آخر تحديث:12:03(بيروت)
الخميس 04/10/2018
share

بيار زوانفالون يؤرخ لإخفاق اليسار

روجيه عوطة | الخميس 04/10/2018
شارك المقال :
  • 0

بيار زوانفالون يؤرخ لإخفاق اليسار الصراحة في تقديم الوقائع تزيل الحد بين عائشها ومؤرخها
لا شك أنها عويصة تلك المهمة التي أخذها المؤرخ وعالم الاجتماع، بيار روزانفالون، على عاتقه في كتابه "تاريخنا الفكري والسياسي، 1968-2018"، بسرد حكاية اليسار الفرنسي من لحظة أوجه إلى لحظة إخفاقه. ذلك أن الراوي، هنا، مشارك في حكايته. 

كان روزانفالون من شبيبة ذلك اليسار على العموم، ومن "اليسار الثاني" تحديداً، أي من التيار الذي قرر في الستينات أن يخلص اليسار من المدونة الدولتية والماركسية على حد سواء، وأن ينقله من ثقافة الرفض إلى ثقافة الحكم. بالتالي، ولكي لا يترك روزانفالون لمشاركته تلك أن تعيق مهمته، قرر أن يطعّم الحكاية بحكايته داخلها. فجعل لها منحىً بيوغرافياً صريحاً، حيث أنها تعلن بوضوح أن يسارها الذي لطالما آمنت به، قد فشل، ليس في الماضي فحسب، بل في الحاضر أيضاً، أو بالأحرى إنطلاقاً من هذا الحاضر.

الصراحة في تقديم الوقائع تزيل الحد بين عائشها ومؤرخها. فها هو يقول إن اليسار ما عاد فطناً، وأن الغضب الذي يتحلى به اليوم صار غضباً بلا حيلة، ربما لأنه وحيد بلا خصم في معركته. ففي التسعينات، شعر روزانفالون بأن الصراع بين اليسار واليمين قد انتهى لصالح مواجهة أخرى، بين التكنوقراطية والنخبوية من ناحية، والشعبوية من ناحية أخرى، وعلى هذا النحو، فقد اليسار موقعه، وفي الوقت نفسه، لم يجد له مطرحاً في المواجهة الجديدة.

في هذا السياق، يعود السوسيولوج إلى السبعينات والثمانينات، ليفهم ما الذي حصل حتى وصل اليسار إلى وضعه هذا. لكن، قبل ذلك، يبين أن ولادة المواجهة إياها، بطرفيها، سببها عطل الحداثة في دورانها على مستوى السيادة الشعبية التي انحصرت في الاستحقاق الإنتخابي، وعلى مستوى الحماية الاجتماعية المحكومة بتصورات متقادمة عن العمل وظروفه. وفي النتيجة، ثمة عطل شديد يصيب الإنتظام الديموقراطي، ويؤدي به إلى إنتاج ميلَين فيه. الأول، الميل التقني والإداري، المغلق والبارد. والثاني، المعاكس له، وهو الميل الشعبوي. بمقدور اليسار أن يجابه مقولات الأول، خصوصاً بسبب بلوغه السلطة. أما الثاني، بحسب زوانفالون، فلا يجد اليسار سبيلاً إلى مجابهة مقولاته. بل، وفي الكثير من الأحيان، يكتفي بشيطنته.

بالعودة إلى وضع اليسار المذكور آنفاً، يركز روزانفالون على العام 1981، يوم فوز فرنسوا ميتران برئاسة الجمهورية، باعتباره مفصلاً في تاريخه، إذ انقسم إلى وجهتين: وجهة دينها "الواقعية"، إذ تتمسك بالحكم وتريد أن تديمه، ووجهة "راديكالية"، دينها متعلق بالرفع من شأن الماضي، وتردد أنها لا تريد الحكم بل تغيير النظام كله. وإثر التوتر بين الوجهتين، ظهرت ردود أفعال كثيرة، ورجع أصحابها اليساريون إلى خطابات متزمتة، لا سيما الوطنية والجمهورية، ويجمعها كره أيار 1968، ونظرة ضيقة إلى الديموقراطية، واعتبار التجانس قوام الشعب الذي لا يتألف سوى من نخبة وغرباء عليه.

طوال سرده، يبدو روزانفالون وكأنه يتحدث من موقعه كسياسي يساري، كصاحب مشروع سابق، لكن هذا لا يلغي راهنيته. فيدعو  اليسار، كل اليسار، إلى استعادة تقدميته، من خلال تطوير أسلحته لمواجهة النخبوية والشعبوية، مشدداً على أن الإثنين يتغذيان من الكليشيهات والأحكام المسبقة التي يسهل الركون إليها. وبالتالي، لا بد من العلوم، وعلى رأسها السوسيولوجيا، لإطاحتها ودفع المجتمع إلى التفلت منها.

يقدّم كتاب روزانفالون سرداً مفيداً لتاريخ اليسار الفرنسي، بحركاته وتياراته، قبل أن يختمه مؤلفه بفصل لا ينسجم مع النبرة الجنائزية للنص، كما أنه ينم عن أدبيات اليسار نفسه، لأنه يشبه برنامجاً للمستقبل، أو للإتصال بالمستقبل على وجه الدقة. فلا مناص، في ظن المؤرخ والسوسيولوج، من إستئناف اليسار لفكره وسياسته، لعلاقته بممارسةٍ لطالما اضطلع ونهض بها، وهي الإنعتاق، وإلا لن يتمكن من قول أي شيء حيال المشكلات المعاصرة.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب

الرفيق أحمد الخميس 18/10/2018
تيسير ثقافي الثلاثاء 16/10/2018
المزيد