آخر تحديث:12:14(بيروت)
الإثنين 22/01/2018
share

المطابخ: هذه الحرب لي!

منال الشيخ | الإثنين 22/01/2018
شارك المقال :
  • 0

المطابخ: هذه الحرب لي! وجد العراقيون بصمتهم الخاصة في ابتكار قدْرٍ يكاد يحلق من زهو الألوان والنكهات
بدأت علاقتي بالطبخ والأكلات عندما وجدتُ نفسي، فجأة، ربة أسرة صغيرة تبدأ حياتها في مدينة بعيدة عن "المدينة الأم". البعد من الموصل والإقامة في بغداد منتصف التسعينات، كان بُعداً فعلياً عن المدينة والأم معاً. تعودتُ في حياتي "الغذائية" أن أتناول ما تعدّهُ أمي لنا، أو أنتقي من طبخها الذي يلائم معدتي الحساسة. إذ يُخيل إليّ أنني ولدتُ نباتية، لغاية سن الخامسة والعشرين لم أكن استسغ طعم اللحوم ولم أتناولها، الحمراء منها خاصة، إلى أن أصبتُ بانخفاض حاد في الحديد في الدم، وذلك لسوء تعويض نقص "اللحوم" بمنتجات نباتية في غذائي. قلما كنا نتناول الطعام خارج المنزل، عدا بيوت الأقارب في المناسبات كالأعياد والاجازات الصيفية، والسفر إلى الشمال، مدينة أربيل تحديداً، حيث كان بيت جدي يتوسط قلعة أربيل التاريخية، والتي تحولت إلى معلم أثري في السنوات الأخيرة. ورغم أني نشأت في عائلة كبيرة مُحبة لإقامة الولائم والشعائر والطقوس الدينية التي تستتبع إعداد أكلات بعينها، إلا أني لم أشعر برابط بيني وبين الطبخ سوى بعد فترة من استقلالي عن أمي. وجدتُ نفسي محاطة بمخزون من الحبوب والدقيق والسكر وأنواع السمن والزيت والكثير من بذور الريحان والكرفس، جاهزة للزراعة في حديقة بيتي الصغيرة، ونخلة وحيدة، وقعت على عاتقي مسؤولية متابعة تلقيحها كل موسم. إضافة إلى وافر من الوقت الذي لم أكن أعرف كيف أقضيه في مساءات بغداد الجافة.

في سنوات الحصار المريرة، كادت فكرة المطبخ العراقي تموت مع غلاء الأسعار وشح المواد الغذائية، ومع "ابتكار" بدائل للطبخات والأكلات الأساسية. كان من الصعب على عامة الناس الحصول على اللحم والرز الجيد أو دقيق الحنطة الصالح للاستعمال الآدمي. كان الناس يلجأون إلى بدائل اللحوم، باستخدام الفطر المجفف أحياناً، أو البقوليات الجافة. أصبح إعداد أكلة "الدولمة"، وهي الأشهر بين الأكلات العراقية أسوة بالكباب و"الباجة"، يكلف ثروة بالنسبة لمحدودي الدخل، نظراً لتنوع مكوناتها وغلاء أسعارها في ذلك الوقت. الدولمة أكلة عراقية معروفة، وتعود أصول الطبخة إلى البلقان وأذربيجان والقوقاز وأجزاء من روسيا وتركيا. أما التسمية فلا تحتاج شرحاً كثيراً، بمجرد إيجاد المرادف التركي لها وهي Dolma وتعني حشو. لكن مع تذوق النسخ الأخرى من الدولمة أو المحاشي، الأوروبية والآسيوية والعربية منها، سندرك أن العراقيين وجدوا "بصمتهم" الخاصة في ابتكار قدْرٍ يكاد يحلق من زهو الألوان والنكهات في داخلهِ. هذه الأكلة تحديداً لها الأثر البالغ في ذاكرة العراقيين عندما ابتكروا النسخة النباتية منه: تارة عندما يختار المسيحيون طوعاً أن يعدّوها بلا لحوم أو منتجات حيوانية في فترة صيامهم، وتارة عندما أُجبر عامة العراقيين على التخلي عن أساسيات هذه الأكلة "الملوكية" بسبب الغلاء خلال سنوات الحصار.

فإذا علمنا أن أساس الدولمة العراقية كان قائماً على كمية من اللحم الفاخر، موازية لكمية الرز، ومنتخبات من أنواع محددة من الخضروات مثل الباذنجان والكوسى والسلق وغيرها، تنتقى بحسب حجمها ونوعها بكل عناية، سندرك أن التخلي عن هذه الأساسيات واللجوء إلى البدائل من أصعب ما عاشه العراقيون، الشعب الذي تعودَ، خصوصاً الذكور منهم، الإفطار على صحن "الباجة" الساخن مبكراً في الأسواق وأطباق المشويات! كان لهذا التحول الأثر الإيجابي أيضاً في اكتشاف عالم الطبخات النباتية والتعلم من إمكانية تطوير طبق أصيل إلى نكهة مقاربة بأقل تكلفة. وهذا أول ما تعلمته خلال اقامتي في بغداد، في حي متنوع السكان من كل بقعة في العراق. تعلمتُ من جارتي التركية، التي لم تغادر العراق حتى بعد وفاة زوجها العراقي، كيف أصنع شراب النعناع البري "البطنج" بلا سكر. وجعلتني جارتي "الكربلائية" أتذوق وللمرة الأولى مرة طعم الدبس/عسل التمر المسكوب بعشوائية على الرز المسلوق بمرق اللحم، ولم أتخيل يوماً أكلة في العالم متصالحة مع نفسها هكذا بين مالح وحلو، بين أسود وأبيض، بين ما المعتاد وغير المعتاد في الشكل والتقديم! أما جارتي الموصلية الأشورية، فلم تتوقف عن حشو اللحم النيء في كرات كبة مع صلصة الفواكه المجففة رغم السنوات العجاف، وهي أكلة آشورية مرتبطة بمناسبة دينية، وهي من بين الأطباق العراقية تستحق فصلاً كاملاً في مديح التصالح النفسي بين المالح والحلو. لكنها في الوقت نفسه جعلتني أكتشف وبلذة بالغة، النسخة النباتية للدولمة، التي اعتادت أن تطبخها في أيام صيامها.

منذ فترة ليست بالقصيرة أصبح لدي شغفٌ كبير للتعرف إلى مطابخ العالم وتجربة ما يحلو لي من وصفات، وابتكار نسختي أحياناً. أنجحُ كثيراً وأفشل أحايين. ومع التطور التكنولوجي لتخليد لحظة ولادة طبق جديد ووجود مواقع متخصصة تجد نفسكَ نشطاً فيها، لأنها تعطي لوصفاتك روحاً مع إعجاب ومشاركة وتعليق، تتحول العلاقة مع الطبخ إلى مستوى من الشغف يصعب وصفهُ، لكنهُ يكون ظاهراً في ما تفصح عنه صور الأطباق وطعمها في الفم. مع كل فشل لوصفة ما، تثبت لي رؤيتي أن الالتزام الأعمى بالوصفات هو سر فشل أي محاولة. فالطبخ بالنسبة اليّ مثل فكرة جاهزة واقفة في مفترق طريق، لن تكبر وتصير ما لم تأخذها بيدك أنت وتطعمها من روحك المُحبة لها.

في مطبخي الصغير، نافذة مطلة على غابة قُلعت من أجل بناء نفق طويل، وأنصت كل يوم بدأب إلى ضجيج الآليات والحفارات وأصوات تفجير الديناميت. أتأمل ما يتوافر لدي من مواد وأدوات لم تعد لها صلة بسنوات الحصار، ولي لسان بات يميز نكهات لا يتعرف عليها لسان المتذوق العادي، فلا أجد أفضل من خَبْزِ فطيرة تفاح تُلطفُ الضجيج في رأسي ليتحول صوت الديناميت إلى سيمفونية صاخبة بدلاً من ذاكرة حرب.

مع اشتعال فتيل حرب المطابخ، بين الكشك والصفيح مؤخراً، شعرتُ وللمرة الأولى، أن هذه الحرب لي، وأن الكشك يستحق من ينقب خلفه كي نعرف من له الفضل في هذا الاختراع العظيم. لكن، يغيب عن أذهاننا أحياناً، أنه التغييرات الديموغرافية والتاريخية والمصيرية للشعوب والمناطق، لم تُبقِ أكلة على حالها من دون أن تطرأ عليها تغييرات واضافات سكان المناطق التي هاجرت إليها الأكلات، حتى يشعر كل مجتمع أن هذه الأكلة من "اختراعه"! 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

منال الشيخ

منال الشيخ

كاتبة وشاعرة عراقية مقيمة في النروج