آخر تحديث:11:44(بيروت)
الجمعة 10/11/2017
share

النساء في حياة بورخيس: مرايا الأم والعشيقة والخادمة

محمد حجيري | الجمعة 10/11/2017
شارك المقال :
النساء في حياة بورخيس: مرايا الأم والعشيقة والخادمة اصرّ على اصطحاب سرير أمه الى كل شقة انتقل إليها
سئل بورخيس: هل كنت في يوم من الأيام عاشقاً؟
بلا تلكؤ أجاب: نعم

من دون شك، علاقة الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، بالنساء، أشبه بقصص ألف ليلة وليلة، أو هي فكرة لرواية مشوقة ودرامية تقوم على التوالد الحكائي والاستعاري، سواء في عشقه المتعثر ودأبه على كتابة الرسائل الحميمة، أو علاقته بأمه المستبدة والمتسلطة، أو حتى خادمته العارفة بكل الأمور، أو زوجته الأولى التي جلبت له المذلة، والثانية التي كانت تبحث عن نور لثقافته... وكل امرأة في حياة بورخيس شكلت مصدراً ومقصداً للكتّاب والمؤلفين للكتابة عنه، والبحث عن أسراره الكثيرة التي تشبه متاهة المرايا.

كل امرأة تقدم لبورخيس صورة جديدة للقارئ، وفي كل امرأة في حياته نعثر على بورخيس آخر وألغاز أخرى. وأبلغ كلام يلخص تجربته، قالته خادمته ايبفانيا اوفيدا دي روبليدو(يسميها فاني): كان يحتاج الى نساء يتحكّمن فيه. وأول من سيطرت عليه هي أمه، ليونور اثيفيدو سواريث، التي توفيت عن 99 عاماً، ثم زوجته الأولى ايلسا استيتي، فزوجته الثانية ماريا كوداما.

عملت الخادمة فاني في منزل بورخيس طيلة 36 عاماً، من العام 1950 حتى وفاته. لكنها، وإن كانت لم تقرأ كلمة واحدة مما كتب، فقد خَبِرت دقائق حياته اليومية، ولاحظت عن كثب تصرفاته، كما تأملت علاقاته النسائية بكثير من الاهتمام. وقد سجل معلوماتها الكاتب أليخاندرو ڤاكارو، وأصدرها في كتاب بعنوان "السيد بورخيس". وترى فاني أن "علاقته مع أمه تبدو وكأنها علاقة زواج، فقد سيطرت عليه تماماً. امرأة مثقفة جداً، وكان هو يحترمها للغاية". وتروي أنه عندما كان يصل متأخراً إلى البيت ليلاً، كان يذهب إلى غرفتها ويقف أمام سريرها قريباً من الباب، ويحدثها بكل شيء ثم يذهب الى غرفته. ومن الأمور التي أدهشت فاني أن بورخيس كان أحياناً يدخل غرفة أمه بعد وفاتها ليحدثها:

"كان يدخل الى غرفتها ويقف أمام سريرها الفارغ، ويقول: أمّاه، لقد عدت الى البيت، ذهبت للعشاء مع فلانة وفلان، وأكلت كذا، أنا بصحة جيدة". 


كانت والدة بورخيس رفيقته الدائمة. وحتى قبل أن يفقد بصره تماماً، أملى عليها نصوصه وقرأت هي له. بدأت العمل معه بصفتها سكرتيرته الخاصة، وعندما عجز عن الكتابة والقراءة عجزاً تاماً، اعتمد عليها كلياً.

امتلكت والدة بورخيس آراء مسموعة في شأن صداقات ابنها، وعارضت تأليفه كلمات لمقطوعات تانغو، حتى إنها دبّرت له زواجاً وهو على عتبة السبعين من ايلسا استيتي، وهي صديقة قديمة كانت قد ترمّلت للتو. زوّجته خوفاً من أن يظل وحيداً بعد وفاتها. رفض بورخيس قضاء ليلة عرسه في "فندق دورا"، المكان الذي انتقته والدته. كان متقدماً في السن، ولم يسبق له أن عاشر امرأة. إيلسا المتسلطة، منعته من زيارة أمه، كما منعت أمه من زيارته، ونادراً ما كانت تقرأ له. كانت ترفض الاستماع إلى أحلامه التي يسردها كل صباح، وفي المقابل تستعذب كل ما يناله بورخيس من تكريم ووجاهة، بينما كان هو يزدري كل تكريم. وذات يوم، دُعي إلى هارفارد لإلقاء محاضرة، فأصرت إيلسا أن يطالب بتعويضات أكبر، وأن تؤمن لهم الجامعة مسكناً أفخم. ورآه أحد الأساتذة امام محل إقامتهما، بالخُفّ والبيجاما، فشرح له: "زوجتي طردتني خارج الغرفة"، وحين استفسر الأستاذ من إيلسا عن سبب فعلتها، أجابته: "لست أنت المضطر لتراه تحت اللحاف".

الزواج لم يكن كاملاً، إذ لم يجامع بورخيس زوجته. وقد عبّر عن رأيه في ذلك بقوله: "المرايا والجِماع أمران مقيتان لأنهما يضاعفان عدد الرجال". لقد كان الزوجان يعيشان تحت سقف واحد، لكن في غرفتين منفصلتين. هجر بورخيس إيلسا بعد أعوام  من الزواج، وكرر ما كان يقوله دائماً بأنه لم يُكتب له أن يكون سعيداً، إلا أنه وجد في الأدب سلواناً. لكنه لم يكتفِ، ولذلك وقع في الغرام أكثر من مرة، وكان ينظر بعين الحسد إلى العلاقات العاطفية الأدبية التي قرأ عنها، في "الأميرة الألمانية" لجون هولدن، إضافة إلى العذريَين سيفور وبرينهليد وستيفنس وفاني...‏ لذا سرعان ما آل زواجه الى الفشل. طلب بورخيس مساعدة أصدقائه أدولفو بيوي كاسارس ونورمان دا غيوفاني وهوغو سانتيغو، لسؤال إيلسا الطلاق، إذ خشيَ مواجهتها.

ويورد كاتب سيرته، نورمان توماس دي جيوفاني، في كتابه المعنون "بورخيس وزوجته: القصة غير المروية"، أن بورخيس سعى إلى تدبير محام يتكفل بإجراءات الإنفصال السري عن ايلسا (بحكم أن الطلاق كان محرماً في الأرجنتين)، مع التوجه بورقة الطلاق الى ايلسا لعدم رغبة الكاتب في مجابهتها بالحقيقة المُرة. ومن حسن الحظ، كما يروي نورمان، أن ايلسا نفسها تلقت الخبر دونما أي انزعاج، فقد كانت منهمكة بالتصرف في حسابهما المشترك في واحد من بنوك بوينس آيريس. بعد الطلاق، عاش بورخيس مع والدته. ويوم رحلت، حزن إلى درجة أنه لم يصدق خادمته عندما أيقظته من نومه في الرابعة والنصف صباحاً لتخبره. كان ذلك اليوم يوم معاناة حقيقية بالنسبة إليه، بقي يمشي في الغرفة حيث جثة أمه، ذهاباً وإياباً، وهو ينتحب مثل طفل ويصرخ: "أمي، ها قد عدت اليك، إنني هنا".

أصرّ على اصطحاب سرير أمه الى كل شقة انتقل إليها، وكان حريصاً على أن تغيّر خادمته ملاءات السرير يومياً، من دون ان يستنكف عن التجسس عليها وهي تقوم بذلك.

في سنواته الأخيرة، عبّر بورخيس عن فخره بوالدته وعن احترامه لذاكرة أجداده، في موقف يناقض ما قاله في مقابلة أجريت معه العام 1967 عن "أن آل اثيفيدو (وهي عائلة أمه) جهّال على نحو لا يصدق"، وأضاف عن علاقة والديه: "كان لأبي تأثير فيها وليس العكس. انتمت أمي إلى عائلة أرجنتينية مرموقة، في حين كان أبي رجلاً متحرراً ومثقفاً: كانت والدته إنكليزية بروتستانتية وامتلك مكتبة قيمة. من الناحية الثقافية، عاش في عالم أكثر تركيباً من عالم أمي".

ماريا كوداما
عدا عن حضور والدة بورخيس المهم في حياته، كان لزوجته ماريا كوداما دورها البارز، إذ عملت معاونته خلال الأعوام العشرين الأخيرة من حياته، وهي علاقة أخفاها عن أمه وجلبت له الهناء. كثيرون رأوا في ماريا محض مرافقة مخلصة ومتحمسة، وقد أصدرا معاً العام 1984 سيرة رحلاتهما الى أماكن مختلفة، مع نصوص لبورخيس وصُور لكوداما. إذ التقطت أرملة الشاعر، آلاف الصور خلال تلك الرحلات إلى إسطنبول وجنيف وروما وبرلين والمغرب ومصر والمكسيك واليابان، وغيرها. وهي تقرُّ بأنها ليست محترفة فن التصوير، لكنها حاولت أن تلتقط العديد من الصور لبورخيس أثناء تلك الرحلات، وفي أحيان كثيرة بلا تخطيطٍ مسبق. تتذكر قائلة: "كان بورخيس يعشق التصوير. ويردد دائماً أن الكلمات قد تتغيّر، وقد تلغي الوجود، لكن الصورة تبقى معبّرةً عن لحظة راسخة".

تؤكد خادمة بورخيس ان علاقته بماريا كوداما، لم تختلف عن سابقتها، وانما كانت تعامله بقسوة شديدة، متأففة من عماه ومن هشاشة شيخوخته. لكن أوّل كتاب كتبته ماريا كوداما وأهدته لزوجها بعد رحيله، حمل عنوان "ماريا كوداما.. تكريماً لبورخيس". نصّ مَشحون بالعواطف. يتمتع بحميميّة خاصّة، وهو مُفعم بالحنين المفرط إلى السنين التي عاشتها هذه المرأة إلى جانب هذا المبدع الكبير. 

وكانت كوداما ابنة كيميائي ياباني، من أمّ هي عازفة بيانو وتنحدر من أصول ألمانية وإسبانية. أصبحت، منذ رحيل صاحب "الألف"، رئيسة "المؤسّسة الدولية لخورخي لويس بورخيس"، والوريثة الوحيد لممتلكاته، وأخذت على عاتقها التفاوض حول ترجماته.

تعرّفت كوداما على بورخيس في سنّ المراهقة، إذ لم يكن عمرها يتجاوز الثالثة عشرة، ذلك أنّ أباها الياباني كان صديقاً للكاتب. وعندما ماتت والدة بورخيس، حلّت كوداما محلّها، فتفرّغت لنسخ وكتابة ما كان يمليه عليها بورخيس من أعمال أدبية، بعدما أصيب بالعمىَ منذ 1950 وصارت ترافقه في رحلاته وتنقّلاته. وفي أبريل/نيسان1985 تزوجا، وكان عمر بورخيس 87 عاماً، في حين لم يكن عمرها يتجاوز 41 عاماً. وفارِقُ السنّ بينهما أفسح المجال للعديد من التعليقات والتأويلات. كان بورخيس وكوداما يستقبلان التهجّم بعدم اكتراث.

العاشقة
بورخيس كان يخاف الحب "تلك الروعة الغامضة". ويقول: "اسم المرأة يدينني.. المرأة تسبب لي الألم في كل جسمي"، و"ما يمكن إلا أعطيه للذاكرة/ سماعك تقولين لي انك تحبينني/ وانني أرقت حتى الفجر/ ممزقاً وسعيداً...". بحسب العارفين بسيرته، يمكن أن نقول إن الكاتبة الأرجنتينية أستيلا كانتو، التي وجه إليها الكثير من الرسائل، هي المرأة التي أحبها بورخيس وطلب منها الزواج بلا تردد، خلافاً لرغبة أمه. والحال إن الزواج لم يحدث، رغم استمرار علاقتهما لسنوات، تلتها قطيعة لسنوات أخرى طويلة، ثم عادا صديقين. وبالإضافة للكتابة، عملت كانتو مترجمة وناقدة، وتعاونت لسنوات مع مجلة "أنالس" و"سور". ومن أبرز كتبها "السور الرخامي" "الرسمة والصورة" "الآخرون، الأقنعة" وأخيرًا كتابها "بورخيس تحت الضوء". 

كانت إستيلا كانتو تعني الكثير لبورخيس، "أهداها أجمل قصصه "الألف"، وعدا عن أنها كانت مغنية، وفي ما بعد كاتبة، كانت تعتز بقصة الحب التي ربطتها ببورخيس، وعادت عليها بمبلغ 27760 دولاراً، وهو ثمن مخطوطة "الألف" التي أهداها إياها لتحتفظ بها لنفسها مدى الحياة، وكانت من 17 صفحة، منقحة بعناية كبيرة، بكتابة قزم - كما وصف بورخيس ذات يوم حروفه الصغيرة". ينقل ألبرتو مانغويل في كتابه "فن القراءة"، أن استيلا تعرفت على بورخيس في بيت بيوي كازاريس وسيلفيا أوكامبو. بعد هذا اللقاء الأول، أصبحت إستيلا تتعشى في بيت آل بيوي، وأثناء تلك العشاءات كان الحديث يحتدم لأن سيلفيا معتادة على إثارة الاضطراب بطرح أسئلة مباغتة على ضيوفها من مثيل: "كيف تنتحرون، لو خيّرتم في ذلك؟".

ذات مساء صيفي، وبمحض المصادفة، انصرف بورخيس واستيلا في الوقت نفسه، فسألها السماح له بمرافقتها حتى المترو. وفي المحطة، اقترح عليها، متلعثماً، لو يستمران في المشي لبعض الوقت أيضاً. ومن بعد ساعة، كانا في أحد مقاهي Avenid de Mayo (جادة مايو). انتقل الحديث إلى الأدب، فتحدثت استيلا عن إعجابها بـ"كانديدا"، وسردت مقطعاً من ختام المسرحية. فانبهر بورخيس، وأعلن أنه للمرة الأولى يلتقي بامرأة تحب برنارد شو. وإذ راح يتملى استيلا، رغم ضعف نظره الذي بدأ يتجه إلى العمى، رتّب لها بالانكليزية حينذاك كلمة إطراء: "ابتسامة الجيوكاندا وحركات الخيال في لعبة الشطرنج"، وخرجا عندما حان موعد إغلاق المقهى، وسارا معاً حتى الثالثة والنصف صباحاً. وفي اليوم التالي أوصل بورخيس، إلى بيت استيلا، نسخة "الشباب" لكونراد، من دون أن يطلب رؤيتها. واستمر الغرام بين بورخيس واستيلا كانتو، عامَين، وهي تقول: "كان يحبني وكنت أحبه كثيراً"، وعندما لا يكون إلى جانبها، كان يكتب إليها بلا توقف، وهذه المراسلة الحميمية التي ضمنتها لاحقاً في Borges a contraluze تحرك المشاعر بصورة خفية".


(*) مقال من ضمن سلسلة عن النساء في حياة الأدباء، والرجال في حياة الأديبات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها