آخر تحديث:09:41(بيروت)
الأحد 23/07/2017
share

عن السينما المصرية و"ثورة" 1952

محمد صبحي | الأحد 23/07/2017
شارك المقال :
  • عن السينما المصرية و"ثورة" 1952
    القاهرة 30
  • صلاح أبو سيف
    صلاح أبو سيف

1

بعد 40 يومًا من استيلاء "الضباط الاحرار" على حكم مصر، أصدر اللواء محمد نجيب، رئيس الجمهورية، بيانًا إلى السينمائيين جاء فيه "إن السينما وسيلة من وسائل التثقيف والترفيه، وعلينا أن ندرك ذلك، لأنه إذا ما أُسيء استخدامها فإننا نهوي بأنفسنا إلى الحضيض وندفع بالشباب إلى الهاوية". وفي الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1952، كتب نجيب مقالًا في مجلة الكواكب، إحدى أشهر المجلات الفنية في مصر، مشيرًا إلى المعنى ذاته بأن "الفن قبل ثورة يوليو أخذ ملامح هذا العهد الذي سعت الثورة للقضاء عليه، حيث الميوعة والخلاعة سمات للمسرح والسينما والغناء". ورأى قائد الثورة في مقاله وندائه للسينمائيين أن "المجتمع لا يصحّ أن يقبل في ظل أهداف الثورة هذه الصورة من الفن"، حيث "لا يوجد فيلم إلا وأقحمت فيه راقصة".

هذا النداء، بعيدًا عن نبرته المحافظة والمتخلفة للغاية في رؤية الفن، يدلّ في حدّ ذاته على اهتمام رجال الثورة بالسينما كأداة للنظام من واقع التأثير على الجماهير، وفي دلالة حية على ذلك ترأس الضابط وجيه أباظة لجنة لترتيب اللقاءات بين السينمائيين لوضع تصور الدور السينمائي المصري في مرحلة ما بعد قيام الثورة. ولعل هذه اللجنة لاقت ترحيبًا "خائفًا" من أعضائها السينمائيين خشية بطش نظام صارت له مخالب، أو من وحي ثقافة مألوفة تهرول إلى إعلان ولائها بتملُّق الوجه الجديد النافذ في الحياة السياسية. ومع توالي اللقاءات، بدأت علامات نفاق النظام العسكري الجديد تظهر، فبعض السينمائيين أصرّ على ارتداء الزي العسكري أثناء حضور الاجتماعات، ولم يعترض على الالتقاء بممثلي السلطة الجديدة سوى المخرجين أحمد بدرخان ومحمد كريم وحسن رمزي، والأخير له عبارة شهيرة تلخّص حال السينما المصرية تحت شروط وإملاءات رجال الثورة يقول فيها "نحن شعب مرح وليس معنى الثورة أن ننتج أفلامًا حزينة".

المهم أن ذلك التملق ذاته الذي اعتمده بعض السينمائيين هو ما جعل وجه السينما ومضمونها غير متسق مع مضمون وأهداف يُفترض وجودها في ثورة حظت بالدعم الشعبي، أي تبرز فيها أولويات الحرص على إرساء الديمقراطية ورعاية حرية الرأي والتعبير والتعددية الحزبية. ولكن ما حدث من رجال الثورة كان عكس ذلك تمامًا، وبدورها عجزت، أو تعطًّلت، السينما عن تقديم قراءة موضوعية للظرف التاريخي في حينه واكتفت بالتهليل. حيث تمت معالجة الأحداث تاريخيًا، وماذا كنا وماذا صرنا في اتجاه واحد وهو تمجيد الثورة فقط والوقوع في غواية المثالية التي تفيض على كل ما يمت للثورة بصلة.

وإن لمس صنّاع السينما في الواقع المعيش، أي الواقع السياسي والاجتماعي والموازي للأحداث إبان المرحلة الجديدة لمصر الخمسينيات، أن أهداف الثورة السياسية التي حددتها في بيانها (القضاء على الإقطاع، والتخلص من الاستعمار، وإقامة عدالة اجتماعية، وتأسيس حياة اجتماعية جديدة، وتأسيس جيش وطني قوي)، كانت في طريق البداية لما ستصبح عليه بعد زمن، مجرد كليشيهات "يعلفون" بها تلاميذ المدارس في حصص التاريخ؛ فإن المعالجة السينمائية ظلت قاصرة على الملكية والاستبداد والإقطاع وتوحش رأس المال وقهر الفلاحين، حيث قدّم المخرجون السينمائيون أفلامًا انحصرت في تناول الأوضاع الاجتماعية والتقاليد والعادات دون الاصطدام بالسلطة الجديدة السائدة.

2

في كتابه "أطياف الحداثة: صورة مصر الاجتماعية في السينما"(المجلس الأعلى للثقافة، 2009)، يقترب الناقد عصام زكريا من معالجة السينما المصرية لبعض الأحداث التاريخية التي شكّلت نقاط تحوّل اجتماعي وسياسي في مصر، ومن بينها ثورة يوليو 1952. ويشير زكريا في كتابه إلى أن البيان الذي وجهّه رئيس الجمهورية إلى السينمائيين لم يتضمن حديثًا عن الثقافة ودور الفن في رفع مستوى الذوق الحضاري والحس الإنساني، بل دشّن مرحلة جديدة تكون فيها الثورة مثل "شيخ كُتاب" يجلس ممسكًا بعصاه ليحفظ التلاميذ ما يريد.


بعض "السينمائيين" استخدمتهم الثورة لتلميع صورة رجالها، مثلما حاولت استخدام كل شيء آخر، والبعض الآخر سمح للثورة بأن تستخدمهم.النموذج الأول خير دليل عليه هو الثنائي فطين عبد الوهاب مخرجًا وإسماعيل ياسين ممثلًا ومجموعة الأفلام التي قدّمت الأخير بطلًا في أفرع الجيش المختلفة، فتكون القصة المعتادة للفيلم حول شخصية مستهترة أو فاشلة، وتتغيّر حياته تمامًا بعد التحاقه بالجيش المصري، في تمثّل تعبوي ودعائي بامتياز للسيناريوهات الهوليوودية الركيكة التي يتحوّل فيه الشخص من خاسر(Loser) إلى رابح (Winner) لمجرد قيامه بمهمة ما. أول تلك الأفلام الدعائية حمل عنوان "إسماعيل ياسين في الجيش"، وكتب قصته الصاغ/الرائد عبد المنعم الصاوي وسامي داود، كما جاء في تترات الفيلم، ويعتبر هذا الفيلم هو أول فيلم يتم تصويره داخل ثكنات الجيش المصري.

أما المخرج الكبير صلاح أبو سيف فهو مثال على النموذج الثاني من السينمائيين الذين سمحوا للثورة باستخدامهم، فأبو سيف لم يتوقف في مشاريعه بعد الثورة عن التعبير عن حلم التغيير الاجتماعي، وتبنّى في أعماله فضح مساوئ النظام الطبقي غير الديموقراطي وآليات السوق وإلحاح الغريزة، كما أسهم في دعم النظام الاشتراكي، كما يوضّح زكريا. وهكذا، تحوّل أبو سيف ليقدّم بعد عام واحد من الثورة فيلمي "الأسطى حسن" و"الوحش"، بما احتويا عليه من نقد اجتماعي للطبقة الارستقراطية وإعلاء لقيم العمل والكفاح والالتزام. وبعد عامين، قدّم "شباب امرأة" ثم "الفتوة" الذي يحلّل البناء الداخلي للمجتمع الرأسمالي بعمق فني كان رائدًا في ذلك الوقت. وفي 1960، قدّم "بداية ونهاية" لنجيب محفوظ، الذي احتوى على دعاية ملتبسة لرجال الجيش في صورة ضابط الجيش الذي يجبر أخته، التي تعمل بالدعارة نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، على الانتحار.

لكن صلاح أبو سيف في النهاية واحد من المبدعين الأصليين، وصاحب عين فنية ذكية وناقدة، لذا لم ينجرّ إلى النهاية وراء الأحلام التي يسوّقها النظام، فاستدعى "العهد البائد" ليقدّم نقدًا لاذعًا للطبقة الحاكمة الحالية في "القاهرة 30"، قبل عام واحد من هزيمة حزيران/يونيو 1967، وعرج على تحليل بنى التسلّط السياسي والاجتماعي واستغلال الدين في "الزوجة الثانية"في عام الكارثة نفسه. ليأتي فيلم "القضية 68"، الذي أخرجه في العام التالي للهزيمة، ليكتب قصة النهاية لأحلام التغيير والاندفاع بعد ذلك إلى الإحباط واليأس، حيث تعرّض الفيلم لضربات رقابية موجعة وفشل تجاريًا ونقديًا، ربما لأنه أول فيلم تقريبًا يتناول الهزيمة وربما لأن مواجهة الحقيقة تكون صعبة حين تأتي من داخل المعسكر نفسه.

ارتكز "القضية 68" على فكرة أساسية تنادي بـ"ضرورة هدم البناء لإعادة بنائه على أسس سليمة"، مستخدمًا المجاز ذاته الذي لطالما ألحّت عليه الأعمال الفنية المحسوبة على النظام، حيث يكون البلد هو البيت المتين الأساس القائم والثابت بفضل حكمة ورشاد أولي الأمر، وهي صورة وليدة بالأساس من تصوّر سلطة الثورة نفسها التي اتخذت من بنائين عملاقين مثل برج القاهرة والسد العالي رمزية على شموخها وعلو مكانتها طولًا وعرضًا. في الفيلم، تأتي مصر في صورة بناية تتسع الشروخ في جدرانها، دون قدرة سكانها على معالجة الصدع المتزايد، لتنهار في النهاية على يد مقاول فاسد.


3

أنشأ النظام المصري عددًا من المؤسسات الثقافية والفنية في الخمسينيات، مثل مؤسسة دعم السينما والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية والمعهد العالي للسينما، بهدف إعداد الكوادر السينمائية الجديدة القادرة على حمل رسالته وتسويقها؛ ولكن ما حدث على المستوى السياسي كان له صداه على الحياة السينمائية. حيث صدرت القرارات بحلّ الأحزاب في 18 كانون الثاني/يناير 1953، واستولدت السلطة الحاكمة في مصر منظمات سياسية ضربت الديمقراطية في العمق، وتأكدت مركزية السلطة، وأصبح اتخاذ القرار حكرًا على رئيس الجمهورية والحلقة المحيطة به من ضباط وصحفيين صغار في السن. هذه المقدمات مهّدت لظهور"سينما الخوف"، التي ابتعدت عن تناول معطيات حاضرها بالإدانة او النقد أو حتى بالتحليل الموضوعي، خشية الاصطدام بالنظام العسكري والذهاب إلى "ما وراء الشمس".

وفي مشاهد باهتة وساذجة، جاءت نهايات بعض الأفلام "المسلوقة" المعدّة لتتفق والعهد الجديد، حيث استعاد محمد كريم فيلمه "زينب"، في نسخته الناطقة، بمشهد دخيل على الفيلم الأصلي تؤكد فيه البطلة المريضة (راقية إبراهيم) توجهها لتلقي العلاج في الوحدة الصحية الجديدة التي أنشأتها الجكومة. ولا تزال العفاريت رغم "العهد الجديد" ثقافة مصرية تحدد مصير البشر حتى في واقعه المأمول، حيث يعرض حسين فوزي فيلمه "عفريت عم عبده" بعد الثورة بنحو 6 أشهر،مضيفًا لنهايته مشهدًا يتنبأ فيه عفريت عم عبده، عاشق الصحافة والمغرم بتحضير الأرواح، بأن ثورة عظيمة ستندلع في مصر. حتى أن فيلمًا كوميديًا لا علاقة له بالثورة لا من قريب ولا بعيد مثل "الحموات الفاتنات"، الذي عُرض في تشرين الأول/أكتوبر 1953، سيقدّم في نهايته أغنية كوميدية يؤديها إسماعيل ياسين وكمال الشناوي وماري منيب وكاريمان على إيقاع ووزن أغنية ليلى مراد "الاتحاد والنظام والعمل"، وهو الشعار الذي رفعته ثورة يوليو.

وفي موسم 1954 ظهرت موجة أفلام درامية طويلة يتقمّص فيها ضابط الجيش دور البطولة، فلا أحد ينسى الجملة الشهيرة الموجهة لـ"على ابن الجنايني" (شكري سرحان) في "رد قلبي": "إنت من الأحرار يا علي". والمفارقة أن شخصية علي كما قدّمها الفيلم جاءت مثالية في تعبيرها عن ذلك "السوبر مان" ابن الثورة، فعلي هو الفاعل والمفعول به، والعاشق والمحبوب، الضابط الفقير وبطل المصارعة، و"من الأحرار"، والذي تحبه راقصة احترقت جزاءً لها على قطيعة أحدثتها بينه وبين إنجي، ابنة الإقطاع التي استطاع علي أيضًا بقدراته العاطفية الخارقة -بفضل الثورة طبعًا- أن يثنيها عن رحيلها مع أخيها الذي جاء من الزمن الفاسد ولا يزال يحمل آثاره. علي هو "كومبو" رجل الثورة، الذي سيكون بطلًا لمشاهد طويلة مثيرة للحزن، وللسخرية في أفضل الأحوال، على هذا التناول الذي يسيء فنيًا لثورة ضباط الجيش على الحكم الملكي أكثر مما يشيد بها.

والسؤال الذي يلحّ فارضًا نفسه بعد مرور كل هذه السنوات على "الثورة": هل حقق هذا الرصيد الهائل من الأفلام نداء اللواء محمد نجيب، وهل اتفقت هذه الأفلام بالفعل مع الثورة وأهدافها المعلنة؟ لا نجيب بقدر ما يجيب واقعنا السينمائي، ففي أيامنا الحالية الشبيهة للغاية بفترة ما بعد الاستعمار في الخمسينيات، إجابة بليغة عنه، وعن أمور أخرى.

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها