آخر تحديث:22:27(بيروت)
الخميس 11/01/2018
share

أبعد من العفو العام

محمد حجيري | الخميس 11/01/2018
شارك المقال :
  • 0

أبعد من العفو العام 35 ألف مذكرة توقيف (عن الانترنت)
تبرّر العفو العام عادة ظروف اجتماعية أو سياسية، تحتم طي الصفحة على بعض الجرائم، بغية طمسها وحذفها من ذاكرة المواطنين واستئناف الحياة السياسية والاجتماعية في "تقليعة" جديدة. لقد تكررت قوانين العفو العام في لبنان منذ حرب 1958 التي سميت "ثورة"، فصدر بتاريخ 24/12/1958، قانون منح العفو العام عن الجرائم المرتكبة حتى 15/10/1958. ثم تبعه القانون رقم 8/69 17/2/1969 الذي منح عفواً عاماً عن الجرائم المرتكبة قبل 1/1/1968. إلا أن أبرز قانون عفو عام في لبنان هو القانون رقم 84/91 تاريخ 26/8/1991، لأنه القانون الذي جاء بعد الحرب الأهلية (1975- 1990) وقد منح هذا القانون العفو عن الجرائم المرتكبة على امتداد تلك الحرب حتى تاريخ 28/3/1991، وساهم العفو العام في "محو" الجرائم التي ارتكبت آنذاك دون الأخذ في الاعتبار القتلى الذين سقطوا خلال الحرب، ودون معرفة مصير 17 ألف مخطوف لا يزال اهلهم يسألون عنهم  باعتبار قضيتهم معلقة.

وبيّنت الوقائع الحسيّة أن قانون العفو العام المنبثق عن مجلس نيابي مشكوك في تمثيليته، صبّ في مصلحة أمراء الحرب الذين استولوا على السلطة برعاية الوصاية السورية وميليشيا الأمر الواقع، وساعدهم العفو على محو جرائمهم ودفعهم إلى أن يتحولوا من مجرمين وأمراء حرب إلى قادة سياسيين "مقدسين" ومسؤولين عن مؤسسات الدولة ودورها ومواردها ومستقبلها، ويستعملون ذاكرة الحرب بحسب هواهم ومناسباتهم، فالجبهات بالنسبة إليهم، مرة تصنف كنضالات ممجدة ومرة اخرى يعتبرونها أياماً كالحة يجب أن "تنذكر وما تنعاد".

واليوم، بعد مرور أكثر من ربع قرن على نهاية الحرب، عاد الحديث عن عفو عام جديد، وقادة الحرب أنفسهم يسعون إلى مسودة قانون عفو تشمل الإسلاميين والبقاعيين الطفار وتجار المخدرات والهاربين (جيش لحد) إلى اسرائيل، أي ارهاب ومخدرات وعمالة. حتى الآن، يكتنف العفو الغموض والالتباس والتناتش والخوف من منطق "ناس بسمنة وناس بزيت". بالطبع العفو بعد الحرب كان أسهل بكثير طالما أن قادة الحرب اعفوا عن أنفسهم؟ اليوم يبدو أكثر فجاجة، والأحداث أكثر توثيقاً، والقرار أكثر صعوبة. لكن حين تبحث السلطة عن مجدها "الخاوي" وعن زبائنها فهي تطيح بالأعراف والقوانين لتدبر مصالحها. هناك مقولة تفيد بأنه إذ أردت أن تدجّن طائراً جوّعه، وفي لبنان إذ اردت أن تروّض المجتمع ادخله في الأزمات، دعه يغرق في الوحل، سيستنجد بك لا محالة... وعلى مدى ربع قرن ونيف، كانت السلطات المتعددة الأوجه والمتعاقبة والمتنافرة والمتحاربة، تستخف بالأرياف وحتى بالجماعات التي ترفع شعار المظلومية. والنتيجة جبل من الأزمات الاجتماعية والسياسة.

المسألة الآن باتت أبعد من العفو العام الذي يبدو مثل المثل "آخر الدواء الكي". القضية قبل كل شيء هي أزمة سلوك سلطة،.في ما يخص تجارة الممنوعات في البقاع، لم تعد المسألة تقتصر على زراعة الحشيشة، بل باتت أخطر من ذلك بكثير. الحبوب المخدرة (الكبتاغون) يمكن صناعتها في أي مكان ،وهي تنتشر في كل مكان في لبنان، سواء أكان في المدن أم في الارياف. بعض تجار المخدرات ليسوا مجرد اشخاص يبحثون عن لقمة العيش، كما يحاول بعضهم أن يوهمنا، فهم لديهم ثروات بملايين الدولارات، يظهرون في وسائل الإعلام ويحلون ضيوفاً على بعض السياسيين ورجال الدين، بينما الاحكام تصدر بحق من يدخن سيجارة أو يبيع سيجارة. وأحياناً المتورط في المخدرات يتحول تاجراً لامعاً داخل السجن وبتواطؤ مع بعض الأمنيين. أليست السلطة شريكاً في وباء المخدرات؟ أليست مسؤولة عن تراكم آلاف مذكرات التوقيف بعلبك الهرمل؟

من المسؤول أيضاً عن تضخّم ملف الارهاب والارهابيبن؟ من المسؤول عن ظاهرة أحمد الأسير أو حرب باب التبانة وجبل محسن أو حرب عرسال؟ من صنع الارهابيين؟ من دون شك أن هناك مجموعات ارهابية في لبنان، لكن، وبسبب سياسة السلطة وصراعاتها ومشاريعها واجنحتها، واعتماد بعض مسؤوليها معايير مزدوجة، و"دولة ودويلة" تحت سقف واحد، جرى تعويم الارهاب، وادخل مئات الاشخاص السجون لاسباب هلامية سرمدية تحت مسمى كلمة مطاطة اسمها الارهاب. مئات الاشخاص أمضوا سنوات في السجن بشكل اعتباطي، وبدل أن يكون السجن مكاناً لاصلاح المساجين يخرّجهم أكثر تطرفاً وأكثر ميلاً إلى المخدرات. وبدل أن يسرّع القضاء محاكمة الموقوفين، يجري رميهم في بئر النسيان. وتتراكم المشكلات وتتعقد الحلول.

سيصدر العفو العام ربما (هذا ما يتمناه أهالي الموقوفين والمطلوبين)، سيفعّل مفهوم الزبائنية بين الزعماء والناس، وفي الوقت نفسه سيكون قاعدة جديدة لمزيد من الشوائب في المستقبل، طالما أن الدولة لن تجد حلولاً جذرية لتجارة الممنوعات، وطالما أن الدولة غير قادرة على لجم فائض قوة حزب الله التي تؤدي إلى ردود أفعال وعصبيات وتوترات في أوساط الطوائف الاخرى.

باختصار، "السلطة اللبنانية" بوجوهها الكالحة والريائية، هي المسؤول الأبرز بل الشريك في صناعة ملفات الارهاب وتجارة المخدرات (واخواتها) وقوافل العملاء.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"

مقالات أخرى للكاتب