آخر تحديث:11:25(بيروت)
الثلاثاء 07/11/2017
share

إريك فْوِييَار الفائز بـ"غونكور"..."الوطني" الذي تترّس به فرنسا

عبد الدائم السلامي | الثلاثاء 07/11/2017
شارك المقال :
إريك فْوِييَار الفائز بـ"غونكور"..."الوطني" الذي تترّس به فرنسا الفراكوفوني المنتقم من النازية
مظاهر عديدة تُنبئ بتدنّي الوضع الثقافيّ والفكريّ والإتيقي، لا سيما بعد غياب رموزه، أمثال فوكو وبارت ودولوز وليفيناس ولاكان وبورديو وروب غرييه، الذين أسّسوا خلال النصف الثاني من القرن العشرين ما يُسمّى بـ"النظرية الفرنسية" في الفلسفة والأدب والبحوث الاجتماعية والنفسية، فشاعت مقولاتُها في أرجاء العالَم. وما التشهير الإعلامي الذي تعرّض له "الرئيس الفيلسوف"، ماكرون، بعد حواره مع "لُوبْوَان"، إلاّ صورةٌ لهذا التدنّي، حيث استشهد فيه بجملة "الثِّقَةُ هي مشكلةُ الآخر"ن ناسبًا إيَّاها إلى ليفيناس من دون تثبُّتٍ (وهي هَنَةٌ ما كان ليقع فيها ديغول أو ميتران مثلاً). وقد سارع الباحث جيل هانوس، مدير معهد الدراسات اللِّيفِيناسِيَّة، إلى تأكيد أنّ كلَّ ما تَكَلَّم به ليفيناس في حواراته وكَتَبَه لا يتضمّن الشاهدَ التي ذكره ماكرون.

ويبدو أنّ هذا الضّعف الحضاري لفرنسا، مقارنة بأحوال ألمانيا وبريطانيا، هو ما جعلها تسعى اليوم إلى التغطية عليه، إمّا باستمالة أصحاب الألسنة الجاهزة للمدح من الكتّاب الفرانكفونيين، وذلك عبر سبيل تسويقهم إعلامياً ومنحهم أشهر جوائزها الأدبية، وإمّا بالبحث لدى كُتّابها عمّا يُظهر عظمةَ تاريخِها الفكريِّ والنِّضاليِّ. وفي هذا الإطار، مثّلت جائزة "غونكور"، وهي أرقى جائزة فرنسية، فرصةً سنويّةً تختبر فيها الثقافة الفرنسية قدرتَها على ضخِّ دماءٍ جديدةٍ فيها ومعرفة مَن معها ومَن ضدَّها.

في مطعم "Drouant" بالدائرة الثانية بباريس، أعلن ديدييه دوكوان، عضو لجنة تحكيم الغونكور للعام 2017، وفي حضور رئيسها الشيخ برنار بيفو، فوز الفرنسي إريك فْوِييَار بهذه الجائزة عن كتابه القصصيّ "جدول الأعمال" الصادر في أيار/مايو الماضي عن دار "آكت سود".

الانتقام
وقد وصفت الصحافة الثقافية الفرنسية، الفائز فْوِييَار، بأنه "كاتب وطني" و"كاتب ثوري" و"كاتب أخلاقي" (يُشارُ هنا إلى أنّ الوطنية والثورة والأخلاق ألفاظ تكرّرت كثيراً في حملة ماكرون الرئاسية)، وبأنه تجرّأ على استعمال مشرطه الأدبيّ الحادّ لتشريح أكبر الصناعيين الألمان الذين ساعدوا هتلر في غزو النمسا وضمِّها إلى ألمانيا العام 1938، والذين هم موجودون الآن في شركات باير، وأجفا، وأوبل، وسيمنز، وأليانز، وهو يقول عنهم: "نحن نعرفهم جيّدا، إنهم بيننا الآن، تذكّرنا بهم سياراتنا، وآلات الغسيل، ومنتجات التنظيف، وأجهزة الراديو، وأجهزة الإنذار، وكاميرات المراقبة، وبطاريات ساعاتنا".

والفائز فْوِييَار، روائي وقاص وشاعر وسيناريست ومخرج سينمائي. ولد في مدينة ليون العام 1968. لم ينتظم في تعليمه ولم يحصل على شهادة فيه، وقد اهتمّ بقراءةِ الأدب وتجريبِ كتابتِه، فنشر مجموعة من القصص لم تجد رواجًا بين القرّاء، غير أنّ اهتمامَه بقراءة الفلسفة ومدوّنات التاريخ الحديث بكل أيديولوجياته، قوّى عودَه الأدبيّ، ومكّنه من التعرّف إلى أساليب الكتابة الأدبية. فنشر "معركة الغرب" (2012)، حيث صوّر دمويةَ الحرب العالمية الأولى. ثم "الكونغو" (2012) حيث فكّك لوائح مؤتمر برلين 1884 الذي شارك فيه دبلوماسيون أوروبيون واقتسموا كعكة أفريقيا. أمّا في "حزن الأرض" (2014)، فقد انتقد أسطورة الكاوبوي الأميركيّ التي تُخفي حقيقةَ أنّ أميركا نشأتْ على أنقاض الإبادة الجماعية للهنود الحمر. وفي "14 تموز" (2016) دافع عن الثورة الفرنسية من كلّ محاولات التمييع والنسيان التي تنصبّ عليها من قبل المؤرّخين الجدد. وقد ردَّ بعضُ الصحافيين والمدوِّنين، فوزَ هذا الكاتب بجائزة غونكور، إلى كونه ينتمي إلى "قائمة كُتّاب الدولة" (كما هو شأن كتّاب الدولة في أقطارنا العربية)، وما فوزه بها إلاّ شكلٌ من أشكال مكافأته على "وطنيته" التي تجلّت في انتقامه من النازية عبر نقدِه نظامَ هتلر وكشفه حجمَ الجرائمِ التي مارسها الجنود النازيّون في حق المواطنين النمساويين لتجريدهم من هوّيتهم الوطنية وتذويبهم في الدولة الألمانية، بل هو عرّى أسطورة الجيش الألماني التي بدا فيها جيشاً سريعاً وحديثاً ومنتصِرًا دوماً، ليظهر جوانب من ابتذاله ومساوماته غير الإنسانية وارتهانه إلى مصالح ضبّاطه الشخصية.

جَرْحَى غونكور
لا تمرُّ نسخةٌ من نُسخِ جائزة غونكور إلا وتجرح أرواحَ الحالمين بالفوز بها. فهي جائزة لا يعنيها رأي النقّاد في الكتب المترشّحة لها، وإنّما يعنيها فقط مدى مناسبة الكتاب لمعاييرها الخاصة غير الأدبية التي لا يعرفها إلا برنار بيفو وقلّة من أعضاء لجنة تحكيمها. بل إنّ الكاتب والصحافي هوبير برولونغو، اعتبر، في تحقيق نشرته "لونوفيل أوبسرفاتور"، أن غونكور تُسبّب كلّ سنةٍ مجموعةَ قتْلى من الكتّاب. أشهر قَتْلى غونكور، الكاتب جون كاريير، الذي توفي منذ سنتيْن بعد نشره روايات عديدة، وقد نشر كتاباً بعنوان "جائزة غونكور" (1987) تحدّث فيه عن محنته مع هذه الجائزة وما سبّبته له من أزمات نفسية، وذكر ما فيها من مكرٍ علائقيّ، فقال: "إن جائزة غونكور تعمل في الوقت نفسه على تضخيم مكانتها في عيون الآخرين، وعلى إضعافِ مكانة الآخرين في عينيها". هذا فضلاً عن أنّ غونكور قد أهملت، في العام 1998، ميشيل هولبريك ذا الشهرة الأدبية الكبيرة، وذهبت إلى الكاتبة بول كنستان بسبب متانة علاقاتها مع حكماء الجائزة (وقد صارت في ما بعد عضواً فيها).

ولعلّ من أجْلَى صُوَر معايير غونكور، غير الأدبية ذهابها العام 1932 إلى كاتب غير موهوب اسمه غي مازلين، أمام الكاتب فرديناند سيلين، وقد أثبتت الأيام أن سيلين كان أحد أعظم كتّاب فرنسا وإنه جدير بكلّ جائزة أدبية. ومن جرحى غونكور ثمة مَن فاز بها، غير أنّ فوزه عاد عليه بالوبال، ومن هؤلاء نذكر باسكال ليني الذي فاز العام 1974 عن روايته "صانع الياقوت"، ويشرح: "ليست غونكور إلا قطعة من ماكينة تجارية مَهَمّتُها قتلُ الرغبة في النشر". إذ جعلت غونكور من روايته "صانع الياقوت"، الشجرة التي أخفت عن القراء غابة إنتاجاته الأخرى التي بلغ عددها 15 رواية. وقد بات واضحاً أن "الفوز بهذه الجائزة يسبّب سوء الفهم" بين الكاتب ومحيطه الثقافيّ، على حدّ قول الروائية باسكال روز، الفائزة بغونكور 1996، عن روايتها الأولى "الصيّاد الصِّفر". ذلك أن فوزها سبّب لها أزمة مع النقاد والإعلاميين الذي شكّكوا في أدبيّة روايتها، وتكفّل كثير منهم بنقدها سلبيّاً، وهو ما كان له تأثير كبير في كتاباتها اللاحقة، إذ أضْعَف إقبالَ القرّاءِ عليها وسبّب نفورَ دور النشر منها. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها