آخر تحديث:12:41(بيروت)
الجمعة 30/06/2017
share

الكتاب الفارغ... حقيقة اسرائيل نفسها

محمد حجيري | الجمعة 30/06/2017
شارك المقال :
  • 0

الكتاب الفارغ... حقيقة اسرائيل نفسها تريد اسرائيل محو الذاكرة الفلسطينية وتحاول اختراع تاريخ يناسب وجودها
يوماً ما أورد الشاعر الراحل بسام حجار في كتابه "مديح الخيانة"، نقلاً عن كتاب "العين والابرة" للناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو، تلخيصاً لقصة "سر الكاتب" للكاتب الايطالي الراجل دينو بوزاتي. إذ يسر الكاتب قبيل وفاته الى ورثته، بأنه خلّف عملاً أدبياً هو صفوة ما توصل إليه في حياته الابداعية. واذ يعثر الورثة على هذا المؤلف بعد وفاة الكاتب، يجدون انه عبارة عن 12 ملفا يحتوي كل منها على مئات الاوراق البيضاء، ويكتب كيليطو مفسراً: "ذلك أن الكتاب الحقيقي يرتبط ارتباطا مباشراً ببياض الكفن حيث زوال العلاقة، وتعليق المعنى، البكم المطلق للموت"، أما الكتب المكتوبة فهي مزيفة، لأن "الكتب الحقيقية" غير مكتوبة.

كان الحديث عن الكتاب الأبيض او الفارغ نوعاً من التأويل لمعنى الأدب والسرد وحكايات ألف ليلة وليلة، وكان يستعمل في إطار محاكاة الأعمال الإبداعية، وفيه شيء من الفتنة الأدبية من خلال القراءة. لكن، موقع "أمازون" عرض كتاباً حديثاً بعنوان "تاريخ الشعب الفلسطيني: من العصور القديمة إلى العصر الحديث" لمؤلف إسرائيلي اسمه اساف وول، للبيع، والملفت أن الكتاب أضحى يتصدر قائمة المبيعات في خانة الكتب المتعلقة بالصراع الإسرائيلي- الفلسطيني (يا للتفاهة). ورغم أن معظم التعليقات على الكتاب تقول إنه بحث معمق ويستند إلى دراسة طويلة، إلا أن الحقيقة مغايرة. فالكتاب الذي يقع في 120 صفحة، فارغ الصفحات، ووراء نشره خدعة حبكها إسرائيلي أراد إيصال رسالة مفادها أن الشعب الفلسطيني مثله مثل الكتاب، خدعة. هي خدعة مارقة تفوح منها رائحة الايديولوجيا والعداء. طالما استعملت الخدعة في الوسط الثقافي، سواء من خلال تمثال مزيف، أو مقال يتضمن مصطلحات مفبركة ويدعي صاحبها أنها مفاهيم ما بعد الحداثة ويصدقها القراء والنقاد باعتبار أننا في زمن الألغاز والطلاسم. تبقى الأمور هينة عن هذا الحد، هي لحظات ثقافية، نعيشها ونستهلكها ونكتب عنها. مع الكاتب الاسرائيلي المخادع والمارق، هناك كم من الاستفزاز والجموح نحو الغاء الآخر، والأمر لا يتعلق بعمل فني أو أدبي، إنه أيديولوجيا لها مؤسساتها وقنواتها ومخاطرها، تسعى دائما الى ترويج كل الادوات التي تساهم في ترسيخ استعمار فلسطين. قال مؤلف الكتاب، إنه قرر تأليف كتاب فارغ الصفحات عن الفلسطينيين لأن تاريخ الفلسطينيين، حسب أقواله، فارغ.

لا نريد العودة الى تداعيات الكتاب وما حصل في موقع "أمازون" الذي أزال الكتاب، لكن ما يمكننا قوله إن الكاتب الاسرائيلي ليس إلا جزءاً من منظومة صهيونية تريد ان تطبق مقولة فلسطين أرض بلا شعب. وما أراد الكاتب الاسرائيلي قوله، وما يحمله من استفزاز وسخافة، في الواقع ينطبق على اسرائيل أولا، التي تريد محو الذاكرة الفلسطينية وتحاول اختراع تاريخ يناسب وجودها، تبدل اسماء الأمكنة وكتب التاريخ، وحتى المطبخ العربي الفلسطيني هدفاً للسطو الإسرائيلي، فجيرت "إسرائيل" لنفسها العديد من الأكلات العربية الفلسطينية، الشامية والمغربية، فراحت تجوب العالم وتقول إن الحمص والفلافل والمقلوبة هي أكلات إسرائيلية. حتى القمباز والزي الفلسطيني والكوفية كان لهم نصيبهم من السطو... ونشر موقع أميركي مجموعة من الصور القديمة، تحت عنوان "صور لا تصدق.. لا تريدك إسرائيل أن تراها"، متضمنة لقطات تظهر فلسطين القديمة، وسكانها الحقيقيين، حيث تظهر الصور بما لا يدع مجالاً للشك أن جذور الفلسطينيين ضاربة في أرضهم. وذكر الموقع أن هذه الصور لا تريد إسرائيل أن يراها العالم، حيث تكشف الصور أن فلسطين كانت بأكملها فلسطينية الهوية بكل معنى الكلمة.

"الكتاب الفارغ" هو حقيقة إسرائيل نفسها... سبق للمؤرخ الاسرائيلي شلومو ساند ساند، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب أن قال في كتابه "اختراع الشعب اليهودي" إن اليهود لم يكونوا في يوم من الأيام قومية واحدة أو شعبا واحدا، كما أنهم لا ينتسبون إلى عرق واحد. بل يعتقد أيضا أن فكرة الوعد بعودة الأمة اليهودية إلى الأرض الموعودة هي فكرة غريبة تماما على اليهودية، وأنها لم تظهر إلا مع ميلاد الصهيونية في القرن التاسع عشر، حيث تعامل اليهود من قبل مع الأراضي المقدسة كأماكن يتم تعظيمها وليس من الضروري العيش في كنفها تماما مثلما يتعامل المسلمون مع أماكنهم المقدسة. شلومو ساند الذي مس بأهم "المحرمات عند اليهود"، يجادل بأن اليهود لم يتعرضوا أبدا للنفي من الأرض المقدسة، ذلك إن معظم يهود العالم اليوم ليس لهم أي ارتباط تاريخي بالأرض المسماة "إسرائيل" مستندا في ذلك إلى أبحاث ودراسات تاريخية وأركيولوجية آثرية مكثفة.

وفي تقديمه للجزء الثاني من الكتاب وهو بعنوان "اختراع أرض اسرائيل"، كتب أنطوان شلحت: إن الوقائع التي يوردها ساند، شأنها شأن الاستنتاجات التي يتوصل إليها، توسّع دائرة الضوء كثيراً حول الأراجيف التي لجأت الحركة الصهيونية. وقد تمثل الهدف الأهم من وراء الترويج لتلك الأراجيف في الإقناع بأن هذا "الوطن" (فلسطين) يعود إلى "الشعب اليهودي" وإليه فقط، لا إلى أولئك "القلائل" (الفلسطينيون) الذين أتوا إليه بطريق الصدفة ولا تاريخ قومياً لهم، وفقاً لمزاعم الحركة الصهيونية.

الكتاب الفارغ وان كان اشبه بمفرقعة انتهت، لكن له شبحيته الدائمة....
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها