آخر تحديث:15:10(بيروت)
الخميس 20/07/2017
share

قصص مازن معروف: مَنْطِق الحرب الطفولي

طارق أبي سمرا | الخميس 20/07/2017
شارك المقال :
قصص مازن معروف: مَنْطِق الحرب الطفولي لم يتبادر إلى ذهن أحدهم تصنيف القصص في خانة أدب الحرب الأهليّة.
قد يبدو قَوْلُ ذلك غريباً عجيباً، إلا أن قصص مازن معروف القصيرة من أفضلما كُتِب عن الحرب الأهليّة اللبنانيّة. صحيح أن الكثير من النُقّاد، بل ربّما جميعهم، قد تناولوا موضوع الحرب بطريقة أو بأخرى في مُراجعاتهم لهذه القصص، إذ لم يكن ثمَّة مهرب من ذلك؛ لكن على حدّ علمنا، لم يتبادر إلى ذهن أحدهم تصنيفها في خانة أدب الحرب الأهليّة.

لعلّ أحد أسباب هذا الإغفال أن مازن معروف فلسطيني؛ أو أنه، هو المولود في بيروت عام 1978، بالكاد كان قد بلغ سنّ المُراهقة عند انتهاء النزاع المُسلَّح العام 1990. لكن في ظنِّنَا أن السببَ الأساس أسلوبُه الكتابي المشحون بغرائبيّةٍ هي على نقيضٍ من التصوير الواقعي المعهود للحرب.

***
في مجموعته القصصيّة الثانيّة "الجرذان التي لَحَسَت أذُنَيّ بطل الكاراتيه" (منشورات المتوسط، 2017)، يُتابع مازن معروف ما كان قد بدأه في مجموعته الأولى "نُكات للمسلَّحين": روايةُ الحرب الأهليّة اللبنانيّة من منظور أطفال. لكنّهم أطفالٌ يبدون للوهلة الأولى أشراراً، ساديّين وحتّى معتوهين. بطل وراوي قصّة "جلو" مثلاً، هذا الطفل الذي يثقب أذنيّ جَرْوه الصغير بخرّامة الورق كلّما شعر بالضياع أو بالإكتئاب، ويطلب كهديّةٍ لعيد ميلاده، مُرافقةَ والدته إلى السجن الذي تعمل فيه وحيث هي مُكلَّفة بتعذيب النساء، لكي يجلد هناك أطفالاً مساجين؛ فينال مُبتغاه. لكن بعد جلسة التعذيب الأولى، يتحوّل الجلد إلى لعبة، إذ يَستبدِل بَطَلُنا السوطَ بآخرٍ من الورق يروح يُدغدِغ به الأولاد في الزنزانة مرّة في الأسبوع، ثم، قبل أن يُغادر عائداً إلى منزله، يُطعمهم بعضاً من بودرة الجلو. إلا أن العريف المسؤول عن السجن يموت وهو يتقيَّأ، ثمّ تُفجَّر جثّته بعبوة ناسفة، فيهرب الأولاد من زنزانتهم ويغتصبون الراوي بطريقة لا يمكن وصف شناعتها في هذه المقالة. في نهاية المطاف، يرجع الراوي إلى بيته حيث يحاول أن ينتحر عبر إدخال رأسه في إبريق ممتلئ بالجلو.

مُختزَلة هكذا، تبدو هذه القصّة كاريكاتوريّة. وهي فعلاً كذلك، إذ تُشبه فيلم رسوم مُتحرِّكة مَنْطِقه طفولي، غير أنّ مضمونه للراشدين فقط. هذه المُفارقة تنطبق على جميع حكايات مازن معروف، حيث ثمّة جنّيات، ودبدوب يُحلِّق في غرفة، وكلبٌ يتحوّل إلى عيدان كبريت، لكنّ ثمّة أيضاً مُسلَّحون، وقتل وسحل وتعذيب، وقصف وتفجير. إلا أن هذين العالمَيْن، عالم الطفولة الساذج وعالم الكبار الحربي، غير منفصِلَين بتاتاً في القصص، بل مُتداخلان للغاية واحدهما بالآخر حدّ أنهما يُشكِّلان عالماً ثالثاً له مَنْطِقه وقوانينه الخاصّة، وحيث الأطفال أشبه بمُسلَّحين مسعورين، مهووسين بالحرب يتمرّنون عليها في ألعابهم؛ بينما المُسلّحون أشبه بأطفال معتوهين متوحّشين، يلهوون بالقتل والتعذيب وكأنهما مجرّد لعبة.

الميليشياوي المُلقَّب بـ"كرم الهامستر" نموذجٌ عن هؤلاء المُقاتلين ذي التصرّفات وطريقة التفكير الطفوليّة. وكرم هذا قد اكتسب كنيته لأنه يملك فأر هامستر لا يفارقه ويبقى ممسكاً به في قبضته خلال كلّ المعارك التي يخوضها فيما يُطلق النار بيده الأخرى من رشاشه الروسي. "إما نحيا سويّاً، أو نتعفَّن سويّاً"، يقول كرم لفأره قبل أي اشتباك، مُذكِّراً رفاقه أنه في حال تعرّض لإصابة بالغة، عليهم مساعدته في ابتلاع الهامستر، إذ يجب أن يكون حيوانه في بطنه عندما يُدفَن. وبعد انتهاء كلّ معركة، يفتح كرم قبضته مُطلقاً سراحَ فأره الذي يشرع  حينها بالتهام جلد ولحم أصابع جرحى العَدُوّ، فيموتون من دون بصمات.

***
إن تلخيصاً كهذا لا يعطي قصص مازن معروف كامل حقّها، فغرائبيّة أسلوبه لا تقتصر على الحبكة أو رسم الشخصيات، بل تصبغ جميع مُكوِّنات النصوص، من الوصف إلى السرد، مروراً بالتشابيه والكنايات. وبالرغم من هذه الغرائبيّة المُتفشيّة، بل ربمّا بسببها، يتملّك القارئ شعورا مُتناقضا، غامضا ومبهما بعض الشيء، ألا وهو أن عوالم هذه القصص مألوفة لديه وغريبة عنه في الوقت ذاته. وكأن هذا التصوير الغرائبي للحرب الأهليّة أكثر واقعيّة من تصويرها الواقعي المُعتاد.

غالباً ما توصف الحرب بالعبثيّة، حدّ أن هذا النعت أضحى نوعاً من الكليشيه. والمقصودُ بالعبثيّة هذه، طبيعةُ الحرب الكابوسيّة، حيث تتبدّل معاني الأشياء التي تصير عندها مُريبة، مُقلِقة ومُفزِعة، فيتهيّأ لنا أن كل ما يحدث لا يحكمه أيّ منطق. غير أن للمنامات منطقها، الأقرب إلى منطق الطفل منه إلى منطق الشخص الراشد. وربما لا شيء أشبه بجلّاد أو ميليشياوي يقتل ويُنكِّل ويُعذِّب، من طفلٍ يلهو بسحق نملات بإصبعه، أو برمي حجارة على قطٍّ صغير. لذا نرى أن جميع أطفال مازن معروف ميليشياويون يملكون جسداً صغيراً، مثلما جميع ميليشياوييه أطفالٌ أودعت أرواحهم في جسدٍ بالغ. وهنا، صار يمكن تعريف غرائبيّة أسلوبه بدقّة أكبر: هي مُحاكاة أو تمثيل لمُخيّلة الأطفال، هذه المخيّلة العابثة والسحريّة، العنيفة والمتوحِّشة أيضاً، والتي تتشرّب كل ما يحيط بها لتقلب معناه رأساً على عقب، بل لتمسخه أحياناً. إنها في الوقت عينه، منبت حكايات الجنيّات الخرافية، البريئة والساذجة، ومنبع فظائع الحرب. لكن ليس الحرب بما هي تخطيط عسكري واستراتيجي طبعاً، بل بما هي لهو ونشوة وسط الحطام والأشلاء المُتطايرة، وابتكار حقّاً خلّاق، لأساليب إلحاق الألم ونشر الموت.

أقل ما يُقال عن مازن معروف، أنه يتمتّع بمخيّلة فريدة من نوعها إلى أقصى الحدود، أتاحت له إعادة خلق منطق الأطفال وإظهار أوجه الشبه بينه وبين منطق الحرب. وبهذا يكون قد أضاء على أحد الجوانب المُعتمة لظاهرة الحرب الأهليّة، مُبرهِناً أنه لا يمكن استهلاك واستنفاد أي موضوع أدبي، مهما كثُرت الكتابات عنه، إذ ثمّة دائماً أساليب جديدة أو مُغايرة للتطرّق إليه، قد تكشف أموراً لا تزال مستورة حتّى الآن. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها