آخر تحديث:12:13(بيروت)
الجمعة 10/11/2017
share

"الخوف" لستيفان زفايغ... خائنة في مواجهة الوحش

هيثم حسين | الجمعة 10/11/2017
شارك المقال :
"الخوف" لستيفان زفايغ... خائنة في مواجهة الوحش
ما الذي يفعله الخوف بالمرء حين يسكنه ويستوطن أعماقه؟ ألا ينهش راحته وهدوءه ويبقيه قلقاً يبحث عما يهدئ جنونه؟ هل يمكن ترويض وحش الخوف بالتلهي عنه والهروب إلى الأمام؟ إلى أي حد يتمكن الخوف من تعطيل حياة الإنسان الذي يستبد به؟ هل يستطيع الإنسان مواجهة خوفه وتحديه والتغلب عليه؟ أسئلة يثيرها النمساوي ستيفان زفايغ في روايته "الخوف" عن ماهية الخوف وتأثيراته على الإنسان.

يركز زفايغ على أعماق الإنسان، كما في أعمال أخرى له، فبطلة الرواية؛ إيرين، امرأة من الطبقة البرجوازية في فيينا، تعيش في أجواء الرخاء والترف، لا تولي اهتماماً لتفاصيل الحياة اليومية في قصرها، تبقى في دائرة الانشغال بذاتها، والتمحور حول نفسها وتلبية رغباتها والانسياق وراء بريق الحياة الباذخة والحفلات الصاخبة، من دون أن تبالي بواجباتها كزوجة وأم وربة بيت.

وحش مدمّر
تبقى إيرين حلقة في دائرة حياة تدور بشكل منظم من دون أي تدخل منها، ولاسيما فيما يتعلق بشؤون البيت والأولاد، يكون الخدم مهتمّين بكل التفاصيل، لدرجة أنها تشعر بالغربة عن ولديها الصغيرين، وتشعر أنهما يفضلان بعدها على قربها منهما، وأنها حين تتدخل في شؤونهما فإنها تفسدها أكثر مما قد تصلحها أو تساعد على تحسينها.

ترتبط إيرين بعلاقة عابرة مع موسيقي شاب يلفتها، تخوض مغامرتها المجنونة مع ذاك الشاب بعيداً عن الحسابات الاجتماعية ومن دون اكتراث لوضعها كزوجة وأم، وتتناسى واجباتها في انسياقها وراء جنونها الذي يساهم بتدميرها لاحقاً، وذلك بعد أن تصل إلى مرحلة يأس مطبق من مواجهة خوفها الذي ينهش كيانها لأسباب كثيرة.

يصور زفايغ كيف أن مواجهة بطلته تبدأ مع وحش الخوف مع تهديد إحداهن لها بكشف علاقتها مع الموسيقي الشاب، وفضحها على الملأ، وإخبار زوجها وعائلتها بذلك، وكيف بدأت بابتزازها من خلال مطالبتها بكميات من النقود، كانت ترتفع كل مرة، وكان عليها أن ترضخ لابتزازها خشية من العار الذي قد يلحق بها، وما يمكن أن يتسبب لها بتدمير أسرتها وحياتها.

تصعد المرأة ابتزازها لإيرين، تقتحم عليها منزلها، ترسل رسالة إليها تطالبها كل مرة بمبلغ أكبر، وتبقيها في دوامة الخوف التي تبتلعها وتخرجها عن طورها، بحيث تضطر إلى تغيير عاداتها كلها، تلتزم البيت لأيام، وهي التي كانت معتادة على قضاء معظم أوقاتها في الخارج، كما أنها بدأت بمراجعة حساباتها، وعلاقاتها مع من حولها.

ملازمة إيرين للبيت تحت وطأة الخوف من الفضيحة كشفت لها فداحة خسارتها الحياتية، وكيف أنها كانت غارقة في نيران حياة تعميها، وتبقيها مهملة لبيتها وزوجها وابنيها، وبدأت حينها محاولات ترتيب علاقاتها وأولوياتها، لتكتشف أنها أصبحت عبئاً على مَن تحاول مساعدتهم، وأن ولديها كانا يفضلان لو أنها تبتعد عنهما وتخرج في نزهاتها المعتادة وتبقي لهما مساحة حرة كالسابق.

تشعر إيرين بأنها عبء مضاعف على دورة بيتها اليومية، وواقع أن الخدم كانوا قد ضبطوا إيقاع الحياة بما لا يبقي أي هامش لها لتغيير شيء فيها، ولاسيما أن الأمور أخذت مساراً منذ سنوات، وهي ملتهية عنها، وذلك ما قض مضجها أكثر، وكشف لها خيبتها الكبرى، ومحنتها في استراق الملذات في الخارج وتجاهل نداء الأمومة والواجبات الزوجية والأسرية، في بحثها المحموم في صخب الخارج.

يبرز صاحب "رسالة من امرأة مجهولة" كيف أن الخوف من الفضيحة يقود المرأة إلى الكذب والتحايل، تبدأ باختلاق الأكاذيب لتغطي على أفعالها المتوترة وتصرفاتها الغريبة، وتغيرها المفاجئ، تشعر كمن يشتري الوقت ليهنأ بساعات قليلة من الهدوء وراحة البال، وتغرق رويداً رويداً في مستنقع الخوف الذي يسجنها في أغواره، ويفرض عليها مراجعة ذاتها وإدانتها بأفعالها وأفكارها السابقة، متمنية خلاصاً من أي نوع.

يبقي زفايغ شخصياته متجاذبة بين "الجريمة والعقاب"، فزوج بطلة الرواية، وهو محام، يتابع التغييرات الطارئة على زوجته، يحاول مساعدتها، يحكي لها حكايات عن أناس مذنبين اعترفوا بذنوبهم وأخطائهم، وتمت مسامحتهم، ويبدي رأيه في مسألة التسامح والغفران، وأن كل امرئ معرض لارتكاب بعض الذنوب، لكن الجرأة تكمن في الاعتراف بها ومواجتها ومحاولة تلافيها والتسامي عليها وبدء مرحلة جديدة بعدها.

حيرة وضياع
يشير زفايغ إلى حيرة المرأة وضياعها بين ما تواجهه وما تعيشه وتعانيه من مخاوف جنونية، وتجاهلها لصوت العقل من حولها، ذلك أن آراء زوجها ونصائحه لم تكن تجد أذناً صاغية لدى زوجته الغارقة في خوفها، وظلت حائرة مترددة بين الاعتراف له وكشف ما تعانيه مع المرأة المبتزة، وكشف أوراقها أمامه، والاعتراف بخيانتها له، في الوقت الذي كانت تسعى جاهدة للبحث عن المرأة الغريبة التي تبتزها بطريقة متوحشة عنيفة وقحة، وتجبرها على رهن خاتم زواجها المميز.

تتوه إيرين في مأساة شقائها المتعاظم، تدخل مرحلة خطيرة من الشكوك بنفسها وبكل ما يحيط بها، تسعى للانتقام من عشيقها الذي تستشعر تواطؤه مع المرأة المبتزة، وتذهب لمواجهته بذلك، ولا تقبل أية حجج منه، وتمضي في تصعيدها بدورها، وبحثها عن المرأة بين حشود الناس، عساها تعثر عليها وتنال منها بطريقتها.

يلفت صاحب "لاعب الشطرنج" أن بطلته تدخل مرحلة الهلوسة والارتياب بكل شيء، تصل إلى حافة اليأس والجنون، تلك اللحظة التي تتساوى عندها الحياة والموت، تشعر بغرقها في وحول الخيانة والرعب والجنون، وتتفاجأ بزوجها يلاحقها ويواجهها بما كانت تخشاه، وتكون الصدمة المدوية بالنسبة لها معرفة زوجها بكل شيء، ومحاولته مساعدتها على التحرر من أعباء خيانتها وخوفها، وإفساحه المجال لها للاعتراف ومنحها فرصة بداية جديدة بعيدة عن الخيانة والخوف.

يحدثها زوجها أنه وظف ممثلة عاطلة عن العمل لتقوم بدور المرأة المبتزة، ليدفعها إلى الاعتراف له بخطيئتها وذنبها، والتحرر مما يثقل كاهلها من مشاعر قاتلة تفتك بها، ومنحها فرصة ثانية لترميم ما دمرته، وذلك من منطلق حبه لها وحرصه عليها وعلى حياته الأسرية، لكنها كانت متعنتة خائفة لم تستطع البوح والاعتراف واختارت المضي في طريق الضياع أكثر فأكثر من خلال ظنونها بأنها قادرة على معالجة المسألة بوسائلها الخاصة.

تشعر إيرين أنها مدينة للخوف الذي كشف لها حقيقتها، وفتح عيونها على واقعها، وعلاقاتها مع المحيطين بها، سواء كانوا أهلها أو أصدقاءها أو الخدم في منزلها، كما كشف لها تخبطها وضياعها لسنوات في معمعة خيباتها المتراكمة التي كانت تظنها سعادات تقتنصها من الزمن، في حين أنها كانت خساراتها الفادحة، لأنها لم تكن تعيش سعادتها مع ولديها وزوجها الذي كان يحبها ويحترمها.

يصور زفايغ وقوع المرأة بين براثن مخاوفها من فقدان كل شيء بنته طيلة حياتها، وفجيعتها في قنوطها عن مواجهة حالتها البائسة، وعدم قدرتها على معالجة تداعيات أفعالها غير المسؤولة، وارتهانها لسطوة الخوف واقترافها لسلسلة من الأخطاء التالية التي ساهمت بتضييق الخناق عليها وتدميرها أكثر فأكثر.

كما يرمز إلى أن الخوف يتعاظم كدوائر ضاغطة على المرء حين يتهرب من مواجهته والاعتراف بذنبه، فيكون في اتحاد الخوف مع المشاعر الداخلية المرعبة التي يثيرها وسيلة تنكيل بالمرء، وتحطيم له في حياته وواقعه، وتقييده في قيود تخرجه عن طوره وتبقيه نزيل سجونه المعتمة التي تزداد خنقاً وعنفاً باضطراد.


(*) منشورات مسكيلياني، ترجمة أبو بكر العيادي، تونس 2017. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها