آخر تحديث:11:14(بيروت)
الإثنين 16/10/2017
share

حين توصلنا سيجارة إلى "أكاديميّة الشهداء"

إيناس العباسي | الإثنين 16/10/2017
شارك المقال :
حين توصلنا سيجارة إلى  "أكاديميّة الشهداء"
ونحن نقرأ رواية "الصبية والسيجارة" للروائي الفرنسي بُونوا ديتيرتر، التي تصدر قريبا عن دار مسكيلياني للنشر، لا يسعنا إلا أن نتساءل بانبهار كيف خطرت له هذه التوليفة الروائية العجيبة؟ وعجيبة هنا بعيدة كل البعد من عجائبية أدب أميركا اللاتينية. يجمع بُونوا ديتيرار تناقضات القانون وشعاب المحاكم العبثية وانعكاسات برامج الواقع التلفزيونية على المجتمع وأخبار الشرق الأوسط وشعابه التي يسطر عليها رجال الدين من مختلف الطوائف، يصف لنا الروائي كل هذا وأكثر بأسلوب يجمع بين السخرية وجدية التحليل.

تستند الرواية على حكايتين متوازيتين، حكاية السجين المحكوم عليه بالاعدام وحكاية الراوي الأربعينيّ ونتوهم في الفصول الأولى أن لا رابط بين الرجلين! لكن أول رابط لهما يتمثل في سيجارة يحلم السجين بتدخينها آخر مرة، قبل اعدامه ويحلم الراوي بتدخينها بحرية في الأماكن العامة. ثم يجمعهما رابط آخر، وهو تولي المحامية نفسها الدفاع عن كل منهما في قضيتين مختلفتين. مع مضي الرواية تبدو حكاية المتهم جونسون هي الأرضية التي يقيم عليها الكاتب روايته كي يسرد لنا الحكاية الأساسية، حكاية الراوي. الرجل الذي يفعل كل شيء في سبيل تدخين سيجارة داخل عمله، متحدياً القوانين ومتجرئاً على إعلان أكثر الأفكار أنانية في عرف المجتمع والآخرين، أي عدم حبه للأطفال وعدم رغبته في انجابهم...

ونحن نقرأ، لا نستطيع سوى التعاطف مع هذا البطل الكافكاوي بامتياز، ولئن كان بطل كافكا في رواية "المحاكمة" ضائعاً في متاهات المحاكم بتهمة مجهولة، فالراوي هنا "تُركب" له تهمة عبر سلسلة من التلاعب بالكلمات وتشويه الحقائق، قائمة على شهادة طفلة صغيرة، تشاهده بالصدفة يدخن سيجارة داخل حمّام الشركة! وبدلاً من انتهاء الموقف بتفسير بسيط أو اعتذار، تتحول المسألة إلى قضية تحرش بطفلة صغيرة!

يتفانى الراوي الذي يظل مجهول الاسم على امتداد الرواية، في تقديم حججه المقنعة عن حقه البسيط في التدخين، في الحرية المتمثلة في حركة اشعال سيجارة في أي وقت وأي مكان يشاء. كما يسهب في وصف مشاعر نفوره من الأطفال الذين حولهم المجتمع إلى "ملوك" يجتاحون عالم الكبار ويسيطرون على الأماكن العامة حتى وصل بهم الأمر إلى اجتياح الشركة التي يعمل فيها، حيث خصصت لهم البلدية مساحة كبرى كحضانة ومكان للعب. كما يقدم حججه التي تبرر عدم رغبته في انجاب الأطفال رغم زواجه منذ ثلاث سنوات. صحيح بأن عدم الرغبة في انجاب الأطفال مسألة شخصية، لا تُعتبر في حد ذاتها جريمة يعاقب عليها القانون، لكن نظرة المجتمع تحاكم سلباً الفرد المُتمرد عن السائد، وهذا هو الفخ الذي سيقع فيه صديقنا الراوي.

لكن لنعد إلى البداية، إلى انطلاقة حكاية "ديزيري جونسون"، هذا السجين المحكوم عليه بالاعدام في فرنسا المُشكّلة من جنسيات مُتعددة والمتصالحة في الظاهر مع تنوعها الاثني، ثم تنكشف عنصريتها في هذه القضية. بحيث يكفي أن يوجد رجل أسمر بشعر جامييكي من سكان العشوائيات، كي تُلصق به تهمة قتل شرطي، حتى لو لم يعترف فعلياً بالجريمة وإنما كرر بغباء ولامبالاة بأن الشرطي يستحق القتل. تتشكل عقدة هذه الحكاية عند تعبير المتهم عن رغبته الأخيرة في تدخين سيجارة قبل أن يُقاد إلى كرسي الاعدام. وإن بدت رغبته هذه بسيطة وسهلة التحقيق وفقاً للفصل 47 من قانون العقوبات الذي يسمح بتحقيقها، إلا أنه وفقاً للفقرة 176 من النظام الداخلي للسجن يُمنع منعاً باتاً التدخين داخل السجن. وهذا ما كشف ثغرة في القانون أجّلت إعدام المُتهم، ثم أنقذت حياته بعد عفو من الرئيس الذي تابع على شاشة التلفزيون عملية اقتياده لكرسي الاعدام وجمعه للوُرود وتشكيله بها جملة "تحيا الحياة"، قبل أن يدخن ما يفترض بأنه سيجارته الاخيرة. وهكذا، لن ينجو جونسون من الاعدام فحسب، بل سيتحول بفضل الجماهير والاعلام، إلى صاحب تأثير في الرأي العام.

إذن، لدينا شخص ينفذ بحياته بسبب سيجارة، وآخر يفقد حياته المثالية بسبب رغبته المستميتة في كسر الحصار وتدخين سيجارة في مكان عمله. ففي تلك الأثناء، سيُدخن صديقنا الراوي سيجارته في حمّام الشركة وينسى إغلاق الباب لتفتحه -لسوء حظه- طفلة، وتجده جالساً يدخن وبنطاله عالق بين ساقيه... وبدلاً من صرفها بلطف، ينعتها بالحمقاء، وبدلاً من شكوى عادية تقدمها أمها، تتحول القضية بين ليلة وضحاها إلى اتهامه بالتحرش بالصغار. وهكذا تكبر كرة الثلج حتى تجرفه وتنهار حياته الرائعة والمثالية، وينتهي به الأمر في السجن وبعدها في نقطة حدودية بين سوريا ولبنان. وهناك، عند الحدود، وتحت اشراف كاهن، يتم تسليمه لمجموعة متطرفة أطلقت برنامج "أكاديمة الشهداء" في الانترنت، حيث يتسابق الرهائن على الاجابة عن الاسئلة والحصول على تصويت الجمهور كي لا يتم اعدامهم. يُسلّم الراوي في عملية مبادلة أراد فيها أن يفدي حياة رهينة أخرى. فعل هذا في حركة يائسة أرادها أن تكون مؤثرة في الجمهور العريض من مشاهدي البرنامج، وأرادها أن تكون شبيهة بحركة جونسون حين شكّل بالزهور أمام كاميرا الأخبار جملة "تحيا الحياة". قرر صديقنا المقامرة بحياته وبآخر اوراقه، فلا فرق بين جحيم السجن حيث التصقت به تهمة مغتصب الصغار، وحيث عانى من مضايقة زملائه المسجونين وخسارة عمله وحياته الاجتماعية، وبين موت محتمل في صحراء عربية.

تكفي سلسلة من الحماقات البشرية والتصرفات الساذجة، كي تنقلب الأمور رأساً على عقب، ويتحول المجرم إلى ضحية، والانسان المكتفي بفردانيته إلى مُتحرش بالصغار. يوظف بُونوا ديتيرتر، التفاصيل، بمهارة في لعبة روائية مُزدوجة. فحكاية جونسون كشفت لنا تناقضات المجتمع الفرنسي وعرّت العنصرية والأحكام المُسبقة الموجهة نحو المهاجرين، كما كشفت دور الاعلام في الترويج لبعض الأشخاص بهالات مبالغ فيها وتسهيلهم لصعود نجوم مزيفين كجونسون والمحامية قليلة الذكاء ماريان باتاكي. كما يصور ديتيرتر، الفرنسي والأوروبي عامة، ضحية لفردانيته ورغبته الانانية في الانغلاق على نفسه. فالراوي متزوج من لطيفة المصرية، لكنه لا يحدثنا عنها إلا كسجد مثير وشريك له في رؤيته للحياة، ولا ينصاع لرغبتها حين تريد انجاب طفل. كما يكشف الكاتب جشع الشركات الكبرى، مثل شركات التدخين التي تقدم الملايين والمحامين وكل ما يمكن أن يعزز وضعها في السوق، إلى درجة عرضها تجهيز غرفة للمدخنين داخل السجن كي يتمكن جونسون من تدخين سيجارته الأخيرة.

هذه الرواية مربكة وعميقة في الأفكار التي تطرحها، أفكار تولد أسئلة عن فردانية الانسان وحرية اختياره لأكثر قراراته ذاتية.. وإلى ان يمضي بنا العالم؟ وكيف يمكن فعلياً تصويب مسار الاشياء؟ فالعدالة ترفو بثوب مليء بالثغرات، والاعلام أعمى. لكن الرواية في المقابل تقدم لنا بونوا ديتيرتر، صاحب الصوت الساخر والكافكاوي، الذي يعرض لنا أفكاراً تمسنا جميعاً، ولا يتردد في التعبير عنها بأسلوبه الخاص، بصوت مرتفع وواضح!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها