آخر تحديث:08:10(بيروت)
الخميس 23/02/2017
share

هل قلتُم "العفو العام"؟

رشا الأطرش | الخميس 23/02/2017
شارك المقال :
هل قلتُم "العفو العام"؟ في انفجاري مسجدَي "السلام" و"التقوى" في طرابلس (2013) قُتل العشرات وجُرح المئات (غيتي)
في الأخبار والتقارير المصوّرة عن قطع الطرق في عدد من المناطق اللبنانية، لا سيما في البقاع، للضغط من أجل إصدار "عفو عام" عن آلاف الموقوفين والمطلوبين بمذكرات توقيف، ما يشبه طرفة سوداء أليمة تقول:
كيف يطلب رجلٌ يعنّف زوجته غفرانَها؟...
ينهال عليها بالضرب صارخاً: سامحيني! سامحيني!

والحال، إن أطرافاً سياسية عديدة، أبرزها "حزب الله"، تتحرك في مختلف الاتجاهات، من رئاسة الجمهورية إلى وزارة العدل ومجلس النواب، للمطالبة بإصدار عفو عام يلغي عشرات الآلاف من أحكام السجن ومذكرات التوقيف لا سيما المتعلق منها بجرائم زراعة المخدرات والاتجار بالممنوعات. بل تشكلت لجنة في منطقة بعلبك-الهرمل لمتابعة الملف مع القضاء، وهي مؤلفة من فعاليات المنطقة و"ممثلين عن المطلوبين"(!)، علماً أنه في العام 1997 صدر قانون عفو عن مختلف جرائم المخدرات المرتكبة قبل 31 كانون الأول 1995. وها نحن، بعدما "صفّرنا العدّاد"، نسمع المطلب نفسه مجدداً.

ومعلوم أيضاً أن ملف الموقوفين الإسلاميين، تتابعه "هيئة العلماء" في دار الفتوى، إضافة إلى جهات سنيّة نافذة في شمال لبنان.

ولعل المطلب الحقيقي المستطاع، هو إيجاد مخرج قانوني لوقف ملاحقة المطلوبين وتسليم المحكومين، تفادياً لتعقيدات قانون العفو الذي قد ينسحب على جرائم الإرهاب.

وفي حين يصنّف كثيرون، الحركة هذه، في خانة الموسم الانتخابي المرتقب، على غرار ما كان تزفيت الطرق يعتبر الرشوة الانتخابية المقوننة الأكثر فعالية، فإن التداول اليوم بمقترح "العفو العام"، والتسويق له كرافعٍ لظلم تاريخي خصوصاً في "سياسة حرمان أهالي البقاع من الوظائف الرسمية وإبقاء المنطقة خارج خريطة الإنماء"، يعيد طرح باقة من الأسئلة الشائكة: بما أننا محكومون بنظام طائفي، حيث الطوائف الممثَّلة في الأحزاب والقوى السياسية هي مدخل "رعاياها" من المواطنين إلى الدولة والإنماء، وبما أن القوة الأساس في المنطقة هي "حزب الله"، فلماذا لم يقم الحزب "بواجباته" اتجاه "الأهالي"، بدلاً من حصرهم في "خزان المقاومة"؟ لماذا يبدو جنوب لبنان أكثر حظوة باهتمام الحزب، من البقاع؟ ولماذا يعارض الحزب، المطلب المقابل، أي العفو عن موقوفين إسلاميين وغير إسلامين في مناطق أخرى؟ هل الإنماء في طرابلس أو عكار أو عرسال، أو حتى في بيروت ومحيطها، في أحسن حالاته؟

والسؤال الأهم: ماذا يعني، اليوم، قانون عفو عام تصدره الدولة اللبنانية، في حالتها الراهنة من التمزق المموّه بالتوافق؟ هل نشهد تطوراً دراماتيكياً للزبائنية الطائفية المعهودة، إلى زبائنية أمنية أوضح، لتزدهر فَدرَلة العمل السياسي على أبواب السجون، وعند الحدود المُعرَّفة لمناطق عسكرية وعشائرية ومليشياوية؟

الإجابة تراكمية، جذورها في الأرشيف الرسمي: قانون عفو عن الجرائم المرتكبة خلال أحداث 1958، وآخر عن الجرائم المرتكبة العام 1967، ثم قانون 1991 إثر انتهاء الحرب اللبنانية والذي غطى الجرائم المرتكبة على امتداد سنوات الحرب حتى تاريخ 28 آذار 1991، وأخيراً قانون 2005 الذي شمل رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع والمجموعتين السلفيتين الضالعتين في أحداث الضنية ومجدل عنجر.

أما اليوم، فقد تجاوز عدد مذكرات التوقيف في لبنان ككل، الخمسين ألف مذكرة، تشكل منطقة بعلبك-الهرمل "خزاناً" لأكثر من 70% منها.

ومطلب العفو العام تطرحه، همساً أو صياحاً، قوى سياسية متنوعة ليشمل:

- الموقوفين في الشمال على خلفية الأحداث الأمنية ونحو 20 مواجهة مسلّحة في طرابلس (التبانة – جبل محسن) بين العامين 2008 و2014، إضافة إلى موقوفين ومشاركين في معارك "نهر البارد" 2007 ضد الجيش اللبناني.

- أكثر من أربعة آلاف مطلوب في البقاع، بأكثر من 35 ألف مذكرة توقيف بجرائم سلب وسطو مسلح وقتل وثأر عشائري وزراعة وترويج وبيع الممنوعات والمخدرات.

- الموقوفين والمطلوبين في أحداث عبرا (صيدا) 2013، واعتداءات على مواقع للجيش اللبناني في الجنوب.

- أحداث عرسال 2014، واعتداءات على مواقع للجيش في البقاع.

- تفجيرَي مسجدَي التقوى والسلام في طرابلس، العام 2013 (الخلية التنفيذية للهجومين الإرهابيين ضمت خمسة أشخاص من جبل محسن).

- موقوفين ومطلوبين بجرائم "غير سياسية"، علماً أن الكثير من هؤلاء استفادوا فعلاً من إقرار مجلس النواب، في 2012، مشروع خفض السَنَة السِّجنية إلى 9 أشهر بدلاً من 12 شهراً.

أما الخطوط الحُمر، فلكل فئةٍ نصيب منها، وهي تتلاطم كأشعة الليزر في عروض الترفيه. "حزب الله" والعونيون ضد العفو عن إسلاميين، لا سيما الشيخ أحمد الأسير وخالد حبلص، وآخرين متهمين بالقتال مع "داعش" أو "النصرة" أو التعامل معهما. "تيار المستقبل" يعارض العفو عن ميشال سماحة ومفجّري مسجدَي "التقوى" و"السلام". ومرجعيات في الأجهزة الأمنية تعتبر أن العفو العام قد يحيي شبكات إرهابية بذلت الكثير لتفكيكها.

وبعيداً من خلطة المَطالب وأضدادها، تبدو مَقدِرة العفو نابعةً من طرف ثالث، أي الدولة، وهي الحَكَم المرقّط بأعلام التيارات السياسية الأساسية في البلد. الدولة كمُسامِح كريم، نيابة عن المتضررين بكافة الأشكال، وهذا ما يتنافى مع العدالة وروح القانون والمفهوم الدستوري للمساواة.
فكأن الغفران لتعنيف ذلك الرجل لزوجته يأتي من... أمّه!

سيُقال: لكن كيف تنتهي الحروب والنزاعات الأهلية؟ كيف تفتح المجتمعات ذات المكوّنات المتصارعة، صفحات جديدة؟

إذا كان مثل هذا الكلام يستنجد بـ"الضرورة" التي أرساها اتفاق الطائف لإنهاء الحرب اللبنانية، فالدليل الأكبر على عبثية قانون 1991، وفشله في قلب الصفحة، هو أن الحرب لم تنتهِ، واستمرت جولاتها بالشكل الذي يحتّم الآن المطالبة، للمرة الثانية منذ "الطائف"، بعفو عام جديد! عفو 1991 ليست مشكلته أنه لم يعاقب، بل في أنه لم يُصارِح فيُصالِح. ناهيك عن مكافآت إعادة توزيع السلطة، كالغنيمة، على أمراء الحرب الذين عفوا عن أنفسهم.

طُبِّق العفو العام في جنوب إفريقيا، حيث اقتُرفت تحت مظلة الابارتهايد، فظاعات ربما تتجاوز ما علِمه اللبنانيون وذاقوه. لكن "لجنة الحقيقة والمصالحة" التي تأسست في أواسط التسعينات، عقدت جلسات علنية شهيرة، أقرب إلى مُحاكَمات، حيث قدّم الضحايا شهاداتهم، جنباً إلى جنب مع المعتدين الذين شهدوا واعترفوا واعتذروا قبل أن يطلبوا العفو من الملاحقة المدنية والجرمية.

في أستراليا، هناك "كتاب الاعتذار"، الذي يضم اعتذارات وندم مواطنين على سياسة حكومية سابقة قضت بانتزاع أطفال السكان الأصليين (Aboriginals) من آبائهم وأمهاتهم تحت شعار "الدمج الثقافي".

وفي أميركا ما قبل ترامب، اعتذر الرئيس بيل كلينتون للأفارقة الأميركيين عن سنوات طويلة من التمييز، إضافة إلى مبادرات مثقفين وصانعي سياسات للتعويض على ضحايا العبودية.

هكذا تُطوى الصفحات القاتمة.

أما في كواليس السياسة اللبنانية، فثمة من يقول إن موضوع العفو العام برمّته مرشّح للترحيل إلى ما بعد الانتخابات، وأنه لن يشمل الجميع، بل غالباً سيطاول "الجرائم العادية" وملفات المخدرات وفق معايير محددة. وإذا كان يفترض بمعلومة كهذه أن تُطمئن، فالأقرب إلى المنطق أن نطمئن في بيوتنا.. بعد أن نُحكِم إقفال الأبواب والنوافذ ونتلو صلاة صادقة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب