آخر تحديث:13:17(بيروت)
السبت 20/02/2016
share

رحيل أمبرتو إيكو.. صاحب النجوميتين

حسن داوود | السبت 20/02/2016
شارك المقال :
رحيل أمبرتو إيكو.. صاحب النجوميتين "أنا فيلسوف.. أكتب الرواية في عطلات نهاية الأسبوع فقط"
"أنا فيلسوف، أكتب الرواية في عطلات نهاية الأسبوع فقط"، قال أمبرتو إيكو في مقابلة أجرتها معه صحيفة "الغارديان"، لكن رغم ذلك كانت روايته الأولى "اسم الوردة" هي التي منحته الشهرة العالمية حيث بيع منها ما يقرب من عشرة ملايين نسخة في اللغات الثلاثين التي ترجمت إليها، ومن بينها العربية (التي نقلت إليها أكثر أعماله، خصوصا الروائية منها). لكن ذلك الفصل بين مجالي شهرته (في الرواية، وفي الفلسفة التي جمع إليها علم الدلالة والألسنية) لم يفترقا، بل كانتا معاً، استمراراً لدراسته فلسفة القرون الوسطى وأدبها، منجزاً أطروحة الدكتوراه عن توما الإكويني العام 1954.

"كفيلسوف، أنا مهتم بما هو حقيقي، وإذ رأيت أن من الصعب جدا أن نقرّر (عبر الإستنتاج الفلسفي) ما هي الحقيقة، رأيت ان من الأسهل الوصول إليها بتحليل (ودحض) ما هو كاذب ومزيّف". كان منشغلا على الدوام بالسؤال عن ديمومة المعتقدات وخلودها، متسائلا "كيف غيرّت المعتقدات المراوغة العالم".

كعالم دلالي، وهو بين الأهم في العالم، سعى إلى دراسة الثقافات من خلال الإشارات والرموز والكلمات والأيقونات الدينية والفنون والحرف اليدوية والجداريات، وحتى الصور المتحركة، هذه التي توسع المجال الزمني لدراساته وصولاً إلى زمننا هذا. في بحثه، أولى أهمية خاصة لدراسة الفنون الحديثة، وخصوصا منها تلك التي تنتسب إلى فنون البوب، "لست أصوليا في ما يتعلق بذلك. لا أقول مثلا أن لا فرق بين هوميروس ووالت ديزني، لكنني أستطيع أن أقول أن شخصية ميكي ماوس مهمة مثلما هي مهمة قصائد الهايكو". وقد توزّعت دراساته الدلالية في عشرين كتاباً بينها، مثلا، كتابه عن "تاريخ الجمال" ألذي أصدره في 2004 باحثا فيه عن مفاهيم الجمال في الثقافة الغربية، وقد أعقبه بكتاب آخر: "القبح" مستخدما رسوماً وتصاوير وحكايات وأقوالاً...إلخ.

أما رواياته فبقيت هناك في القرون السابقة، بدءاً من العام 1204 حيث تجري رواية "باودولينو"، ثم القرن الرابع عشر حيث تجري وقائع "اسم الوردة" بتعيين لسنة 1327، ثم  القرن السادس عشر، ثم التاسع عشر مع الفيزيائي الفرنسي فوكو صانع البندول.

روايته "اسم الوردة" ترجع إلى العقد الثالث من القرن الرابع عشر إذن، لتستعاد فيها وقائع ما حصل في ذلك الدير الإيطالي الفرنسيسكاني الذي أُرسل إليه الأب وليم باسكرفيل، للبحث في البدع التي تسرّبت أخبارها إلى خارج الدير. وإذ حصلت سبع حالات وفاة غامضة ومفاجئة في أثناء وجود باسكرفيل هناك، اضطر إلى أن يؤدّي دور التحرّي في تقصّيه، أما أدوات عمله، النظرية، فكانت منطق أرسطو ولاهوت توما الإكويني وتجريبية روجر بايكون. إعتماداً على "أدواته" تلك كان على الراهب الأب أن يجمع أدلة ويفكّك أسراراً ورموزاً ويعثر على مخطوطات ويحفر في المتاهة الغريبة للدير "حيث الأمور الأكثر أهمية لا تحدث إلا في الليل".

في "بندول فوكو" استوحى الكابالا من التراث اليهودي مقسما الرواية، على غرار الكابالا، إلى عشرة أقسام. وقد انتقد كثيرون الكتاب، الذي لقي شهرة واسعة هو أيضا، لافتقاد كاتبه للكفاءة الروائية. بين هؤلاء سلمان رشدي ألذي قال أنه خال من أيّ حس فكاهي وبلا أسلوب.. إلخ. وإذ جرت مناظرة بين الكاتبين في نيويورك، عمد أمبرتو إيكو إلى قراءة نصوص من هذا الكتاب، كردّ عابث على اتهامات رشدي.

أمبرتو إيكو، الجامع بين النجوميتين، بحسب ما وصفته الصحف، كان مدافعاً عنيداً عما وصفه بنشاطه الخاص في نهايات الأسبوع. بين ما اتهم به استعصاء رواياته على القراءة، على الرغم من ذلك الإقبال الهائل عليها. وهو أجاب أحد سائليه عن ذلك بقوله: كأنك تسأل امرّاة تسير في الشارع، لماذا ينظر إليك الناس؟

أمس الجمعة توفيّ أمبرتو إيكو في منزله بميلانو. كان في الرابعة والثمانين.     


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

حسن داوود

حسن داوود

مدير التحرير في "المدن"

مقالات أخرى للكاتب