آخر تحديث:13:13(بيروت)
الخميس 11/10/2018
share

صدمة الرقص.. من الطهطاوي إلى الشدياق وسيد قطب

محمد حجيري | الخميس 11/10/2018
شارك المقال :
  • 0

صدمة الرقص.. من الطهطاوي إلى الشدياق وسيد قطب رفاعة الطهطاوي
حين عيّن محمد علي باشا، رفاعة الطهطاوي، إماماً لأول بعثة أرسلها للدراسة في باريس العام 1826، اكتشف شيخ الأزهر عالماً آخر يختلف جذرياً عن مجتمعه، ويعتبر كتابه "تخليص الإبريز" البداية الأدبية لتجليات باريس التي يصفها بأنها "أحكم سائر بلاد الدنيا وديار العلوم البرانية وأثينا الفرنساوية". وإذا رجعنا إلى مقدمة الكتاب، وجدنا فيها ما يدلنا على الغرض من رحلة صاحبه، فقد أُرسِل في جملة من أُرسِل "ليتعلم العلوم والفنون الموجودة بهذه المدينة البهيّة"، إلاّ أنه كانت له غاية أبعد فصّلها في قول آخر: "فلما رسم اسمي في جملة المسافرين وعزمت على التوجه أشار عليّ بعض الأقارب والمحبّين لاسيما شيخنا العطّار(حسن)، فإنه مولع بسماع عجائب الأخبار والاطلاع على غرائب الآثار، أن أنبه على ما يقع من هذه السفرة وعلى ما أراه وما أصادفه من الأمور الغريبة والأشياء العجيبة وأن أفيده ليكون نافعاً في كشف القناع عن محيا هذا البقاع(...) وقد أشهدت الله سبحانه وتعالى على ألا أيد في جميع ما أقول عن طريق الحق وأن افشي ما سمح به خاطري من الحكم باستحسان بعض أمور هذه البلاد وعوائدها على حسب ما يقتضيه الحال، ومن المعلوم أني لا استحسن ألا ما لم يخالف نص الشريعة المحمديّة..".

وعلى هذا لم يكن الطهطاوي تعبيراً عن حركة فكرية مجتمعية وثورية واسعة، ولم يكن "ثائراً" على نحو ما يتوهم لويس عوض، بل كان مجرد امتداد بسيط وتلقائي لمعلمه حسن العطّار الذي توسط لدى محمد علي من أجل تعيينه إماماً لأول بعثة تحديثية أرسلها إلى فرنسا العام 1826.. ولم يكن من الممكن أن يبزغ حضور الطهطاوي في القرن التاسع عشر، وأن تُستثار طاقاته التنويرية، لولا ظهور المشروع التحديثي لدولة محمد علي، فهو "كاتب السلطان"، التقت رغباته التحديثية مع مشروع محمد علي، وارتبطت به.

واختلفت الأقلام في تقييم الطهطاوي، بين مدحه واعتباره "أبو الديموقراطية" كما وصفه لويس عوض، أو مجرد كاتب نقل ما يريده المستشرقون. ويشهد "تخليص الإبريز" ترجمة الطهطاوي للدستور الفرنسي، ولكثير من القوانين التي تنظم حياة الباريسيين، ويتوقف عند الثورة الفرنسية وتحطيم (الباستيل) رمز الظلم في الثورة التي أكدت مبادئ الحرية والمساواة. وهو في كتابه، على زعم الكثيرين، يدخل التاريخ بصفته "أول داعية" إلى تحديث عالم الإسلام من خـلال الانفتاح - المادي على الأقل - على العلم والحضارة الغربيين. يجري مقارنة لطيفة بين الرقص الشرقي والبلدي (الغوازي) الذي كان منتشراً وقتذاك في مصر، وبين الرقص (الباليه) الذي تمكن الطهطاوي من تأمله في باريس. وهي مقارنة تنتصر للأخير، ليس فقط حين تلح على أنه رياضة من الرياضات، لكن أيضاً حين تنزع عنه الوصمة الأخلاقية، فيصف الطهطاوي "الباليه" قائلاً: "كان دائماً غير خارج عن قوانين الحياء"، ويقول إنه "بخلاف الرقص في أرض مصر لا يُشم منه رائحة العهر أبداً". والطهطاوي الذي سافر إلى باريس واعظاً، عاد منها واصفاً، يستخلص من الباليه الحياء، ومن الغوازي رائحة العهر، ويسترسل شارحاً قواعد الرقص وآدابه: "قد يقع من الرقص رقصة مخصوصة يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده، وبالجملة فمسّ المرأة أياً ما كانت في الجهة العليا من البدن غير عيبٍ عند هؤلاء النصارى، وكلما حسن خطاب الرجل مع النساء ومدحهن عدّ هذا من الأدب".

ورغم أن سفره ذاك لم يكن إلا في إطار تقديم الوعظ والإرشاد الديني لطلبة البعثة الفرنسية، فقد تعرض لاتهامات مثيرة للجدل، وصفته بـ"التغريب" و"التخرّيب" للشريعة الإسلامية، وبأنه هدف إلى اجتثاث جذور الثقافة الإسلامية من المجتمع المصري. يقول الباحث الفلسطيني ماهر الشريف أنه، خلافاً لعبد الرحمن الجبرتي، الذي رأى في سفور النساء واختلاطهن بمجتمع الرجال مظهراً من مظاهر الانحلال الأخلاقي، نفى الطهطاوي أن تكون للسفور أو للحجاب صلة بفساد الخلق أو الفضيلة، فكتب: "وحيث إن كثيراً ما يقع السؤال من جميع الناس عن حالة النساء عند الإفرنج كشفنا عن حالهن الغطاء. وملخص ذلك أيضاً أن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الجيدة والخسيسة، والتعوّد على محبة واحد دون غيره، وعدم التشريك في المحبة والالتئام بين الزوجين".

ويصف الطهطاوي وجهاً من وجوه الاختلاط بين الجنسين في المراقص أو "البالات"، كما يسميها وهو يقصد البارات، فلا نتلمس في كلامه امتعاضاً، بل نشعر بإعجابه الشديد بالرقص الإفرنجي والسمو به إلى مستوى الفن الجميل، فيكتب: "والبال قسمان: بال عام، ويدخله سائر الناس، كالبال في القهاوي والبساتين، والبال الخاص، وهو أن يدعو الإنسان جماعة للرقص والغناء والنزهة ونحو ذلك، كالفرح في مصر... والبال دائماً مشتمل على الرجال والنساء... والغالب أن الجلوس للنساء، ولا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفت النساء. وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس ولم يكن كرسي خالياً، قام رجل وأجلسها، ولا تقوم لها امرأة لتجلسها. فالأنثى دائماً في المجالس معظّمة أكثر من الرجل، ثم أن الإنسان إذا دخل بيت صاحبه فإنه يجب عليه أن يحيي صاحبة البيت قبل صاحبه، ولو كبر مقامه".

وربما كانت صورة باريس التي رسمها الأديب أحمد فارس الشدياق، مناقضة لصورة الطهطاوي، الشيخ الأزهري والموظف الحكومي لاحقاً، الذي جاءت إقامته في باريس ضمن إطار بعثة دراسية رسمية. فالشدياق من ألمع الرحالة العرب الذين سافروا إلى أوروبا خلال القرن التاسع عشر. تتميز التجارب والانطباعات الأوروبية للشدياق بامتداد وعمق يتجاوزان إلى حد بعيد ما كان لغيره من الرحالة الآخرين. تنقل ضمن مختلف المهام التي كلف بها- أو في بحثه عن وظيفة ما- بين بلدان عديدة وفي ظروف مادية ومعنوية عسيرة في أغلب الأحيان. كتب عن باريس هو الآخر، ورأى فيها ما لم يره في وطنه حيث عانى الاضطهاد الديني، وأنواع الظلم الاجتماعي والسياسي ما دفعه إلى الارتحال عنه.

فهو إذ عاد إلى مالطة مجدداً، بعدما تزوج في مصر، عمل في ترجمة الكتب الدينية والتعليم. ثم غادر الجزيرة إلى لندن، تاركاً زوجته التي عاد ليفاجأ بخيانتها له، ما أثر في حياته ونفسيته تأثيراً عميقاً عبّر عنه في "الساق على الساق". ويعرض هذا النص الذي يصور حياة بطله المسمى "الفارياق"، في الوقت نفسه، مناقشات فلسفية واجتماعية ووصفاً للأماكن التي مر بها، إلى جانب تداعيات التعليقات اللغوية والأدبية. وطُبع الكتاب في باريس نفسها على نفقة أحد أثرياء العرب المقيمين هناك، وهو رافائيل كحلا الدمشقي، العام 1855 ميلادية. ويهديه إلى النساء "زخرف الكون... وعَـلـَق القلب... وروح الروح... وجنّة الجنان... وصفاء الدم ولذة الحواس". وتحدث الشدياق بعد ذلك عن باريس في كتابه "كشف المخبّا عن فنون أوروبا" الذي نشر في تونس العام 1867. كتب الشدياق أن التقرب من النساء كان أحد غايات تأليفه لكتابه. ولمّا كان الكتاب قد طُبع ونُشر العام 1855، فإنه كان يعلم أن النساء، لجهلهن القراءة، لن يستطعن قراءة كتابه، فحسبه أن يسمعن به سمعاً فقط. "وحسبي أن يبلغ مسامعهن إن فلاناً قد ألّف في النساء كتاباً فضلهن به على سائر المخلوقات". والطريف أن الشدياق يؤكد معرفته بأحوال النساء أكثر منهن. فكتب: "كأنني عشت برهة من الدهر امرأة... حتى مسخني الله تبارك وتعالى.. رجلاً!! وأودع الشدياق أفكاره في الإنسان والدين والمرأة والمجتمع والسياسة، بأسلوب يقرب من التورية والرمزية، ما يصعّب فهمها إذا لم يتتبع المرء دقائق سيرة الشدياق ليتفهم أحاسيسه وانفعالاته، بغية الولوج من ظاهر عباراته إلى باطنها ومضامينها الحقيقية، حيث تتفجر شخصيته بكل ما ازدحم فيها من مؤثرات ومعارف سواء كانت مستمدة من التراث العربي والحضارة العربية، أو من الفكر الغربي والحضارة الغربية.

ومع أن الشدياق يقول في مقدمة كتابه "إن كل ما أودعه فيه مبني على أمرين: إبراز غرائب اللغة ونوادرها -وذكر محامد النساء ومذامهن"، إلا أن مضامين الكتاب تتعدى ذلك لتشمل قضايا ومسائل فلسفية وسياسية واجتماعية، أول ما يتجلى فيه توجه الشدياق، العقلاني الرافض للمسلّمات والمحرمات. وقد حظيت النساء بتنويه خاص من طرفه: فهن في إنكلترا، حسب قوله، متواضعات وفيات ونقيات. أما فرنسا، فوصف نساءها بالافتقار إلى الطهارة – وكذلك الحالة البائسة للشوارع وتدهور النظافة والقيم الأخلاقية. فالفرنسيات في نظره يحبذن استعراض مفاتنهن، وهن مستبدات تجاه الرجال، كما أنهن يطلبن نمط عيش مكلف جدا. وهو بذلك يكتشف صورة مختلفة عن تلك التي قدمها الطهطاوي. فالشدياق الماجن، كان أكثر قدرة على الانغماس والاكتشاف، من الطهطاوي الباحث عن الشكليات والمقارنات والممتعض من رقص الغوازي وعهره.

يكتب الشدياق في النساء الباريسيات "‬انهن‮ ‬يرين التقليد في‮ ‬الحب والزي‮ ‬معرّة فكل واحدة منهن تجتهد‮ ‬في‮ ‬فنّها حتى تصير قدوة لغيرها. ‬أما في‮ ‬الزي،‮ ‬فمنهن‮ ‬من تقبّب صدرها‮ ‬بقدر ما تقبّب نساء الإنكليز بتائلهن‮. ‬ومنهن من تتخذ لها قبّتين في‮ ‬قُبل‮ ومن‮ ‬دبر‮. ‬حتى‭ ‬تكون إذا مشت عائقةً‮ ‬آستاتها ومواجهها‮. ‬وكشف الساق ‬لإبراز الحَماة ونظافة الجوارب مطرّد لهن". وكتب أيضاً: "‬ان الفرنساوية أشدّ‮ ‬الناس شبقًا‮ ‬الى‮ ‬البعال وأقرمهم الى السفاح‮". و"‬إن المُحِدّ‮ ‬عند الإفرنج مطلوبة للرجال، مرغوب فيها بمنزلة‮ العروس‮. ‬إذ الفحول‮ ‬يتزاحمون على تسليتها وتلهيتها لعِلمهم بما تحت‮ ‬ذلك السواد‮... ‬فكأن لابسة الحِداد تحدّ‮ ‬شهوة الناظر إليها إذ‮ ‬يرى عليها آثار‮ ‬الحزن والكآبة والإنكسار وهو أشوق ما‮ ‬يكون في‮ ‬النساء‮". ويتحدث عن غرائب مومسات مالطة: ‮"...‬ حتى ان الزواني‮ ‬في‮ ‬هذه الجزيرة متهوّسات في‮ ‬الدين‮. ‬فإنك تجد‮ ‬في‮ بيت كل واحدة منهن عدة تماثيل وصور لمن‮ ‬يعبدونه من القديسين‮ ‬والقديسات‮. ‬فإذا دخل إلى إحداهن فاسق ليَفْجُرَ‮ ‬بها، قَلَبَتْ‮ ‬تلك التماثيل‮ ‬فأدارت وجوهها إلى الحائط لكيلا تنظر ما تفعله فتشهد عليها بالفجور‮ ‬يوم النشور‮". 
 
"وكان للحاكم عادة أن يدعو جميع المعروفين في خدمته إلى ليلة عيد، يرقص فيها الرجال والنساء في حضرته. وكان من جملة المدعوّين الفارياق وزوجته. فلما رأت الرجال يرقصون، وهم مخاصرون للنساء، قالت لزوجها: هل هؤلاء النساء أزواج هؤلاء الرجال، فقال: منهن هكذا، ومنهن بخلاف ذلك. قالت: وكيف يخاصرونهن إذاً؟ قال: هذه عادة القوم منا وفي سائر بلاد الإفرنج. قالت: وبعد المخاصرة، ما يكون منهم؟ قال: لا أدري، لكن بعد انفضاض الناس يذهب كلّ إلى منزله. قالت: أشهد بالله أنه ما خصر رجل امرأة إلاّ وباطنَها. قال: لا تسيئي الظن إنها عادة قد مشوا عليها. قالت: نعم، هي عادة ونِعْمت العادة، ولكن كيف يكون إحساس المرأة حين يلمسها رجل جميل في خصرها. قال: لا أدري، إنما أنا رجل لا امرأة. قالت: لكن أنا أدري أن الخصر إنما جعله الله في الوسط مركزاً للإحساس الفوقي والتحتي. ولذلك كانت النساء عند الرقص والقرص في أي موضع كان من أجسامهن، يبدين الحركة من الخصر، ثم تنفست الصعداء وقالت: يا ليت أهلي علموني الرقص، فما أرى فيه لأنثى نقص. فقلت لو فتحت الصاد في كل من المصراعين لكان بيتاً مطلقاً. فقالت يا للفضيحة بين الأنام. أتقول هذا الكلام في مثل هذا المقام. قلت هيت إلى البيت. فقد كفاني ما سمعت الليلة وما رأيت. قالت لا بد من أن أرى ختام الرقص. قال فلبثنا إلى الصباح ثم انصرفت بها فكانت تقول وهي سائرة نساء مع رجال راقصات. رجال مع نساء راقصون. راقصات راقصون راقصات. فقلت فاعلات فاعلون فاعلون فاعلات. قالت الرجال والنساء والبنون والبنات. كيف- متى- أين؟". [كتاب "الساق على الساق"].

لقد كان الشدياق مثقفاً محباً للمواجهة، لا يبتعد عن أي نوع من المحرمات. ولعل بقاء الشدياق مغموراً لا يحظى بما يستحق من التقدير، يعود إلى هذا الطابع الصدامي الاستفزازي. حتى الآن، ما زال هذا العمل الجامع الذي خلَّفه، لا يحظى بما يليق به من التكريم. 

وفي كتابها "الحداثة الممكنة" (دار الشروق)، تقول رضوى عاشور إنه بشهادة لويس عوض، يمكن القول إن الطهطاوي والشدياق كانا أكبر مؤثرين في توجيه الفكر العربي بين عهد محمد علي وعهد اسماعيل. لم يكن هناك مناص من تعرض لويس عوض للشدياق، والحديث ببعض التفاصيل عنه، فكيف جرى هذا الحديث؟ أغفل لويس عوض إنجاز الشدياق في مجال فقه اللغة والمعاجم والانشاء اللغوي ودوره الفاصل في إنشاء نثر عربي حديث لا ينقطع عن الموروث بل يواصله بتطويره وتحديثه وايفائه بالجديد من الحاجات. لا يشير لويس عوض، ولا بشكل عابر، إلى إسهامات الشدياق اللغوية، ولا لدوره الريادي في كتابة المقال الصحافي الذي يُجمع الباحثون أنه منشئه الأول. وما إن ينتهي لويس عوص من نبذة عن حياة الشدياق، حتى يفاجئ القارئ بأمرين، أولهما أنه لا يبحث في كتابه عن الشدياق بقدر ما يبحث عن وجهة نظره من مختلف وجوه الحضارة الأوروبية، فتصبح القيمة الأبرز في الشدياق هي قيمته كمرآة تعكس لنا وجه أوروبا. أما الأمر الثاني، فهو الهجوم على الشدياق، هجوما مباشراً وعنيفاً بمقارنته برفاعة الطهطاوي، ويكتب لويس عوض: "وإذ تأملنا هذين الكاتبين وجدنا أنفسنا بإزاء نفسية وعقلية تختلف كل الاختلاف عن نفسية رفاعة الطهطاوي وعقليته، رغم انه كلاهما ثائر على ما وجده من قيم سائدة في بيئته الأولى. فالطهطاوي جاد كل الجد والشدياق ماجن كل المجون، والطهطاوي متفتح لكل جديد رآه لا يصدر عليه حكماً إلا ما يشير به العق والمنطق، والشدياق يحمل معه أينما انتقل مشاكله الخاصة وآراءه ومعتقداته الشخصية ومسلّماته الموروثة، ويلّون كل ما وقعت عليه عينه أو انتهى إلى أذنه بأحكامه الذاتية قبل أن يعرضه عرضاً موضوعياً، والطهطاوي شديد الاهتمام بالقيم الإنسانية والاجتماعية والسياسية، أما الشدياق فأهم ما يشغله المشاكل الفردية والسلوك الفردي ولا ينتبه إلى أي شيء من المشاكل العامة إلا مشكلة الأخلاق الدينية.



ومن خلال من أوردنا، كان الرقص عند الكتّاب العرب بين محلل ومحرّم. فذكره الطهطاوي في وجهيه البلدي المصري والغربي في "تخليص الابريز"، وذكره الشدياق في "الساق على الساق". وإذا كان الشدياق قد رأى في خصر الرقص "مركزاً للإحساس الفوقي والتحتي"، أو الاكتشاف، والطهطاوي نسب العهر إلى الرقص البلدي المصري والفن إلى الرقص الباريسي، فسيد قطب صار متطرفاً - ربما بعد ليلة راقصة. وإذا ما عقدنا المقارنة بين الطهطاوي والشدياق الليبراليين المسافرين إلى باريس، وسيد قطب الإسلامي المسافر إلى نيويورك، نلاحظ فجوة سحيقة في التوجه. ففي العام 1948 قدم قطب إلى نيويورك لاستكمال دراسته. وعلى العكس من رفاعة، الذي امتلأ قلبه حباً بباريس وثقافتها، والشدياق المتهكم والماجن والبصاص، فإن قلب سيد قطب لم يمتلئ إلا كرهاً ومقتاً لنيويورك التي تختصر العالم. وقد بقي في أميركا قرابة ثلاث سنوات، وعاد في صيف 1951. لكن حاله تبدل بعد عودته، فكتب مقالاً في مجلة "الرسالة" العام 1951 تحت عنوان "ليلة حمراء" قال فيه: "كانت ليلة في إحدى الكنائس ببلدة جريلي بولاية كولورادو، فقد كنت عضواً في ناديها كما كنت عضواً في عدة نواد كنسية في كل جهة عشت فيها، وبعدما انتهت الخدمة الدينية في الكنيسة، واشترك في الترتيل فتية وفتيات من الأعضاء، وأدى الآخرون الصلاة، دلفنا من باب جانبي إلى ساحات الرقص الملاصقة لقاعة الصلاة يصل بينهما باب، وصعد "الأب" إلى مكتبه، وأخذ كل فتى بيد فتاة. وكانت ساحة الرقص مضاءة بالأنوار الحمراء والصفراء والزرقاء، وبقليل من المصابيح سالت الساحة بالأقدام والسيقان الفاتنة والتقت الأذرع بالخصور والتقت الشفاه والصدور.. وكان الجو كله غراماً". 
 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها