آخر تحديث:10:32(بيروت)
الأحد 07/05/2017
share

السينما والأدب.. الخيانة هي الحل!

أسامة فاروق | الأحد 07/05/2017
شارك المقال :
  • 0

  • السينما والأدب.. الخيانة هي الحل!
    السينما المكسيكية اقتبست روايتين لمحفوظ
  • وردة بيضاء
    وردة بيضاء
مع النجاح الكبير الذي حققه فيلم "هيبتا" في صالات العرض المصرية، ذهب منتج ليشترى كل الروايات التي حققت مبيعات عالية باحثا عن نجاح مماثل في شباك الإيرادات، لكن البائع أخبره أن منتجا آخر قد سبقه وأخذ النسخ الأخيرة من ثماني روايات هي الأعلى مبيعا في السوق.

الموقف السابق الذي انتشر كدعابة في الوسط الثقافي المصري في سياق السخرية من النجاح  الكبير للفيلم، أكده المخرج أمير رمسيس بل أشار إلى المنتج صاحب الواقعة قائلا إنه معروف بأفلام العيد التي يهاجمها الجمهور والنقاد لسوقيتها.

مقال رمسيس الذي جاء ضمن ملف مهم عن العلاقة الملتبسة بين السينما والأدب في العدد الجديد من مجلة "الفيلم"، اعتبر أن السينما المصرية ربما تدخل "مرحلة" جديدة بعد "هيبتا" حيث إنه من المعروف عالميا أن هناك نوعاً من الأدب المكتوب وعينه على السينما كوسيط، مثل سلسلة دان بروان على سبيل المثال مع روبرت لانغدون التي تحولت ثلاث روايات منها إلى أفلام للسينما، وقال إن السينما المصرية لم تلتفت لمثل هذه النوعية إلا بعد النجاح الكبير الذي حققه "هيبتا" الرواية والفيلم.

يصدق رمسيس مقولة "من السهل أن تصنع فيلما رائعا من رواية متوسطة ولكن يصعب جدا أن تصنع فيلما جيدا من رواية رائعة" ويضرب المثل بفيلم "الحكاية التي لا تصدق لايرنديرا البريئة وجدتها القاسية" فرغم إن كاتب السيناريو هو نفسه صاحب القصة "ماركيز" إلا أن مخرج الفيلم برأي أمير لم يستطع محاكاة سحر عالم ماركيز وأجواء الواقعية السحرية التي اشتهر بها، معتبرا أن التزام المخرج بالنص كان بمثابة "اغتيال" للفيلم.

أمثلة هذا الإخفاق كثيرة منها رواية "العمى" لساراماغو، و"العطر" لزوسكيند، فالرواية التي يلعب الوصف فيها دور البطولة، كانت صعبة التنفيذ على الشاشة، "يكفي أن تغمض عينيك وتردد الكلمات في ذهنك، حتى تتسلل تلك الرائحة إلى أنفك، وهو ما نجح فيه زوسكيند في الرواية، ولكن يصعب أن تصل لنفس الحالة في فيلم يستعرض بصرياً في كل لحظة ويحاول أن يفرد عضلاته ليقول "أنا أقوى من الرواية"، "أنا ميت عتريس في بعض" كجمل الراحل أحمد توفيق في فيلم شيء من الخوف".

الوصف يبدو كسلاح الرواية في مواجهة الفيلم، وهو ما تحاول سلمى مبارك أن تحلله في دراسة مركزية ضمن الملف، درست فيها سينما صلاح أبوسيف ووجدت أن المقاطع الوصفية الخالصة لا تتواجد كثيرا في السينما التي يقدمها، باستثناء بدايات الأفلام، تقول إنه استخدم الوصف بحذر وكثيرا ما ضفره بالسرد، فالطبيعة التأملية للمشاهد الوصفية، التي يختفي فيها الحدث الدرامي، ويتوارى معها الحوار، بينما يتقدم البعد البصري، تبدو مخالفة لطبيعة الصورة المتحركة، وبالتالي فإن استخدامها بكثرة في السينما هو أقرب إلى كسر الإيهام بالواقع منه إلى خلق الإيهام بالواقع، على عكس الحال في الكتابة الأدبية.

لذا بالعودة إلى أمير رمسيس نجد أن خيانة النص الأدبي أحيانا تكون من حسن الفطن. يشير رمسيس إلى نموذجين مصريين، داوود عبد السيد في "الكيت كات" ويسري نصر الله في "باب الشمس" فالمسافة التي اتخذها كل منهما من الرواية ومحاولتهما عمل سرد سينمائي مستلهم منها وليس مقتبسا ببساطة أحداثها هي المعادلة التي يمكن من خلالها تحقيق النجاح في أي اقتباس.

الاقتباس كان محور مقال وليد الخشاب، يناقشه وفق فرضية أعمق ترى أنه –الاقتباس- كان أحد الأشكال الرئيسة لعلاقة العرب بالحداثة الغربية ومنتجاتها، بما فيها علاقة السينما العربية بالآداب الغربية، التي كانت النموذج الذي تأسست عليه علاقة السينما بالأدب العربي أيضا "فعملية نقل الحداثة من أوروبا إلى العالم العربي يمكن وصفها في مجملها بأنها عملية اقتباس.. وما اقتباس السينما إلا واحدا من معالم كثيرة لعملية اقتباس شاملة لمنتجات الحداثة الغربية".

وفق هذه الرؤية يقول الخشاب إن علاقة السينما بالأدب كانت بالأساس علاقة اقتباس، بالذات خلال نصف القرن الأول من عمر السينما الروائية في العالم بشكل عام، وفي العالم العربي على وجه الخصوص، والاقتباس كما يقول ليس فقط بمعنى تحويل عمل من ثقافة غربية إلى ثقافة عربية، بل أيضا بمعنى تحويل عمل من وسيط معين (الرواية، الكتاب المطبوع) إلى وسيط آخر (الفيلم، العالم السمعي البصري).

يلخص الخشاب الأفكار التي يطرحها في ثلاث نقاط، أولها أن الاقتباس هو عملية من عمليات "النقل"، نقل أفكار من الغرب، أو نقل قصص تحمل هذه الأفكار وتلك الحداثة. ثانيا شاءت المصادفة التاريخية واللغوية أن تكون كلمة الاقتباس في حد ذاتها تعبيرا حرفيا عن مفهوم التنوير، لأن الاقتباس في لغة العرب القدماء معناها أخذ طرف من النار لإشعال نار أخرى.

وأخيرا صار "الاقتباس" بالتالي وسيلة، ليس فقط لنقل الحداثة إلى العرب، بل لإعادة تأليف التراث العربي وتوفيقه مع هذه الحداثة "استخدم المثقفون العرب في بدايات القرن العشرين كلمة تعود إلى بدايات ظهور اللغة العربية "الاقتباس" ليعبروا بها عن ممارسة شديدة الجدة على عالمهم الحديث، ألا وهي إعداد عمل روائي غربي للمسرح أو السينما في العالم العربي".

ما يؤكد عليه الخشاب على امتداد مقاله هو أن السينما العربية لم تكن تقتبس عن الغرب لمجرد أنها تنقل منتجات غربية مثل السينما في حد ذاتها، أو خطوط الملابس وذوق العمارة، لكن أيضا بوصفه ضاما للقيمة الفنية، "لذلك لم يتوقف الاقتباس حتى بعد أن تمرس العديد من السيناريست والمخرجين العرب على الكتابة مباشرة، لأنهم كانوا عادة ما يستلهمون مصادر غربية دون اقتباس مباشر، ولأن لجوءهم في بعض الأحيان إلى الاقتباس كان ركوناً إلى مصدر مضمون لعمل ذي قيمة، تماما كما يستورد العرب سياراتهم من الغرب ضماناً للجودة، حتى لو كان هناك سيارات محلية الصنع".

العكس يحدث أحيانا، لكن ربما ليس بالقدر الكافي الذي يمكن من خلاله قياس الأثر، كما حدث مثلا حين تحولت بعض أعمال نجيب محفوظ لأفلام في الغرب. في مقالها عن العلاقة بين السينما المصرية والعالمية، رصدت بسنت الخطيب أعمال محفوظ التي ظهرت على الشاشات العالمية، ومنها رواية "اللص والكلاب" التي تحولت الى فيلم بعنوان "اعتراف" في أذربيجان، اختار الخطوط العريضة للرواية بجميع شخصياتها الرئيسة تقريبا، ولكنه جاء بعيدا عن روحها كما تقول بسنت "مشاهد طويلة صامته خالية من أي تعبير، وحوار طويل لأكثر من مرة مع رجل الدين".

السينما المكسيكية اقتبست روايتين لمحفوظ هما "بداية ونهاية" في فيلم ظهر بالعنوان نفسه عام 1993 للمخرج ارتورو ريبستين، ورواية "زقاق المدق" في فيلم قدمه المخرج جورجي فونس عام 1995 باسم "زقاق العجايب" وقامت ببطولته سلمى حايك.

وهي في مجملها اقتباسات كان لها ظروفها الخاصة نظرا لانتشار اسم محفوظ بعد حصوله على نوبل، وافتتان زوجة المخرج بالرواية!

في فيلم "شباب امرأة" حدثت مفارقة وحدث نادر أيضا، هو أن تحول فيلم إلى رواية، فالقصة التي أنجزها المخرج صلاح أبوسيف، بالتعاون مع الكاتب أمين يوسف غراب لكي تكون قصة سينمائية، أنتج بالفعل وعرض عام 1956، وحقق نجاحا جماهيريا كبيرا شجع الكاتب أمين يوسف غراب على تحويل قصة الفيلم إلى رواية تحمل العنوان نفسه صدرت بعد عامين من عرض الفيلم.

الفروق بين الرواية والفيلم رصدها إسلام أنور الذي خلص إلى أنه رغم ما يبدو في هذه الحادثة من مفارقة، كان يمكن أن تمنح للرواية مساحة كبيرة من التجريب والخروج عن القصة المألوفة الكلاسيكية للفيلم، إلا أن الكاتب أمين يوسف غراب قرر أن يحافظ على المعالجة الدرامية لقصة الفيلم، مع إضافة بعض الشخوص والأحداث لكي تمنح الرواية مساحة من التطور والسرد الزمني الأطول والأكثر تفصيلا في رصد المتناقضات بين عالمي الريف والمدينة، والتغيرات التي تحدث لشخصية البطل مع مرور الزمن والانتقال من مرحلة عمرية ومن بيئة لأخرى.

(*) مجلة "الفيلم" يرأس تحريرها سامح سامي، وتصدر عن جمعية النهضة العلمية والثقافية جزويت القاهرة. والملف يقدم بمشاركة  شبكة "آمون" للباحثين في الأدب والسينما بجامعة القاهرة.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها