image
الأحد 2018/01/21

آخر تحديث: 12:33 (بيروت)

أحمد حسنين باشا: الرحّالة مُغوي المَلكات.. واليوم "صاحب كرامات"

الأحد 2018/01/21 أحمد شوقي علي
أحمد حسنين باشا: الرحّالة مُغوي المَلكات.. واليوم "صاحب كرامات"
تسببت قصائد بيرم التونسي عن زواج الملكة نازلي وحسنين باشا بنفي الشاعر
increase حجم الخط decrease
ما الذي يدفع مغامرًا ورحالة للدخول إلى معترك السياسة، إن لم تكن الأخيرة مقامرة كبرى على الحياة؟

تبدو الجملة السابقة الغارقة في الرومانسية، مبتذلة وجوفاء، حين أصوغها متسرعًا، لوصف التحولات الشخصية لأحمد حسنين باشا (31 أكتوبر 1889 - 19 فبراير 1946)، الذي ترأس الديوان الملكي إبان حكم الملك فاروق، آخر ملوك أسرة محمد علي، ويبدو مثلها أي حكم يُطلق لتفسير حياة ذلك الرجل.

وليس القارئ الذي يتناول سيرته، ببعيد من الوقوع في المأزق ذاته. ففي حين تخبر المرحلة الأولى من هذه السيرة، ريادته الصحراء واكشتافه بعض واحاتها المجهولة، في رحلة هي الأطول في التاريخ، نال عنها العديد من الأوسمة والميداليات العالمية، وما يعكسه ذلك من صفات الإقدام والمغامرة، فإنه يصطدم ليس –فقط- بميل أحمد حسنين للتقرب من المستعمر البريطاني، وإنما بمحاولاته المتكررة للتطوع كجندي في الجيش الذي احتل بلاده. وفي حين يعكس الأداء السياسي للباشا -الذي كان مرشداً للملك فاروق أثناء رحلته للتعلم في بريطانيا، ورئيسًا لديوانه الملكي بعد ذلك- حنكة وبراعة، فإنه يصطدم برعونته في إدارة علاقاته النسائية التي تحولت فضائح عرف بها القاصي والداني.

فإذا كانت الوصولية أقرب الى توصيف أداء أحمد حسنين باشا، الذي تزوج من لطفية، ابنة الملكة شويكار الزوجة الأولى للملك فؤاد الأول، ليطلّقها ويتزوج عرفيًا من الملكة نازلي أم الملك فاروق، الذي ترأس ديوانه وكان قريباً جدًا من رئاسة حكومته في أواخر عهده؛ فما الذي قاده لأن يصبح رحالة يحقق الكثير من الاكتشافات الهامة، لدرجة أن يحوز عنها لقب «Sir» بحسب تأكيد حفيده، وأصبحت كتبه مقررة على الطلاب في المدارس، مثله في ذلك مثل طه حسين، أليست الأخيرة وحدها غاية المرء في التحقق؟

في كتابه الأحدث "أسطورة القصر والصحراء"(*)، يحاول الكاتب الصحافي محمد السيد صالح، توثيق سيرة رئيس الديوان الملكي أحمد حسنين باشا، في صورة أقرب إلى القصة الصحافية الطويلة، منها إلى البحث التاريخي. هكذا، جمع مادته، معتمدًا على الأرشيف الصحافي، والكتب التي ألفها حسنين نفسه أو التي ألفها من عاصروه، أو ما ذهب إليه بعض المؤرخين الذين تناولوا سيرته أو سيرتي الملك فاروق وأمه الملكة نازلي، فبناها بناءً روائيًا تصاعديًا، يتتبع من خلاله نشأة حسنين ثم دراسته في إنكلترا فاهتمامه بالمغامرة ثم انخراطه في العمل السياسي وعلاقاته النسائية المتعددة، انتهاءً بحادث موته ثم دفنه، والوضع الحالي لمن تبقى من عائلته على قيد الحياة.


ولعل ذلك الشكل الروائي الذي انتهجه السيد صالح، متأسيًا فيه بما صنعه الروائي أبو المعاطي أبو النجا في روايته "العودة إلى المنفى"، يضع الكاتب بعيدًا من إصدار الأحكام على أبطال كتابه، تاركًا تلك المسؤولية للقارئ الذي يواجه هذا الكم المتسارع من تحولات الشخوص والأحداث.

ويخرج محمد السيد صالح عن موضوع كتابه الرئيس، في كثير من المواضع، ليستعرض مواضيع أخرى، قد تبدو ثانوية، لكنها تساهم في تشكيل صورة كاملة عن العصر، ويعتمد في ذلك على أكثر من مصدر، إما تاريخي أو صحافي، أو على إفادة أحد الباحثين المنشغلين بذلك الملف. وذلك، مثل توقفه أمام نشأة الطريقة السنوسية، أو وصف حال الصحراء الغربية أوائل القرن العشرين، أو الشكل السياسي الذي أراد القصر ترسيخه في بداية حكم الملك فاروق، وكذلك التعرض لسير آخرين ممن اقترنوا بأحمد حسنين، وهو في الأخيرة يختار من سيرة الشخص الذي يتعرض لحياته ما يفسر سلوكه في المواقف التي احتك فيها بحسنين باشا. فحين يتناول مثلاً، سيرة عزيز باشا المصري، الذي كان ضمن حاشية الملك فاروق أثناء سفره للتعلم في إنكلترا، فإن السيد صالح يبرز عسكرية عزيز وانضباطه. وحين يتناول نشأة الملكة نازلي قبل اقترانها بالملك فؤاد الأول، نراه يبرز كيف ساهمت ظروف نشأتها، في إكسابها شعورًا بالتحرر جعلها ميالة للانطلاق، بما لا يناسب الحياة التي عاشتها كملكة حبيسة في قصر الملك فؤاد.

ومن خلال المنطق نفسه، يمكن فهم اقتصاد المؤلف في تعرضه لعلاقة أحمد حسنين وأسمهان، ومروره عليها سريعًا، بما يفيد إيضاح أثر تلك القصة في علاقته بالملكة نازلي. ويشير السيد صالح إلى مفارقة ملفتة في أن تلك العلاقة أدت دورًا مهماً، وإن بدا غير مباشر، لإقناع الملك فاروق بالموافقة على زواج أمه عرفيًا من رئيس ديوانه. ويتعرض في ذلك إلى واقعة مهمة تخص بيرم التونسي، الذي تسببت بعض قصائده، التي كتبها قبل عشرين عاماً من الزواج المزعوم بين نازلي وحسنينن في نفيه خارج مصر، وذلك حين أرادت لطفية زوجة حسنين الانتقام من الملكة النازلي، بتوزيع منشورات لدى عودة الرحلة الملكية من أوروبا نهاية الثلاثينات، جاء فيها بعض من أشعار التونسي التي كتبها في أعقاب ثورة 1919، عند اقتران الملك فؤاد بنازلي، ومن تلك الأشعار:«البنت ماشية من زمان تتمخطر/ والغفلة زارع في الديوان قرع أخضر/ يا راكب الفيتون وقلبك حامي/ اسبق على القبة وطير قدامي/ تلقى العروسة شبه محمل شامي/ وجوزها يشبه في الشوارب عنتر/ وحط زهر الفل فوقها وفوقك/ وهات لها الشبشب يكون على ذوقك/ ونزل النونو القديم من طوقك/ يطلع في طوعك لا الولد يتكبر/ العطفة من قبل النظام مفتوحة/ والوزة من قبل الفرح مدبوحة».  وهي أزجال ليست في حاجة إلى تفسير، إذ يُعرض بيرم بسمعة الملكة نازلي، وكانت لطفية بما فعلته تدق مسمارًا أخيرًا في نعش زواجها من حسنين، إذ أرغمته الملكة على تطليقها جزاءً لفعلتها.

أما بالنسبة إلى عقد الزواج العرفي بين الملكة ورئيس الديوان، والذي من المرجح أن يكون الممثل سليمان نجيب أحد شهوده، فقد بذل السيد صالح مجهودًا للتوصل إلى حقيقته. لكن أسرة أحمد حسنين، الذين تواصل معهم المؤلف، يؤكدون أن الملك استطاع، بعد وفاة الباشا، الحصول على نسخة العقد وإحراقها، وكذلك كافة الأوراق التي تثبت تلك العلاقة، ليصبح من المستحيل عمليًا إثباتها بحسب رواية العائلة.

ويضع البناء الروائي المتصاعد، الذي انتهجه المؤلف في صياغة مادته، القارئ الذي يصل إلى نهاية الكتاب، في صدمة، حين يتعرف على الوضع الحالي لضريح أحمد حسنين باشا وأسرته. وفي رأيي، إن أفضل ما جاء في الكتاب، رغم جلّ مادته المشوقة، يكمن في تلك الفصول. ليس لأن ما سبقها من معلومات استخلص من نصوص قديمة ومتاحة كإصدارات منفصلة، ولكن لأن ما تأخر ذكره من حال تلك الأسرة ووضع الضريح الذي تحول إلى مقر لأحد الطرق الصوفية، يبدو أكثر إنسانية وحيوية وإدهاشًا من حياة حسنين نفسه، وبالرغم من ذلك فإن القارئ ما كان ليمر بهذه الخبرة لولا تلك الفصول المتقدمة من الكتاب.



ففي زيارته للضريح، الذي بناه المعماري المصري الشهير حسن فتحي، يكتشف السيد صالح، أن عائلة "الشيخ مسعد أبو باهي"، أقامت مقر طريقتهم الصوفية، وهي عائلة لا تتبع الطرق الصوفية بشكل رسمي، غير أن الشيخة نجلاء التي تقوم على رعاية الضريح ومن ثم مقر الطريقة، أخبرتهم "أنهم يقيمون حضرة يومي السبت والخميس للعارف بالله الشيخ مسعد داخل ضريح أحمد حسنين، وكذلك مولدًا سنويًا في ذكرى الشيخ". ويبدو أن مجاورة الطريقة للضريح قد أكسبت صاحبه بعض الكرامات: "حكت لنا نجلاء أيضًا أن الباشا له هو الآخر كرامات مثل عائلتها، وكشفت أنها عندما نظفت الضريح بنفسها، حيث لم يكن معها أحد من المريدين في هذا اليوم، جاء في المنام ليشكرها".

ولا يبدو الوضع الحالي لـ"جيدة هانم"، الابنة الوسطى لحسنين والوحيدة الباقية على قيد الحياة من أبنائه، بأفضل من ضريح والدها. فهي تعيش في شقة بنظام الإيجار القديم، برفقة ابنها عزيز وابنتها عطية، وتتعيش من تعليم العزف على البيانو في دروس خصوصية في منزلها بعدما ذهبت كل أموال العائلة، إذ صادر نظام يوليو ثروة زوجها الراحل الدكتور عبدالله علي محمود، الأستاذ في كلية الهندسة، ولم يتبق لها من ميراث أبيها سوى "لغز شخصيته".

* صدر الكتاب في القاهرة، عن مؤسسة بتانة للنشر.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها