آخر تحديث:13:40(بيروت)
الإثنين 21/08/2017
share

خطاب الأسد بلا "دم العراقيين"

منال الشيخ | الإثنين 21/08/2017
شارك المقال :
خطاب الأسد بلا "دم العراقيين" من بطولة كمال الأجسام السورية التي أقيمت للمرة الأولى في "ملعب الجلاء" في المزة قبل أيام (غيتي)
كانت لحظة غريبة بالنسبة إليّ، أن أصادف هذا الكم من المنشورات العراقية الممتعضة والمستاءة والشامتة من خطاب بشار الأسد، الذي ألقاه في افتتاح مؤتمر وزارة الخارجية والمغتربين في دمشق. انقسمت المنشورات بين من أبدى استياءه بسبب عدم ذكر تضحيات "الفصائل العراقية"، التي قاتلت جنباً إلى جنب مع فصائل حزب الله وإيران وروسيا، والتي شكرهم بشكل خاص في خطابه. وبين منشورات شامتة في هؤلاء الذين كانوا ينتظرون منه كلمة شكر. شعرت بعض الجهات، بوقع هذا التجاهل على الكثيرين، فسارعت بتنشيط لجانهم الألكترونية بمناشير تبريرية للأسد يشرحون فيها لماذا "تجنب" ذكر الفصائل العراقية، ونسخت على حسابات باتت معروفة تنشط في أحداث مشابهة وتبث الكلام نفسه، مع بعض التحوير الطفيف، أحياناً.

رغم عدم تصريح الحكومة العراقية بشكل رسمي بمشاركة الفصائل العراقية في معارك سوريا دفاعاً عن نظام الأسد، إلا أنه لم يعد يخفى على العراقيين ولا على السوريين "تورط" هذه الفصائل في معارك، راح ضحيتها المئات من شباب العراق. غالبيتهم يتبعون توجهات وأحزاب دينية تجندهم تحت مسميات مثل الدفاع عن آل البيت والمذهب أو محاربة الإمبريالية و"الشيطان الأكبر"، ومعظم هؤلاء في مقتبل العمر ولا يعرف حتى كيف يلفظ أو يفهم ما تعني الإمبريالية. تواردت كثير من الأخبار المتسللة عبر الحدود إلينا، نحن العراقيين، أن بقية الفصائل كانت تستخدم "الفصائل العراقية" في مقدمة المعارك كي يكونوا واجهة لبداية عنف الضربة، إلى أن تهدأ ثم تتقدم هي بعد ذلك. وكثير من الأكفان عادت بصمت إلى أهلها وكثير منها لم تعد. كان وما زال موقف العراقيين إزاء مشاركة هذه الفصائل في معارك سوريا متباينة بين مؤيد ومحرض لها، وبين معارض للتدخل من باب أن هذا شأن داخلي ويرفضونهُ لأنهم ضد تدخلات الآخرين أيضاً في الشؤون العراقية. وبعضهم اتخذ موقف الحياد "السلبي" لمشاركة الفصائل، إذ لم تجرؤ بعض من "النخبة المثقفة والسياسية" لحد الآن على الانتقاد الصريح لهذه الحالة.

علاقة العراقيين بالسوريين عموماً كانت متوترة دائماً بسبب العلاقات السياسية بين البلدين، والتي اتضحت مع نشاط حزب البعث وحركة الضباط ثم انشقاق الحزب على نفسهِ. كانت العلاقات قلقة لسنوات طويلة بسبب خلافات على قيادة حزب البعث وتوحيد البلدين تحت حكم واحد، إثر حركة عبد الناصر حتى انقطعت تماماً عام 1979، عندما قام صدام حسين بإعدام قيادات في حزب البعث الاشتراكي، بتهمة تورطهم في مخطط لإسقاطه بالتواطؤ مع نظام حافظ الأسد. فلم تكن الحدود السورية العراقية مفتوحة بشكل طبيعي سوى لمن يريد الهرب وطلب اللجوء كمعارض لصدام. كذلك استقبل العراق مجاميع كبيرة من المعارضين السوريين للنظام، وخصص صدام لهم أحياء كاملة سميت باسم "حي السوريين". تواصل الفتور والقطيعة الصامتة بين البلدين حتى انضمت سوريا إلى قوات التحالف لطرد الجيش العراقي من الكويت بعد غزوه لها عام 1990.

لاحت في الأفق بعض الهدوء النسبي للتوتر بين البلدين مع رحيل حافظ الأسد واستلام بشار الأسد الحكم. وكانت هناك بوادر أو محاولات من الطرفين لاستعادة بعض العلاقات مهما كانت بسيطة وغير مؤثرة كثيراً. زاد قلق سوريا تجاه العراق بعد الاجتياح الأميركي عام 2003، وكان لنظام الأسد دوراً مباشراً في دعم "المقاومة العراقية" ضد الاحتلال. هذه المقاومة التي تحولت شيئاً فشيئاً سلاحاً "ارهابياً" موجهاً إلى الشعب العراقي، تحت مسميات مختلفة وعديدة. ومن مواقف النظام السوري تجاه العراق هو انتقاده عملية إعدام صدام حسين، اذ علق بشار الأسد شخصياً على ذلك في أحد حواراتهِ مع ABC News عندما قال: "لا أستطيع التحدث باسم الحكومة فلم نتخذ أي اجراء ضد ذلك، ولكن رأيي الشخصي أن صدام حسين كان سجين حرب فكيف قامت السلطات الأميركية بتسليمه إلى حكم سلطة جهة أخرى غير مستقلة، من وجهة نظر قانونية؟"

بعد فترة أبرمت اتفاقية بين الجهة العراقية والجهة السورية بإلغاء الفيزا للعراقيين وفتح باب التجارة والحركة بين البلدين. كان هذا الإجراء من أكثر الإجراءات التي أبهجت العراقيين عموماً، إذ صار بإمكانهم زيارة سوريا الجارة، التي سمعوا عنها ولم يروها، وكثير من العوائل العراقية استعادت علاقتها بأقاربهم، الذين تمتد جذورهم إلى سوريا بعد عقود من الانقطاع. لكن هذا الإجراء لم يكن مبهجاً على الدوام ولم يدم الفرح، إذ صارت بوابة الخروج والدخول من وإلى سوريا مرتعاً لتهريب كل أنواع البضائع والأسلحة والمجاميع "الإرهابية" المتدربة من شتى الجنسيات، حتى صارت شوارع المدن المجاورة للحدود السورية تشهد أشكالاً غريبة لم تألفها الناس. كان الفساد متفشياً بين ضباط الحدود وبإمكان أي حمولة أن تعبر مقابل بضع دولارات. عاد التوتر من جديد في العلاقات بتقديم الجهة العراقية شكوى مكتوبة لدى الأمم المتحدة متهمة فيها نظام الآسد بدعم هذه الجماعات الإرهابية، التي تنفذ العمليات الانتحارية والتخريبية في مختلف مدن العراق. إذ وصل نسبة العنف إلى أوجه بحلول عام 2008. ولم يتوقف حتى بعد اعلان انسحاب القوات الأميركية من العراق بشكل رسمي ونهائي عام 2011. لكن التقارب بين البلدين عاد مجدداً بشكل غير مفهوم بانطلاق ما يسمى "الربيع العربي"، إذ اتخذ كلا النظامين، العراقي والسوري، موقفاً سلبياً منه عندما بدأ في تونس ثم مصر وليبيا واليمن، ثم جاءت مؤيدة تماماً عندما انطلقت في البحرين. وهذا ما وضع النظامين في موضع شك من انحيازهم الطائفي للتحرك في المنطقة، وكان هذا واضحاً في استنفار الهمم داخل العراق للمضي في "الجهاد" في البحرين وسوريا.. وهذا ما حصل بالفعل.

تحاول الحكومة العراقية قدر الإمكان أن تنأى بنفسها من سلوكيات وتحركات الأحزاب والميليشيات التابعة لها، وهذا تجلى أكثر في خطاب حيدر العبادي دون أسلافهِ الذين سبقوه، ولكن لا ينفي دورهم "التخاذلي" في السماح لمثل هذه الميليشيات، بالتنامي في مجتمع متنوع الأعراق والأديان والمذاهب مما يسبب حساسية مفرطة وافتعال أزمات متتالية في الشارع العراقي. يحاول الكثير من العراقيين استعادة الثقة بدولة المؤسسات، لأن هذه هي رغبة الغالبية أن تحكمهم حكومة مؤسسات، متمثلة بقضاء مستقل وجيش وطني يحمي الحدود وسلاحه موجهاً لأعداء الشعب عموماً وليس للشعب، ولكن من يقترب من الواقع سيفقد الكثير من الأمل في تحسن الوضع قريباً واستعادة توازن الدولة كدولة. وهذا ما نستطيع أن نستشفه من ردود أفعال الغالبية المؤيدة والداعمة للميليشيات والحشد، إزاء "تجاهل" الأسد "تضحيات" العراقيين في سبيل نظامهِ، وكذلك الخطاب السائد حالياً مع انطلاق معارك تحرير تلعفر، تلك المدينة معقدة الطبيعة والفهم والمقسومة 50/50 بالضبط بين شيعة وسنة. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

منال الشيخ

منال الشيخ

كاتبة وشاعرة عراقية مقيمة في النروج