المعارضين ضد الشيخ بشارة الخوري في ولايته الثانية، موعداً في لندن مع مستشار لرئيس الوزراء البريطاني هو "الكومودور بوث" وأن المضيف البريطاني فوجئ مستاءً بالسيد اده يسأله عن مدى إمكانية إعادة النظر بحدود الكيان اللبناني(...) كان ذلك العام 1952، ولا مانع جوهرياً من تصديق هذه الرواية، يقول الزين فالسيدة الراوية كانت مطلعة، في تلك الأيام، ثم أن هذا "التيار" الذي يمثله هنا ابن اميل اده "المفجوع" حديثاً آنذاك من "الاستقلال"، كان تياراً موجوداً في أجواء بعض موارنة لبنان، ربما منذ اللحظة الأولى لتأسيس "دولة لبنان الكبير". ويكتب وليد زيتوني، "نائب رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي"(على ما جاء في تعريفه) بـ"إنّ استقلال لبنان أخذه الإنكليزي بالقوة من الفرنسي، ونصّب قيادته من الدمى الماسونية التي تدور في فلكه راجع مذكّرات مود فرج الله"...



الرابط بين الاقتباسات الثلاثة الواردة أعلاه، هو أن مود فرج الله كانت على صلة متينة بالانتداب البريطاني، ويعتمدها الكتّاب (ومنهم سمير عطالله في روايته "يمنى") كوثيقة "أساس" في تكوين الفكرة التي يريدون استخلاصها أو زعمها، بالمختصر كانت مود فرج الله إلى جانب بعض سيدات المجتمع الارستقراطي، جزءاً من المشهد العام لكواليس الاستقلال اللبناني. لكن هل كانت بهذه القوّة حتى يتظاهر الناس أمام منزلها لحثّ صديقها البريطاني على دعم الاستقلال والإفراج عن الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح؟!

يقال إنها نقلت الكثير من الرسائل ودائمًا لـ"مصلحة لبنان". وقبل تعديل الدستور، سمعت من الجنرال سبيرز كلامًا مثل: "لا استقلال من دون دم"، "كونوا على يقظة"، ونقلت هذا الكلام إلى الرئيس كميل شمعون الذي نقله الى الرئيس بشارة الخوري، فكانت الأرضية حاضرة للمواجهة. يستنتج إلياس خوري من "حكاية مود فرج الله" أن الطبقة السياسية اللبنانية، رغم التغييرات كلها التي طرأت عليها، لا تزال أسيرة الدول الأجنبية، ومنذ أربعة وسبعين عامًا (مقال خوري نشر العام الماضي) لا يزال لبنان يبحث عن استقلاله... والحق أن هذا البلد يعيش دائما في قلب الرياح والتحولات، بين أرجوحة "المسرح" و"الساحة"، وبين الحرب الأهلية والحرب الباردة، بين اليمين واليسار، بين الشرق والغرب، بين العرب والعجم، بين اميركا وايران، بين سوريا واسرائيل.

ويتحدث جهاد الزين عن الولاءات السياسية بعد العام 2007، ليستنتج ان الهويات الوطنية "مؤقتة" كما ظهر في لبنان. زيتوني الحزبي، وعدا منطقه التخويني واتهام الآخرين بالماسونية، يصل إلى "نتيجة" قومية بأن الاستقلال في لبنان أبطاله هم المؤمنون بالعقيدة السورية القومية الاجتماعية وشهيده الوحيد سعيد فخر الدين. وحضور مود فرج الله في كلام الروائي والمعلق السياسي والحزبي "القومي"، يجعلنا نستذكر أن لبنان كان بين ثلاثة أو أربعة تيارات قومية، تأرجحت بين القومي العربي، والقومي السوري، والقومي اللبناني (أي لبنان الكبير)، والقومي المسيحي (أي جبل لبنان)، والآن يعيش في مرحلة المأزق الإقليمي الأكثر تعقيداً.

***

يعرف الجميع الصراع بين فرنسا وبريطانيا في الشرق الأوسط. وهذا ما يبينه جايمس بار في كتابه "خط في الرمال" (دار الساقي). لكن من هي مود فرج الله؟ كيف وصلت إلى النفوذ البريطاني؟ هل تشبه تجربتها "السياسية" تجربة المطربة أسمهان في سوريا؟ قبل الاندفاع للحديث عن علاقة مود فرج الله بالاستقلال، قرأتُ بحثاً بعنوان "واحدة لم تنتظر"(*) ليوسف معوض، يعرض لشخصية مود فرج الله في بيروت في مرحلة مواجهات "التفرنج والاحتشام". وكانت السيدة مود أصدرت مذكراتها بالفرنسية، العام 1989 في باريس، تحت عنوان "وجه لمرحلة". لكن سيرتها توزعت في غير مرحلة سياسية في لبنان، خصوصاً في النضال من أجل الاستقلال مع الحزب الدستوري. وفي مرحلة لاحقة، ورد اسم مود فرج الله بين المخططين للانقلاب العسكري الذي نفذه وفشل فيه الحزب السوري القومي الاجتماعي وكانت ضالعة في الانقلاب "حتى العنق"، واستندت التهمة إلى صداقتها للرئيس كميل شمعون الذي اتهم بالاطلاع مسبقاً على خطط الانقلابيين.

 

اختار يوسف معوض، مود، ليتحدث عنها لأنها "نقيض المثقفة"، وهي "نتاج المجتمع المترف. فهي اليمينية، "الشمعونية"، الأنانية، ابنة طبقتها، وبالتالي "البرجوازية القذرة"، على عكس المثقفة التي يُشهد لها بالنضال من اجل انعتاق المرأة. كان "لمود وقريناتها في المجتمع المخملي دور كبير في التحرير وفي التحرر من الرجل"، يقول معوض... وهي ولدت في بعلبك وسكنت زقاق البلاط عندما تزوجت جورج فرج الله الشهير بلعب القمار، إلا أنها تنتمي إلى حي سرسق قلباً وقالباً، أو هكذا كانت تدعي. وهي ابنة آل مطران نموذج البرجوازية المتعهدة الصاعدة التي قامت بمهمتها في أواخر القرن التاسع عشر، فكانت لهذه العائلة مواقع نفوذ وعلاقات في بلاد الشام ومصر واسطنبول وباريس. من أبنائها، شاعر القطرين خليل مطران، ومنهم نخلة الذي حصل على لقب باشا من السلطان. إلا أن الشخصية التي أثرت في مود، أيّما تأثير، هي عمتها فكتوريا، التي أيدت، وهي في الأستانة، انقلاب "تركيا الفتاة".

باختصار ولدت مود وترعرعت في أجواء من الثراء المادي والمكانة الاجتماعية، ما لم يدعها يوماً تشكك في نفسها أو تعيد النظر في خياراتها.... مربية انكليزية قبل الحرب الكونية، ومدرسة البيزنسون بعدها: تربية على النمط الغربي ما كانت لتمكّن مود من لغة الضاد، لا سيما أن درس العربي لا يتعدى النصف ساعة أسبوعياً في مدرسة الراهبات. ومصيرها كان مصير معظم الذي التحقوا بمدارس الارساليات، حيث طبقت، منذ ما قبل الحرب، البرامج الفرنسية، مضافاً إليها بعض العربي والتركي... كانت مود تتلكم الفرنسية في حياتها العامة والخاصة مع أبناء عالمها، حاجز لغوي إلى جانب الطبقي والطائفي سمح وساعد في قيام تجربة فريدة. فكانت الأحياء الناطقة بالفرنسية أشبه بجزيرة أو "غيتو". مود، بحسب معوض، تجهل الأدب العربي وأخبار بني قومها. بالتالي لم تجد في تاريخ المنطقة من أنموذج تقتدي به، فكانت تمشي على مبدأ "كل فرنجي برنجي"...

على أن الطرفة التي نُسبت الى مود فرج الله، ربما تختصر الواقع السياسي الآن. يقال إنه كان لمود هرّ أليف من فصيل نادر، يجالسها وضيوفها في منزلها في الأشرفية. ذات يوم اختفى القطّ. بحثَت عنه ولم تجده. فما كان من السيدة القلقة الا ان اتصلت برئيس الجمهورية صديقها كميل شمعون (الذي يزورها أسبوعياً، بل وسكن في بيتها في مرحلة التوتر الأمني) ووزير الداخلية وغيره من الوزراء والشرطة، وانشغل الجميع بالبحث عن الهر. الأمر الذي علق عليه ريمون إده يومها: "قط مود فرج الله شغل البلد". هذه العبارة التي اتخذتها بعض صحف المعارضة عنواناً لها صباح اليوم التالي.

(*) "النساء العربيات في العشرينات، حضوراً وهوية- كتاب باحثات".
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها