آخر تحديث:15:13(بيروت)
الجمعة 13/10/2017
share

"بنت الباشا" للينا هويان الحسن: دمشق هي البطلة

كه يلان مُحمَد | الجمعة 13/10/2017
شارك المقال :
"بنت الباشا" للينا هويان الحسن: دمشق هي البطلة
لا يُختزلُ دور المرأة في روايات الكاتبة السورية، لينا هويان الحسن، في قوالب مُستهلكة، كما أنَّ وجودها ليس عاملاً للتشويق والإثارة وإضفاء طابع ميلودرامي إلى تركيبة النص، بل تظهر النساء في شخصيات مُتمردة غير مقيدة بحدود مرسومة، الأمر الذي قد يصدم الوعي التقليدي والخطاب الذي يضعُ المرأةَ ضمن الأطر التكميلية. وبما أنَّ العنوان علامة يتواصلُ القارئ عبرها مع مضمون العمل، وبناءً على ما تقدمه العتبة الأولى، تتوالدُ التوقعات حول ما يكتنزه النص من موضوعات ورؤى وأفكار. لذلك تُفضلُ صاحبة "الذئابُ لا تُنسى" الكشف عن طبيعة ما تُقيمُ عليه عوالم رواياتها، من خلال تعيين أسماء أو صفات النساء، عنواناً، وهذا ما يتبين في روايات "نازك هانم"، "سلطانات الرمل"، "ألماس ونساء". إذ تتمسك بهذا الأسلوب أيضاً في رويتها "بنت الباشا"(*).

ترحل بنا المؤلفة في عملها الجديد إلى مطلع القرن العشرين دون أن تخوض في تفاصيل تأريخية بل أنَّ هذا الجانب لا يهمها إلا بقدر ما يخدمُ الشخصية الأساسية (نسليهان) التي تُعاكس المنظور السائد، وتتجاوز تطلعاتها ما تسمعه من رائدات تحرير المرأة. وفي ذلك تعتمدُ على وصفة مركبة من الرغبة الذاتية والشعوذة والوجد الصوفي وقراءة الكتب والروايات. وتستشهد الكاتبة بمقولات الكتّاب الآخرين في مُفتتح كل فصل، وهذا ما يكون بمنزلة جُمل كاشفة لما يحملهُ كل مفصل جديد من تطورات. إضافة إلى توارد شذرات من حِكم وأشعار المتصوفة، أمثال إبن عربي وجلال الدين الرومي. ولا يأتي ذلك كله لملء الفراغات أو لمجرد تزيين فضاء النص بمقولات العارفين والمشاهير، إنما تنجلي الضبابية عن وظيفة هذه المفردات مع معرفة تركيبة الشخصيات التي تتقاسمُ فضاء الرواية. إذ تتحول البنية المكانية، وهي قصر محمود باشا في دمشق، إلى مسرح تنبسطُ فيه حكايات النساء الوافدات. تتباينُ جنسيات محظيات القصر ودياناتهن، وذلك ما يُكسبُ العمل تنوعاً على مستوى الشخصيات، مع أنَّ شخصية نسليهان تبدوُ نواةً للرواية، غير أن ذلك لا يعني سحب الأضواء عن الحبوبة آسيا، داد بحري، جيهان، فرلان خانم، وتوركان خاتون. 

سيرة مُتخيلة
الشخصية الروائية هي كائن من الورق على حد قول رولان بارت، وقد تتلبس هذه الكائنات المتخيلة بشخصيات تاريخية أو واقعية. لذا درجت العادة لدي بعض الكُتاب أن يشيروا إلى أن أي تشابه بين ما يرد ضمن نصوصهم من شخصيات وما تجده داخل أطر الواقع، ليس إلا محض صدفة. وتؤكدُ المؤلفة لينا هويان الحسن في مدخل عملها، أنَّ نلسيهان شخصية أوحى بها الخيال، ولم تنتقلْ من صفحات كتب التاريخ إلى فضاء الرواية. بل إن الكاتبة اخترعت سيرة لهذه الشخصية التي تتداخلُ في تكوينها السُلالات والجنسيات والحكايات، وهي انفتحت مداركها في أجواء البيئة الدمشقية، بما لها من خصوصية على المستوى الإجتماعي والديني والسياسي.

فدمشق ليست مدينة بلون واحد، بل تقع على أشكال وأنواع مُختلفة من دور العبادة والمعتقدات والشواهد العمرانية في تلك البيئة الحضرية. ويحضر هذا الشق التاريخي في سياق الحوار المتبادل بين نلسيهان ويوسف اليهودي. علماً أن الشخصية الأساسية تنبشُ في طبقات معالم حضارية، مثل الجامع الأموي، ولا يعلمُ أحدُ غير يوسف، سر إعجاب "بنت الباشا" بالكاتدرائية المريمية، حسبما يُبلغنا الراوي. هذا التنوع في بناء المدينة، يضارعه ما يضجُ به القصر من شخصيات ذات خلفيات دينية غير مُتجانسة في الطقوس والعبادات، وهذا له إنعكاسات في سلوك وتفكير نسليهان. أكثر من ذلك، فهى نشأت في كنفِ أمرأة من صابئة آسيا، فعمّدتها على طريقة ديانتها عندما بلغت الخامسة والأربعين من عمرها، وتعلمت العزف على البيانو من ناستيا الروسية. ويتجول بنا العمل في معالم دمشق وتراكماتها التاريخية. فالمسجد الأموي كان معبداً لجماعة تعبد "جوبيتر"، ثم تحول الى كنيسة، قبل أن يصبح جامعاً للمسلمين، كما تروي نلسيهان لعشيقها يوسف، قصة بناء الجامع السليمي الذي يضمُ رفات إبن عربي. 

ضد التيار
تجربة نلسيهان تحملُ جينات تكوينها الأسري وملامح المكان الذي نشأت فيه. فهي صاحبت يوسف اليهودي حيث أطلقت لرغبات جسدها العنان. وأنصتت إلى حكاية دادا بحري التي إنطلقت من سلطنة البرنو مع محمود باشا، وخبأت ربتها (إيللويا) في الصحراء، وعايشت أجواء المبغى في طرابلس، وتعرفت على الزنجيات اللائي تكلمن (الكنورية)، إلى أن استقرت في دمشق. كما شهدت طقوس الحبوبة آسيا التي تتظاهر بإسلامها، لكنها تبوح لها بِقناعاتها الدينية المندائية. فضلاً عما تتعلمه من آسيا عن أسرار النجوم ولغة الأرقام.

والجدير بالذكر هنا، أن الإطار الذي يجمع ثلاث شخصيات من ديانات مُختلفة، يُحلي إلى أسلوب الكاتبة التركية، أليف شافاك، في روايتها الأخيرة المتمحورة حول ثلاث فتيات تتباين إتجاهاتهُنَّ الفكرية.

تُسندُ الكاتبة وظيفة السرد إلى راوِ غائب، يُنظمُ وحدات الرواية، وقد ينسحبُ من المشهد تاركاً المجال لتبادل موقع الراوي والمروي له بين الشخصيات، وبذلك تتسعُ الرواية لحكايات فرعية مثل ما ترويه البطلة عن رحلة امها فرلان، من دير الراهبات في مُسْتَعْمَرةِ برتُغالية، ثُمَّ وصولها إلى البصرة، قبل أن تنضم إلى قصر محمود باشا. كما أنَّ صراعات محظيات الحرملك، والعلاقة المتوترة بين نسليهان وناظم بك الذي يكتشفُ ما تدفنه إبنة عمها من كيد ضده، وما عملته مع أخته (نورجيهان)، تُشكل بنية النص.

وتفصح الشخصية الإساسية أيضاً عن اهتمامها بالجانب الإيروتيكي، وما تكمنهُ من نزعة نرجسية. تعبّر عن إعجابها بشخصية "بتشورين"، بطل رواية ليرمنتوف، واصفة إياه بنموذج مثالي للأنانية. لا تستنكفُ عن الحديث في علاقاتها الحميمة مع يوسف، مع ابنة عمها، وتجوب دمشق في سيارة الدودج، بقَصة شعرها القصيرة، مُتحدية منظومة المُجتمع الذكوري. 


(*) صدرت "منشورات ضفاف " بيروت، "ومنشورات الإختلاف" الجزائر-2017 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها