آخر تحديث:13:54(بيروت)
الخميس 25/10/2018
share

عنصرية نادين لبكي

روجيه عوطة | الخميس 25/10/2018
شارك المقال :
عنصرية نادين لبكي نادين لبكي والطفل زين
العنصرية هي أن ترى أناساً معتقلين في الخارج، فتعتقد أن مأزقهم هو أنهم ليسوا مماثلين لك، وأن الحل لهذا المأزق في أن يصبحوا مماثلين لك، مع الابقاء على اعتقالهم في الجهة إياها. فيلم نادين لبكي هو شريط هذه العنصرية بعينها، بحيث انه يطبقها من ألفها إلى يائها، مرتكزاً على وسائل عابرة للسيناريو والتمثيل والتصوير، بالإضافة إلى الموسيقى التي، ومنذ البداية، تخفق في صناعة أجواء المَشاهد، وبدلاً من ذلك تُمتِّن تلاحقها الباعث على السأم.


"رسالة" الفيلم، مجرد خلاصة سخيفة، مفادها التدخل في حيوات المعتقلين البيولوجية، وهُم هنا أسرة مدقعة الفقر تعيش في حي من أحياء بيروت الفعلية، وذلك عبر تخفيف ولاداتهم لتنتفي أو لتنتهي إلى ولادة واحدة، فتكون علامة تميزهم. وعدا هذه الرسالة، التي لا لبس في دعوتها-ويا للمهزلة- إلى إلغاء الاعتقال بإلغاء المعتقلين، يمضي الفيلم إلى تقديمه المعتقلين كمجموع مُعدٍّ للإزالة. فنصُّه الحواري، لا يكتفي بإبدائهم بلا حول ولا قوة، إنما كباطلين أيضاً. وهذا في صِلاتهم بين بعضهم البعض، وفي لغتهم التي لا تقوم سوى بالشتائم، وبإهمال أجسادهم التي يختزلها عضو دون غيره، وبامتلائهم بالتعاسة التي تفيض منهم عنفاً أو بكاءً.

فالمعتقلون، كما قصَّهم الفيلم، أو بالأحرى كما قاصَصهم: جانحون عن النفع والاجتماع واللغة والجسد والهناء. وبعبارة أخرى، جانحون عن القانون الذي من المفترض أن يلتزموا به، لكنهم لا يفعلون. ففاتحة الفيلم هي محاكمتهم، ولا يمكن متابعته سوى بالانطلاق منها، وبالإنطلاق من كون الشريط تكراراً لها، المرة تلو المرة، لأنهم طوال الفيلم مخطئون. فهو فيلم يدور بخطأهم، ويدور بمعاقبتهم التي، وحين يبلغ جريانها القضاء، تفصح عن شخصيتها، وهي ليست القاضي، بل المحامية التي تؤديها المخرجة نادين لبكي نفسها، مُجازيةً إياهم بالدفاع عن واحد منهم، أي الطفل زين.

لماذا هو؟ ليس لأنه غير مخطئ، وغير معاقب. على العكس. فالفيلم كناية عن حكاية تعذيبه، الذي ينتج غلطته، فيتواصل، وينزل عليه من كل حدب وصوب. هو يخسر أخته بزواجها وبموتها، ثم يفقد العاملة الأثيوبية راحيل، ثم يُطرد من بيتها بصحبة ابنها يوناس. ثم، وكي يكتمل منطق الخطل، تنافسه طفلة من سوريا على وضعه، فيحاول تقليدها، علّه يتحلى بمنفذها إلى المشرب والمأكل والمسكن. ويستمر ابتلاؤه إلى أن يثبت إرادة الحكاية عليه، إلى أن يغدو كما طلبت منه أن يكون، فيوفر لها الدليل على أنه، ومثلما ظنّت، جانح: يطعن زوج أخته، ويتحول إلى مجرم.


على أن المحامية، وقبلها المخرجة نفسها، لا تدافع عن زين لأنه أكّد ظنّ فيلمها فيه بأنه مجرم وبوصفه من سلالة المعتقلين. بل لأنه، وفي أثناء توجهه إلى هذا التأكيد، كان تعذيبه وتذنبيه يدفعانه إلى الإعتراف بأمر بعينه، بذلك الجهاز الذي يذكره الفيلم، أولاً بوصفه نقيصة المعتقلين، وثانياً كأنه قصدهم الراقي، وثالثاً باعتباره ناقلهم إلى عالم أفضل: التلفزيون.

التلفزيون، بحسب الفيلم، ليس موجوداً في بيت أسرة زين. وعندما يجده هذا الطفل، تكون شاشته فوقه، بحيث يصعد من الأسفل صوبها كي يركبها على المرآة. أما حين يبيّن بأن الفيلم محق في شأنه، أي أنه جانح، يصير التلفزيون، وبمعية برنامج من برامجه "الأكثر مشاهدة" طبعاً، باب الخلاص من الجنوح. وتماماً كما صحيفة تضليلية مثل "الأخبار"، التي رأت في "كفرناحوم" منعطفاً في ما يُدعى زوراً وبهتاناً "السينما اللبنانية"، يبدو التلفزيون هو الوسيط الأعلى للفيلم. وليس صدفة أن الفيلم، وبحسب تسلسل وقائعه، يبدأ نتيجة حلقة في برنامجه إياه، ما يعني أن بطل الفيلم الحقيقي هو جو معلوف. إذ إتصل زين به. وبذلك كان الفيلم الذي يعود في أصله إلى برنامجٍ مثل "هوا الحرية"، وكلما عاد إليه، انطلق، ليرجع إليه من جديد: برنامج، فيلم، جنحة، فبرنامج!

لا تنحصر العنصرية في جعل المعتقلين مجرد جانحين عن القانون، مجرد مخطئين ومعاقبين. بل هي في الإشارة إلى أن براءتهم من الجنوح، يحققها التلفزيون أيضاً. فينقلهم إليه، ويظهرون فيه. وبهذا، يخضعون لقانونه، للقانون. وبهذا، يتحولون إلى مواطنيه، الذين تشكل لبكي واحدة من "نجومه". وبفرض التماثل عليهم، تستطيع المخرجة أن تتعامل معهم، وفي الوقت نفسه، تحافظ على اعتقالهم، لأن هذا الإعتقال هو الذي يصنع فيلمها، ويمدّه بـ"واقعيته" على قول الصحافة الثقافية الرديئة.

العنصرية هي أن لبكي تعتقد أن مشكلة المعتقلين أنهم ليسوا مثلها، فتقاصصهم بفيلمها حتى يقرّوا بذلك: نريد أن نصبح مثلك، أن ندخل إلى التلفزيون، خصوصاً أنك -ويا للكوميديا- "ديموقراطية"، تسمحين لنا أن نقول لك أنك "لم تعيشي ما عشناه"! فعلى هذا النحو، تبدو وكأنها صنعت فيلماً لكي تقتنع بأن قانونها، تلفزيونها، عالمها، حسن جداً، لدرجة أنه يسمح لها بالدفاع عن المعتقلين بمحاصرتهم أكثر. تدافع عنهم كي تكرس عالمها، تدافع عنهم لترسخ موقعها فيه، وتدافع عنهم ليزداد سجنهم في خارجه، حيث لا يجري استقدامهم إليه إلا كجانحين لإدانتهم أو للتضامن معهم. وفي الحالتين، يتم استقدامهم كمادة لصيانته.

والعنصرية لا تقتصر على مبنى الفيلم وحكايته. فالتمثيل والتصوير يظهرانها أيضاً، إذ يشاركان في عقاب المعتقلين حتى يُقرّوا بأنهم جانحون وأن التلفزيون هو الحل.

وقبل الحديث عنهما، لا بد من القول أن التلفزيون هو أول السبيل إلى الإلتزام بالقانون، الذي يطرحه الفيلم. أما منتهى هذا السبيل، فهو المصرف، الذي موَّل الفيلم، والذي وبفعل الإقراض، يستطيع أن "يساعد" المعتقلين بالطبع، إنما على منوال لبكي. بتذنيبهم، كمقترضين، كمَن له دين في أعناقهم، وبتعذيبهم عند مداومتهم على تسديد الدين ذاته، وهذا حتى يقرّوا بأن الحل هو المزيد منه.

وبين التلفزيون والبنك، هناك الدولة التي، ولكي تستجدي دعماً مالياً لمؤسساتها، تعمد إلى إظهار وضعها السيء، أي إظهار سجنها للمعتقلين في هذه المؤسسات، لكي تبين أنها لا تستوعب أعدادهم. ولهذا، يجب إعانتها على هذا الإستيعاب، كما لو أنها تبيّن الجانحين لتقول إنهم كثُر، وأنها لا تستطيع بقدرتها الحالية أن تسيطر عليهم.

في النتيجة، وفّقت المخرجة، وبرغبتها في "إكتشاف المهمشين"، بين التلفزيون والمصرف والدولة، والمؤسسات الثلاث تنتفع من المهمشين بتهميشهم أكثر. وطبعاً، فإن توليفة لبكي هذه هي محور ما تصفه بـ"السينما اللبنانية"، التي "لا ينقصها شيء وهي بحالة جيدة". لا سيما أن هذه السينما تنتفع من المعتقلين باعتقالهم أكثر، وتستمد قوتها من المؤسسات الثلاث، محاكيةً عمل كل منها. فهذه السينما طموحها تلفزيوني، تذنّب وتعذّب كالمصرف، وتستعطي كالدولة.

ليس بعيداً من كل هذا، ومع الحديث عن التمثيل، لا بد من القول بأن الفيلم يشحن الأداء من كون الممثلين الرئيسيين فيه، أي زين الرافعة (الطفل السوري) ويورضانوس شيفيرا (العاملة الإثيوبية)، يؤديان دوريهما بالإستناد إلى مزاولتهما لعيشهما. وطبعاً، مزاولتهما لعيشهما لا يدور مثلما تريد له لبكي أن يدور درامياً، أي بالانتقال من الخطأ إلى القصاص، والعكس. لا يدور بهذا التخبط، الذي تبغي المخرجة منه أن يكون علامة على الجنوح. كما لا يدور بهذه الفظاعة بوصفها ثمن الجنوح أيضاً.

بين قوسين، خلال تصوير الفيلم، وفي أثناء بناء غرفة يورضانوس بالتحديد، كانت المخرجة تحض على جعلها منعدمة الترتيب ومتسخة، لأنه هكذا تكون غرفة عاملة من إثيوبيا. وذلك على الرغم من اعتراض يورضانوس، التي رددت أن غرفتها، وغرف العاملات على العموم، فعلياً، ليست على هذا الشكل. لكن، لبكي، وفي حسبانها، تعرف أكثر منها...عن حياتها!

إذاً، التمثيل مشحون بالعيش، والخطير هنا أن تمثيل الإعتقال، ولأنه معروض "شاشاتياً"، يتغلب على وقع عيشه، بحيث يصبح لهذا الاعتقال تأدية معينة، تأدية الجنوح. فإذا كان عيشه مختلفاً عنها، لا يكون حقيقياً. والأخطر، أن لبكي، ولكي تصور فيلماً عن المعتقلين، جلبت معتقلين ليمثلوا على الخشبة، لتربح، بحسب ظنّها، تمثيلاً قيماً، "واقعياً" مرة أخرى. ثمة هنا استغلال لتجربة سلبية، وثمة هنا علامة على عجز عن اللقاء بدُنيا هذه التجربة، وثمة هنا دليل إلقاء القبض على أصحابها أيضاً.

في السياق نفسه، تشارك الكاميرا في حصار المعتقلين، بحيث أنها، وكعادة تصويرية اجتاحت الأفلام اللبنانية في السنوات الأخيرة، تصوّرهم من فوق. ثم تلاحقهم من الوراء، كأنها تراقبهم أو تضبطهم في جنوحهم. كما أنها تركز على أجسادهم، على أجزائها الحميمة، على أساس النزوع إلى الفضح الخالص. كما أن هذه الكاميرا، تصرّ على دفع الممثلين إلى الحل المطروح عليهم، إلى التلفزيون، فهي لا تلتقطهم سوى لتمده بهم، بصوره. فهي في خدمته، كأنها حارسته، وحارسة قانونه، وعالمه.

لا ينظر "كفرناحوم" إلى أن المعتقلين، وهم الغالبية الساحقة، محبوسون خارج المدينة. لا ينظر إليهم سوى كأناس جانحين، ولهذا يستحقون وضعهم. أما الإفراج عنهم، فبمعاقبتهم، وهذا ما نجح فيه الفيلم. أخضعهم للقانون، بالأحرى لقانون التماثل مع المخرجة، التي تبدو ببساطة، معتقلة في عالمها، وتمانع وجود عالمهم وأي عالم غيره.

طبعاً، هكذا موقف ممانع ومقاوم، تماماً كموقف نواف الموسوي حيال أي شيء لا يطابق عالمه، لا ينم عن "جرأة". ولا يكشف عن "نصف الحقيقة" مثلما قال الياس خوري. بل إنه، وككل فعل عنصري، ينمّ عن جُبن، ويطمح إلى قطع كل طريق تفضي إلى صناعة أي حقيقة تقلقه. إنه، وبعبارة واحدة، فيلم العار الذي يأخذ "طابعاً إنسانياً عميقاً". وكلما أخذ هذا "الطابع"، ازداد عاره وازداد كرهه لكل المعتقلين، مضاعفاً من إعتقالهم، وطامحاً إلى القضاء عليهم كسبيل إلى القضاء على وضعهم!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها