آخر تحديث:12:01(بيروت)
الأربعاء 29/03/2017
share

"أنا لست زنجياً تملكه".. كأن الستينات لم تأفل!

رائد الرافعي | الأربعاء 29/03/2017
شارك المقال :
  • "أنا لست زنجياً تملكه".. كأن الستينات لم تأفل!
    بالدوين ومارتن لوثر كينغ
  • جيميس بالدوين
    جيميس بالدوين
  • مالكوم اكس
    مالكوم اكس
في حديث ملفت أمام الكاميرا، يفند جايمس بالدوين، أحد أهم المفكرين الأميركيين حول مسألتي الهوية والعرق، مفهوم "الزنجي" ‪(‬Negro‪)‬. في تلك المادة الأرشيفية التي تعود إلى العام 1963، أي في خضمّ معركة السود في الولايات المتحدة للحصول على كامل حقوقهم المدنية بعد قرون من الإستعباد، يقول بالدوين إنّ على البيض التمحيص في تاريخهم والتعمّق في نفوسهم لفهم سبب إختراعهم لمفهوم "الزنجي". وهو بذلك يرفض كأفريقي-أميركي أن يكون الضحيّة، إذ يرى أن الموقع الإنساني الذي فُرض على السود عبر العصور في أميركا ليس إلّا نتاجاً لهواجس ومخاوف خاصة بالبيض وليس للسود أية علاقة بها. في نضاله الطويل لتغيير المجتمع الأميركي الذي بقي (ولا يزال) يصارع مع رواسب عهود العبودية طوال القرن العشرين، كان بالدوين يواجه محاولات البيض لغسل أيديهم من مسؤولية تاريخ الولايات المتحدة القاتم في هذا الخصوص، بل وقيام البعض بلَوم السود على أحوالهم الإقتصادية والإجتماعية السيئة حتّى بعد إلغاء القوانين العرقية.  

"أنا لست زنجياً تملكه" ‪،(‬I Am Not Your Negro‪)‬ فيلم تسجيلي من إخراج رؤول بيك، يُعرض حالياً في صالات نيويورك، وهو من أهم الأفلام الوثائقية الحالية، ويعود إلى أفكار وأقوال بالدوين (الذي توفي العام 1987) والتي لا تزال تعبّر بشكل عميق عن الوضع الحالي في الولايات المتحدة، من حيث العلاقات المعقّدة بين السود والبيض. فحتّى اليوم لا تزال نسبة السود في السجون الأميركية مرتفعة بشكل كبير جداً مقارنةً بالأعراق الأخرى ولا يزال تعاطي الشرطة العنيف مع السود في الأحياء الفقيرة في المدن الأميركية مؤشراً إلى أنّ التفكير العنصري ما زال حيّآً في النفوس. ونستذكر هنا المواجهات الدامية التي بدأت في فيرغسون في العام 2014 بعد قتل شاب أسود على يد شرطي، ما أنتج حالة غضب في أرجاء البلاد، وأنتج حركة إجتماعية ونضالية هي "حياة السود مهمّة"، وتنادي بتغيير التعاطي مع السود كمواطنين من الدرجة الثانية.


يقلب بالدوين المسألة العرقية رأساً على عقب في بحثه عن تاريخ البيض وإنتاجهم الثقافي وتحديداً السينمائي، لفهم اللاوعي الجماعي الأميركي، الذي نسج عبر العقود خيوط الهوية الأميركية وخلق مجتمعاً عرقياً تطاول طقوسه وخصائصه جميع مستويات العلاقات الثقافية والإنسانية (وغير الإنسانية) بين الأميركيين. يعتمد الفيلم على نص مركّب من نصوص عديدة لبالدوين، يؤديه بصوت عميق وجهور الممثل المعروف سامويل جاكسون. وينطلق النص من رسالة لبالدوين يتحدث فيها عن مشروع كتاب (لن يبصر النور) حول اغتيال ثلاثة من أهم المناضلين من أجل حقوق السود وهم: مدغار أفينس، مالكوم أكس، ومارتن لوثر كينغ، وجميعهم كانوا أصدقاء ورفاق درب لبالدوين. كما يعتمد الفيلم على مجموعة مقالات للكاتب نشرت تحت عنوان "الشيطان يجد عملاً"‪(The Devil Finds Work) ‬ وفيها يفنّد بالدوين أفلام هوليوودية كلاسيكية، ليُظهر من خلال قراءته لها، عملية صناعة ميثولوجية الرجل الأبيض "البريء" في مواجهة الرجل الأسود "الخبيث" و"الغامض".  
يمزج الفيلم مشاهد أرشيفية لمقابلات تلفزيونية وخطابات لبالدوين مع مشاهد من أفلام هوليوودية، تُظهر التفاعل بين الشخصيات السينمائية البيضاء والسوداء ومشاهد أرشيفية للنضال المدني والعرقي في الستينيات، بالإضافة إلى مشاهد حديثة للمواجهات بين الشرطة والشبان السود، تظهر العنف السلطوي الموجّه ضدهم. بإقحامه الحاضر في الماضي، يُنتج الفيلم إحساساً عميقاً عند المُشاهد باستمرار العقلية العنصرية في العمق والممارسة رغم قشرة الحداثة. يركّز الفيلم على مشاهد أرشيفية لمظاهرات نيو-نازية مثلاً من الستينات، وفيها نظرات المتظاهرين المليئة بالتحدي وهم ينادون بتفوق العرق الأبيض. ورغم أنّ تلك المشاهد تعود إلى الستينات لا يسعنا إلّا التساؤل مع الإنتخابات الأميركية الأخيرة، إنّ كانت تلك الأفكار قد ولّت فعلاً.


فما يعبّر عنه الفيلم بلغة بصرية مركبّة، هو تكرار لصدى فكرة أساسية عند بالدوين وهي أنّ أمل الحضارة الأميركية الوحيد، هي بتقبّل السود كجزء من الشعوب التي بنت الوطن وتاريخه، لا كمجموعة مستضعفة تنتظر الصدقة، بل كعناصر أساسية لبناة الهوية الأميركية الجديدة. "إنّ الأفراد الذي يُسلَبون حق المشاركة (بالحلم الأميركي) بكيانهم الكامل سيحطمون (هذا الحلم) وإذا حصل هذا سيكون أمراً فظيعاً جداً للغرب"، يقول بالدوين في محاضرة في جامعة كامبريدج البريطانية في العام 1965.  

أصداء تلك الكلمات تعود في مشاهد تُظهر البيض في حالات إستمتاع فائقة، وهم يمارسون فصولاً يومية مثالية في أفلام هوليوودية كلاسيكية، نسجت ذاك الحلم الأميركي مخفيةً الثمن الإجتماعي والإنساني الباهظ الكامن وراء ذاك الحلم. وتضاف إلى تلك المشاهد لقطات من إعلانات في سنين لاحقة تُظهر السود في القالب المثالي نفسه، في لقطات لعائلة سعيدة من الأفريقيين-الأميركيين، وهي تحتفل مثلاً بعيد ميلاد أو لسيدات من العرق الأسود وهنّ يتبضعن، وكأنّ عملية تحرّر السود قيدتهم فعليّاً من جديد، لكن هذه المرّة ضمن مجتمع رأسمالي إستهلاكي، يرى جميع البشر متساوين طالما أنّهم عناصر مستهلكة.

أكثر المشاهد تأثيراً، هي أثناء مناظرة تلفزيونية بين بالدوين، وأستاذ فلسفة في جامعة يال. يقول إنّه لا يفهم سبب التركيز المفرط على المسألة العرقية في حين أنّه يمكن التحدث عن الكثير من "الخانات" التي قد تفرّق بين البشر، فيأتي جواب بالدوين الثاقب حول حقيقة الحياة اليومية للسود في الولايات المتحدة، والتي تفرض الإستمرار في النضال. فتغيير القوانين التي سمحت على المستوى القضائي بالمساواة، لم تلغِ التعامل برموز أو شفرات الإستعباد نفسها.    
يقول بالدوين: "التاريخ ليس الماضي. إنّه الحاضر. نحن نحمل ماضينا في داخلنا. نحن وتاريخنا واحد"...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها