آخر تحديث:14:31(بيروت)
الثلاثاء 13/11/2018
share

سحر خليفة تروي سيرتها الذاتية.. بالفضح أم بالصدق؟!

أسامة فاروق | الثلاثاء 13/11/2018
شارك المقال :
سحر خليفة تروي سيرتها الذاتية.. بالفضح أم بالصدق؟!
"ما عدت أحس بالآخرين إلا حين أكتب عنهم. فهم في الواقع ما كانوا سوى منافسين، وكنت أتغلب عليهم. لا وقت عندي للحب، ولا للمشاعر، ولا للقرابة، ولا للصداقة. لا أحد سواي وسوى ديبورا. حتى ديبورا غابت فذابت، وبقيت أنا، أسير في الدرب وحيدة بقلب مقفر. لا أحد معي، لا أحد سواي، لا أحد لي، ولا أرى إلا ظلي".
(سحر خليفة - "الميراث").

هل كان على سحر خليفة أن تكون حادة وقاسية تجاه الجميع هكذا؟ تلوح بقبضتها حتى تجاه من ساعدها في بدايتها، من أناروا لها الطريق، ومهدوا لها طرقاً غير مأهولة؟! هل كان عليها أن تكون واضحة في سيرتها إلى هذا الحد، صادقة بهذا القدر، كاشفة عن كل مكنون صدرها بلا حذر أو خجل أو تردد؟

لكن، لماذا تتردد في حين أن الحياة نفسها لم تكن خجولة في فرض قسوتها عليها، ولم تتردد في صب أزمات لازمتها منذ الطفولة، لم تسألها رأيها في هجران الأب، وقسوة الأم وفساد الزوج، وفوق هذا كله احتلال تعاني نكبته حتى الآن.

كان يمكن لسحر خليفة أن تستسلم لدور الضحية، وهي كذلك فعلاً، فلن يلومها أحد. لكنها تكتب في ملعبها، كما يقال. هنا هي ليست ضحية، هنا -وربما هنا فقط- تستطيع أن تنتصر لنفسها وقضيتها.

لهذا يتداخل التاريخ الشخصي مع العام مع التاريخ الروائي في "روايتي لروايتي"(*)، حتى يصعب أحياناً الفصل بينهم جميعاً، بل ربما هم شيء واحد منذ البداية، المَشاهد والأحداث الحقيقية، تصبح صفحات في رواية بأبطال جدد ومشاعر جديدة. مسار جديد تخطه بيدها هذه المرة. يصبح الأمر صادماً فقط حينما يتجاوز الألمَ الحقيقيَّ، ما تم تدوينه في الروايات. لذا، فالكتاب ليس فقط أحد أجرأ السير العربية وأصدقها، بل ربما لا تصلح قراءة أعمال سحر خليفة إلا بعد المرور به. فهو كدليل العلامات في الخرائط، مع كل ندبة تسببها الحياة، عمل جديد، يعطى الكتاب تاريخ الندبة وأسبابها، وحتى الصفحات التي كتبت فيها وبسببها. يوضح مساحات أخرى في أعمال سحر خليفة، يضيء المعتم، ويفسر الغامض، ويوسع التفسيرات حول ظروف الكتابة وأماكنها، وحتى وضع الكاتبة نفسها وقت الكتابة.

يقفز الكتاب فوق الولادة الأولى، ويبدأ مع الثانية، مع الحصول على الطلاق في الثانية والثلاثين من العمر، وينتهي مع قرار العودة من أميركا بعد مِنحة دراسية في خريف 1978. وفيه تحكى سحر خليفة قصة روايتها الضائعة، وأولى رواياتها المنشورة، القصص الواقعية التي صاحبت "لم نعد جواري لكم" و"الصبار" و"مذكرات امرأة غير واقعية" وحتى "الميراث". قصص الهجر والصدمة والحب، وتطور آليات استقبال القسوة والتعامل مع الخذلان.

من دار العائلة، فوق الجبل الشمالي من نابلس، تبدأ الحكاية، مع والد عصامي أصبح من الوجهاء، بعدما بدأ حياته يتيماً فقيراً، سرق تَرِكته من كان بمثابة الخال "رجل نصَّاب بعمامة، وامرأة ساذجة أمّية، وأطفال صغار بحكم القٌصّر. ولأن الأرملة خافت على ميراث القٌصّر من وصاية الأعمام، لجأت إلى خالها المعمم وخبأت لديه ما كان تحت البلاطة من عثمليات، أي مجيديات عثمانية وليرات ذهبية، إذ لم يكن في ذلك الوقت بنوك ومصارف وما شابهها. أخذ الخال النصاب الليرات والمجيديات وأنكر ما أخذ، فباتت جدتي أرملة فقيرة وأمّاً لأيتام" (من رواية "أصل وفصل").

تعلم الأب الميكانيكا، طوّر مهاراته وكبرت تجارته وأصبح من ملاك العقارات. الأم عربية تقليدية، لم تتعلم، لكنها تهوى الشعر وتحفظ منه مئات الأبيات. كارثتها الأكبر كانت إنجاب البنات، كانت تلك نكبتها التي عانت بسببها طوال حياتها، أنجبت ثماني بنات، ماتت اثنتان طفلتين، وذَكَر وحيد، دللته حتى أفسدته، فانكسر ظهره قبل أن يعدل ظهرها، وظل رهن كرسي العجلات طوال عمره وعمرها.

الضغوط الكبيرة وخِلفَة البنات، خلَّفت أمّاً عصبية متوترة، لا تقبل الخلاف والاختلاف، لذا توترت علاقتها بالابنة المتمردة التي عشقت الرسم والتلوين.. "لم تكن علاقتي بأمي سهلة، فقد كانت مليئة بالمطبات والعثرات. وحتى الآن ما زلت اعتبرها المسؤولة عما أصابني وأصاب عائلتنا من عدد لا بأس به من الانتكاسات والكدمات". علّمتها الأم، من دون أن تدري، أنها من جنس آخر قليل القيمة، عديم النفع، وربما يستحق الرثاء. علّمتها أنها عورة، وتهديد محتمل لسمعة العائلة. ضغوط الأم صحيح خلَّفت ندوباً في جسد الابنة، لكنها في المقابل زرعت بداخلها أول بذور الرفض والتمرد، دفنت نفسها في القراءة والكتابة والرسم كوسيلة للهرب من هذا الجو الخانق، واللوحات التي أنتجتها وقتها تعبّر عما كان يدور في ذهنها الصغير من أفكار. "خلف الجدران" تمثل فيها فتاة صغيرة تنبطح على بطنها في أرض حديقة محاطة بالأسوار. وداخل الحديقة، خلف الجدران، ترتفع صفصافة تمد ذراعها نحو الداخل، والفتاة تنظر إلى ذاك الفرع وفى عينيها خوف ويأس وقلة حيلة. ولوحة ثانية أسمتها "متمردة"، تصوّر فتاة ذات قسمات حادة وعينين حمراوين، تشد قبضتها إلى صدرها كما لو كانت تتوجع من ضربة أو مرض عضال.

الزواج كان خطة العائلة للتخلص من الفتاة المتمردة، والأخيرة بدورها رأت فيه فرصة للخروج من جو المنزل الخانق، الخروج إلى العالم الرحب مع زوج عائد لتوه من سنين قضاها في أميركا، سحرها بعالم آخر مغاير لما نشأت فيه وللجو الذي اختنقت من تقلباته. لكن لم يمض كثير وقت حتى أدركت الفخ الذي وقعت فيه، تبخر الحلم. يقامر الزوج ويخسر، يستدين ويقترض ويتغير مزاجه وتفسد أخلاقه، ويحول حياتها إلى جحيم. في الوقت نفسه، يقرر الأب هجران الأم، والزواج بشابة في عمر بناته "لم أنم تلك الليلة. طوال الليل وأنا أبكي وأندب حظي، وحظ أمي، وأخي المشلول، وقطيع البنات. أمي الثكلى، وأخي العاجز، وأخواتي المتعثرات في زيجاتهن العشوائية المبتسرة، والخوف من زمن يغدر بنا وقد بتنا ولايا مقطوعات، لأن الوالد، سند العائلة، انتهى أمره، وأخي عاجز، وزوجي مقامر، وأخواتي كن في مهب الريح".

نكبة العائلة تتزامن مع نكبة الأمّة، "معبود الجماهير" يعلن خطأه وسوء تقديره، ورغم ذلك تنزل الملايين في الشوارع تطالبه بالاستمرار والبقاء.. "هكذا استقبلنا استقالة عبد الناصر، بالدموع والأسى وإحساس باليتم، لأنه كان الأنبل والأخلص على الرغم من خطئه. وما زلنا نحس، معظمنا، بأن خطأ عبد الناصر مغفور، لأنه اجتهد ولم يفلح، بينما الآخرون لا يجتهدون، وعن سبق إصرار وترصد لا يفلحون". هكذا استقبلت هزيمتها - التي لم تنفصل منذ ذلك الوقت عن هزيمة شعبها وأمتها. لكن كان للنكبة وجه آخر، عرّفها ربما للمرة الأولى على شعبها الحقيقي. نزلت إلى الشارع واحتكّت بالجميع، فتح الواقع القبيح عينيها على ما لم تكن تراه، ذابت وسط الجموع، وحاولت قدر طاقتها مساعدة النازحين والبسطاء، لتصطدم مجدداً بالواقع الاتكالي العربي القبيح، وباللعنات والاتهامات من كل جانب.

تركت هذا الواقع الساخن، عادت مجدداً إلى واقعها البائس، هذه المرة إلى ليبيا، مع زوجها الذي انتقل للعمل في أحد البنوك هناك.. "ذقت في ليبيا الأمرَّين.. جو مشؤوم من البداية. بيت فارغ وبلد غريب، ومال شحيح لا يكفي إلا للأكل، يادوب للأكل، ولا توجد أمّ ألجأ إليها لأشكو همي فتواسيني وتهون على، ولا أقارب، ولا حتى مكتبة البلدية أغرف منها الكتب التي شكلت لي لسنوات طوال، نوعاً من الهروب ومصدراً للعزاء".

لجأَت إلى الكتابة للخروج من هذا الجو المشؤوم، في أثناء غياب الزوج تعود لقراءة الروايات والكتب ودواوين محمود درويش وسميح القاسم. تكتب قصائد، وتحاول أن تحكي بها حكايتها، لكن الصور كثيرة والمأساة متعددة الوجوه. فوجدت ضالتها في الرواية.. "المَشاهد التي تملأ رأسي بالصور والأفكار لا بد لها من مساحات رحبة، مرنة، تتسع لما هو أكثر وأغنى وأعمق من المشاعر، وأن نقاش ما وصل إليه بلدي وما وصلت إليه أنا يحتاج إلى القص والبوح والتحليل وتصوير المشاهد والشخصيات". كتبت الرواية خلال السنة الأولى من مكوثها في ليبيا، استرجعت فيها تجربتها مع الاحتلال، وكيف استقبلته وتفاعلت هي وقريتها معه، شخصيات مختلفة الأعمار والخلفيات في عمارة واحدة، وفي كل شقة من طوابق العمارة شخصية تعبّر أو ترمز إلى شريحة اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية مختلفة، التاجر والمزارع وإمام المسجد، والطالب الجامعي الناصري، وفتاة ذات تفكير مستقل تنتمي إلى عائلة متوسطة الحال.

انتهت من الرواية ولم تعرف ماذا تفعل بعد ذلك، توصلت بعد حيرة إلى أن المكان الوحيد الذي تستطيع من خلاله نشرها هو دار الأسوار في عكا، التي نشرت دواوين محمود درويش وسميح القاسم. لكن، كيف تدخل مخطوطة الرواية، وكل قصاصة تُراقب وتُحوَّل إلى مكتب المخابرات الإسرائيلي. فكرَت أن الحل ربما يكون في نسخها بدفاتر بناتها المدرسية، التي لن يشك فيها أحد، وفعلت ذلك. تركت المخطوطة الأصلية في ليبيا، وهربت بعدما تأزم الوضع مع زوجها الذي بدأ مرحلة جديدة في رحلة عذابها. لكن الدفاتر وقعت أيضاً في يد محقق إسرائيلي استهزأ بها ورفض أن يعيدها إليها، لتفقد سحر أولى رواياتها وتبدأ مرحلة جديدة تماماً في حياتها المليئة بالتحديات.. "ربما ما حدث لروايتي يلخص ما يحيق بنا كشعب فلسطيني، وكأمّة عربية، إذ أن الاحتلال الإسرائيلي صادر نسخة الرواية المنسوخة، وصادر نسخة الرواية الأصلية زوجي العربي، فأي المصادرتين أوجع وأبلغ! هذا هو السؤال الكبير الذي لم أتمكن حتى الآن من الإجابة عنه بكل وضوح".

عادت إلى فلسطين، ثم إلى مقاعد الدراسة، تحدّت الجميع مجدداً، وأعادت صياغة واقعها، رغم الألم الكبير الذي حاق بها. كتبت روايتها الثانية "لم نعد جواري لكم" ونجحت في نشرها هذه المرة، في واحدة من أكبر دور النشر العربية، "دار المعارف" في القاهرة، وانطلقت من هناك في دنيا الأدب الواسعة. ورغم مشاعر الفرحة التي كانت حاضرة وقتها، والتي لم تُخفِها الكاتبة في سيرتها، لكنها تعود أيضا إلى مساءلة حلمي مراد، ناشر كتابها الأول، وأكبر المتحمسين لها في ذلك الوقت. تلومه أحياناً على مقدّمته التقريظية، تلومه على مبالغته، رغم اعترافها بالفضل، ورغم صدق نبوءته عن مولد كاتبة عربية "ذات شأن". تسائله أيضاً: "لا أعرف ما هو الشأن؟ وما هو بالتحديد تعريفه؟!".

تَعِد سحر خليفة بجزء ثان من سيرتها الذاتية الأدبية، يتناول الروايات التي تلت أوسلو والانتفاضة الثانية وضياع القدس، وما تبع ذلك. تقول إنها ما أرادت من هذا الكتاب إلا التأكيد على أن الأدب ليس اختراعاً أو خلقاً، ولا عملاً خارقاً لا تقدر عليه إلا النخبة أو المصطفون الحائزون قدرات علوية. فقناعاتها الشخصية ترى أن البيئة هي التي تهيء للكاتب أجواءه، وتوحي إليه بالمشاهد والشخوص التي يحوّلها بدوره إلى صور فنية درامية تعيد تشكيل الواقع أو ترميزه.

لكن، من ناحية أخرى، ربما يصدق أيضاً القول الذي يرى أن الأحداث أو الشدائد، إن شئنا الدقة، لا تقع إلا لمن يستطيع صياغتها، وإعادة خلقها، وأن الأدب العظيم يحتاج ألماً عظيماً أيضاً، فهي نفسها تتساءل في ثنايا كتابها: "وجدتُ الرواية أم وجَدَتني، هذا هو السؤال الذي لطالما راودني وأقلقني، لو لم يكن زوجي بذلك السوء، فهل كنت ألجأ إلى الرواية؟ لو لم تكن ظروفي تلك الظروف وكان زوجي أقل انحرافاً وحقارة، ولو كنت سعيدة في زواجي، فهل كنت لجأت إلى الكتب والروايات كي أنسى همومي؟ وتنهى تساؤلاتها بأن تقول وتعترف: حمداً لله أن كان زوجي بذلك السوء، وشهدت تجاربي كامرأة مقموعة وتجارب أمي وأخواتي وقريباتي، وزواج أبي الذي حررني من اتكاليتي وخنوعي، إذ لو كنت سعيدة وهانئة لما وصلت إلى ما وصلت إليه، ولبقيت سجينة في قوقعتي ككل النساء، أو معظمهن، وبقيت عمياء متخمة ومترهلة ومجهولة".

(*) "روايتي لروايتي".. سيرة ذاتية أدبية صدرت عن "دار الآداب".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها