آخر تحديث:14:25(بيروت)
الإثنين 04/09/2017
share

"عشبة ضارة في الفردوس".. التهميش بطلاً

هيڤا نبي | الإثنين 04/09/2017
شارك المقال :
  • 0

"عشبة ضارة في الفردوس".. التهميش بطلاً لا يتوقف تأثير الهامشية على تصوير شخصيات متمرغة في البؤس
يفتح الروائي السوري هيثم حسين في روايته الجديدة "عشبة ضارة في الفردوس" نوافذ بيوت بلدة نموذجية ليطل من خلالها على حيوات وهموم مختلفة يجمعها، إضافة إلى المكان، التهميش القومي والسياسي والاجتماعي. تلك البلدة النموذجية من حيث حضور التراجيدي والكوميدي والدرامي فيها هي إسقاط لصورة ذهنية مرتبطة ببلدة بعينها (عامودا) رغم أن الكاتب لا يميزها إلا باسم "البلدة".

تحاول الرواية تجسيد فكرة أن كل فرد هو عشبة ضارة في فردوس الآخر: "فمعظم من أتذكرهم كان يعد الاخر عشبة ضارة في فردوسه. يلقي عليه باللوم لانه عكر صفو أيامه، ولولا حضوره الباهت لكانت حياته فردوسا دائما متجدداً". وانطلاقا من عنوان الرواية واستهلالها الجذاب الذي تسرده منجونة نستكشف لدى الكاتب تصوراً عما يمكن أن يكون ثمرة الصراع الذي يخلقه تخبط الأنوات "في فردوسها" المزعوم. في هذا الفردوس يمكننا تتبع كل أناة في صراعها على حدة، إذ ليس ثمة ما يجمعها سوى همومها الفردية الأنوية بشكل خاص، رغم أن همها الأكبر والذي يخلق لهذه الأنوات مصيراً جمعياً(لا مرئياً) لا يغيب عن الرواية، بل على العكس، يحضر بصورة مباشرة جداً من خلال أحداث وتواريخ حقيقية مرت على البلدة الكردية. كما أن العنوان يحمل تصورات سابقة على مصائر الأفراد بحيث نجد سعي الكاتب واضحاً لرسم فردوس شبيه، للمفارقة، بجحيم صغير. في هذا الجحيم يحترق الأفراد بنيران مزدوجة آتية من الداخل (نيران صديقة إن صح التعبير) ونيران خارجية تلهب تلك الكرة الجهنمية. مع إصرار الكاتب على دور النيران الخارجية التي تعد التهميش والتحطيم أدواتها، ويتمثل هذا في الإحتلال الداخلي لنظام البعث للكُرد في سوريا.

تهميش التهميش
لا أبتغي هنا إعادة سرد لرواية اكتفت بقول ما أرادت قوله بل أبتغي التركيز على نقطتين هما التهميش والنخل اللذان يبرزهما الكاتب بطرق واضحة وأخرى خفية.
ما يتمثل للذهن بمجرد قراءة الرواية هي فكرة التهميش التي، وإن لم تُوصل الأمور إلى حدودها القصوى، تظل حاضرة حضوراً قوياً من حيث أنها المدخل والأرضية التي يبني عليها الكاتب روايته. هذا التهميش الحاصل هو ثمرة العيش في البلدة بقدرما هو ثمرة لتصور الكاتب لشخصياته.

إن فكرة التهميش تلغي هنا (ولا أقول تبرر) كل الأسس الأخرى للصراع الذي يسعى الكاتب لإبرازه. ففي هذا الفردوس الذي يشبه الجحيم لحد بعيد لا نكاد نجد صراعاً شريراً بمعناه العام. إذ إن الشرّ لا يأتي من أحدٍ ما بصورة قوية وتنافسية مقابل الخير، بل يعكس الشر نوعاً من القدرية التي يحكم بها أهالي البلدة على انفسهم. فلو تمعنّا بأكثر الأحداث إجرامية وشراً (عدا إجرام المساعد اول) لا يمكننا إدانة الشرير إدانة واضحة صريحة، إذ إن البؤس المعمَّم أقوى حتى من الشر الذي يخلّفه هذا البؤس. هذا من ناحية، أما من الناحية الأخرى فإن أبعاد الخير والشر مختلطة ولا تقاس بمقاييس معروفة كمقياس الدين، أو القانون أو أخلاق المجتمع، بل تتعلق بالخيال الشعبوي والأحكام الاجتماعية كمثل الأحكام الخاصة بالمرأة أو قوة الإشاعة وتأثيرها في تغيير الأقدار.

نتساءل هنا: هل يمكننا أن نرى في ذلك الإحجام عن إدانة الشر قوة للرواية أم ضعفاً لها؟ حقيقة لا أتخيل أية إمكانية لإعطاء الشر لمَعانه الشيطاني في بيئة شبيهة بالبلدة التي يرسمها الكاتب. لهذا فإن كل إدانة للشر لا تُقيّم إلا بالتفكير مجدداً بالنقطة الجغرافية المنتهَكة التي تولِّد الشر وتعززه أو تخفف من جرمه. أي العودة إلى مكانة البلدة من حيث تموضعها في أسفل السلم الإجتماعي والسياسي والضغط الممارس عليها من رأس الهرم انتهاء بأضعف نقطة فيها وهي النقطة التي تنتهي بمنجونة المهمّشة والمشوّهة. ولا يتعلق الأمر بتبرئة أطراف الجرم والتهميش بقدر ما يتعلق بالعامل النفسي الذي يلف تلك الأنوات البائسة الجامعة للخبث والبساطة في ذات الوقت.

إن سمة التهميش لا تتفرّد بها رواية "عشبة ضارة في الفردوس" فحسب، بل ترد كذلك في كل روايات الكاتب بحيث تصبح الثيمة القائدة فيها، وإن كانت غير واضحة المعالم رغم حضورها الكامل. هذه الروايات تحدث كلها في ذات البقعة الجغرافية وتولّد بالتالي ذات المعالم المشوهة للإنسان الكردي المكلوم. هذا التتبع (اللا إرادي) لحياة المهمشين الفريدة يصورها الكاتب من عمل لآخر بتصعيد التهميش من جهة مقابل ازدراء البطولة من جهة أخرى. ففي "إبرة الرعب" التي تحدث في بقعة جغرافية شبيهة بـ"البلدة"، يختار الكاتب بطلاً مستهتراً بالبطولة، يختاره مهمشاً ومن عائلة مُورس عليها التهميش طويلاً ليؤسس عالماً غريباً، فيه معالم الخير والشر غير واضحة... أما في "رهائن الخطيئة" فلا شيء يمكنه البرهان على الدرجة المتدنية من التهميش سوى سيرة الأخوين أحمى وعلو بكل تفاصيلها بدأً من طفولتهما وحتى شبابهما وتخبطهما اليائس في أقدارهما.

أما عملية النخل وإنتقاء أكثر الأفراد تهميشاً فتتجلى واضحة أكثر في "عشبة ضارة في الفردوس" من خلال إختيار تسليم مفاتيح السرد لمنجونة. إذ يفتتح الكاتب الرواية بالكائن الأكثر هشاشة وبالحدث الأكثر مأساوية. منجونة الساردة التي تمد الرواية بالحكايا تغرق وهي تكرر بوضوح تام كل الرفض الذي تلقته في حياتها. إنها تختار غرقها وشخصيتها وكل صورها الرديئة في عين المجتمع في رحلتها نحو الأسفل. تختار هامشيتها وهي تغادر عالم المهمشين المحيطين بها. هل ثمة شي أكثر وضوحاً من إصرار منجونة على موقعها الهامشي في عالم الأحياء ثم الأموات؟

شخصية منجونة تثير التساؤل حقاً. هل هي أعظم مما تبدو؟ هل هي أسوأ مما تبدو؟ أهي التي تساعد الكاتب في ترتيب الحكايا أم أنه يستخدمها استخداماً لا أكثر؟ ما هو واضح في متن الرواية هو أن منجونة هي ابنة وسطها المهمّش بحق، لكنها تختلف عن الآخرين بكونها لا تحارب ولا تناقض ولا تتمرد. وحتى حين تتولى سرد الحكايا نجدها غائبة كفرد غياباً تاماً كما هي في حياتها: "بكماء"، "متلعثمة"، "قطعة أثاث"، بلا مزايا. وبالمختصر عشبة ضارة في فردوس، عشبة، لا زهرة ولا شجرة، بل عشبة عديمة النفع، وضارة.

أما الدور الذي تقوم به فهو دور مشكوك فيه، فلا ندري إن كان الكاتب يقصد استخدامها ليضفي عليها أهمية حُرمت منها، أم أنه يزيد هامشيتها بأن يستخدمها لتلتقط له حكايا الآخرين. فإضافة لكونها عكازة أبيها وعيون أمها فهي كذلك خيال الكاتب وأفكاره، ويده التي تكتب. إنها ليست سوى أدوارها.

منجونة التي لا تظهر إلا لتؤدي دورها في إيصال الأصوات الأخرى وإرسائها على الورق ليست في الحقيقة وعياً على الإطلاق. إنها كائن من ورق إن صح التعبير. لكن ما دلالة خلق مثل هذا الكائن في الرواية؟ ألا يمكن أن يكون اختيار منجونة كساردة هو إحدى خطوات الكاتب للإقتراب أكثر فأكثر من حياة الهامش التي قُسمت لمنجونة ولأفراد البلدة وللكُرد عامة في البلاد التي تحكمهم ؟ ألا تكون دلالة اختيار كائن "شبه معتوه" تمسكاً بالهامشية؟ لا أكاد أرى، حقيقة، في تسليم مفاتيح السرد لمنجونة إلا اقتراباً من الهامشية وعوالمها (خاصة أن إعطاء الأولوية لمنجونة في السرد لا يعني مطلقاً انحياز الكاتب للجانب الأنثوي أو دعمه)، رغم قناعتي بأن منجونة في ثورتها الداخلية والإلتفاف على كل مخططات الآخرين ودخولها الخفي في عوالمهم هي اليد الوحيدة التي تكتب الرواية.

بناء الرواية
لا يتوقف تأثير الهامشية على تصوير شخصيات متمرغة في البؤس والحيرة فحسب بل تتجاوزه لرسم مصائرهم بطريقة لا يمكن فصمها عن كينونتهم. من وجهة النظر هذه، نجد أن الكاتب يقطّع جسد الرواية بكسر الزمن التقليدي الموصوف بالتتابع الزمني وذلك بخلطه أولاً بطريقة عشوائية "ترتيب حكاياتي بما يوافق هندسة الذاكرة، لا سياق الواقع المسجل أو التاريخ المفترض"، وبواسطة التباطؤ والتسريع الاختياري في وصف الأحداث ثانياً. فالزمن إما بطيء يتراوح في مكانه أو مسرَّع يبتلع الأيام والسنوات بطريقة غير متوقعة. لكن الملفت أن الأحداث المهمة والمصيرية لا تحتل إلا الجزء الأقصر من الزمن بينما البطء مخصص للسرد والوصف والأحداث التي لاتحمل معها تغييراً مصيرياً في حياة الشخصيات. ومن وجهة النظر هذه، لا أجد إلا رابطاً قوياً بين فكرة التهميش الواقعي للأفراد والتهميش الممارس عليهم من قبل آليات السرد المختارة. لكأن السرد يبوح بسر اختياراته فيحكم بألا تفضيل هنا للمصائر أو امتيازاً لحدث على آخر. فلا أبطال هنا ولا أحداث تستدعي النظر إليها، الجميع في البؤس سواسية.
 
كذلك فإن انتفاء العقدة المركزية في الرواية يسلط الضوء لا على الأحداث بل على صورة المجتمع ومصادر تهميشه والأيادي التي تلعب بأقدار أفراده. كما أن لانتفاء هذه العقدة علاقة مباشرة مع قيمة الفرد وقيمة مصيره في حياة البلدة. فالقيمة الملغية للأفراد يبرزها الكاتب بالقفز السريع على المصائر المتشكّلة فيما يتوقف طويلاً عند المواقف التي تهتم بكشف المستور وإيضاح الرؤية العامة للبلدة، لهذا نرى مصائر تحاك بسرعة إعجازية وبسهولة غير متوقعة. فتصبح جميلة ابنة نغم بلمح البصر وتمرقصة خيانة بهو بسرعة مرور إشاعة، كذلك الانتقال الفعلي لدمشق وعقدمصير جميلة لايحتاج سوى لبضعة أسطر،والأهم السرعة في إنجازعمليات القتل التي يقوم بها الجهاز الأمني داخل وخارج البلدة. وفي المقابل يسهب الكاتب في وصف الأسماء والحالات وبصائر وأفكار أفراد البلدة وحركة الإشاعات والفرضيات المحكية فيها.

في هذه الرواية القوية بلغتها وباختيار المفردة الضرورية دون غيرها، وبنقل الواقع حيوياً ونابضاً على الورق يعيد الكاتب سيرة البؤس الواقعي للكردي. لكنها سيرة تتغلب على بؤسها للحظات بفضل الميزات التي اختُصت بها البلدة دون غيرها، كقدرتها الخارقة في التحويرات وتأليف القصص ونسف الواقعي فيها والأهم جعل الإشاعات الوجه الآخر المُحكم لحياة أفرادها. إنها عامودا التي لا تتكرر.

تنتهي الرواية بما بدأت به وهي تسعى لأن تغلق علينا دائرة لم تتمكن تماماً من رسمها بشكلها الدائري المأمول. فنوقن من خلال تلك الدائرة غير المغلقة أن هناك شيئاً أكثر من الفردوس والجحيم في البلدة، هناك الكردي الضاحك الذي يسخر من كل الدوائر التي تُغلق عليه، ومن كل الحدود التي تردعه باحثاً عن مصير يشبهه هو، لا غيره.

• الرواية صادرة عن منشورات مسكيلياني وميارة في تونس 2017. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها