آخر تحديث:08:36(بيروت)
الإثنين 05/12/2016
share

كلّ شتاء يدخل مصحوباً بذلك القديم.

هدى بركات | الإثنين 05/12/2016
شارك المقال :
لا تذكّرني الفصول الأخرى بأخواتها الماضية. وحده الشتاء يستحضر تلك الطفلة. ربما تكون الوقفة خلف النافذة، الوقفة الطويلة التي تسمح بالتأمّل من وراء الزجاج هي ما يتيح لعينيّ أن تريا تلك الفتاة.

أكان مطراً أم ثلجاً، تقرّب الطفلة وجهها من الزجاج لتتفرّج فيغطّي غبش لهاثها مساحة المربّع، وبدل أن تمسح الغبش تروح ترسم عليه أو تكتب اسمها. يصبح النظر ضائعاً آنذاك في لذة لعبتين معاً...

في خلو الشارع تحت المطر تبتسم الطفلة للدفء الذي يفصلها عن برد الشارع. تقول إن الحظّ في أن يكون عندنا سقف وبيت هو نعمة، تذكّرها أمّها دائماً، عندما لا تعجبها الكنزة الصوفية، بأن هناك من لا يملك حظّها، هناك من لا يملك كنزة ولا سقف بيت.

هكذا هي أمّها. الحساء حظٌّ أيضاً فهناك أطفال مثلها يجوعون. فيسيل لعاب الطفلة ويحترق طرف لسانها وهي تشرق العدس المطحون، حتى قبل أن يحضر الخبر المحمّص.

يأتي الشتاء مصحوباً بالصوف. من وراء النافذة تشمّ المرأة رائحة الصوف وهي تضمّ الشال على كتفيها. الصوف في عقصه الجميل على الرقبة كنحلات طيّبات. قبل أن تبكي الصغيرة تقول لها أمّها إنّه هكذا هو الصوف وأن ملمسه على الجلد سوف ننساه حين نشعر بالدفء اللذيذ. تبكي الصغيرة، فتقول لها أمّها إن هناك أطفالاً يمرضون من شدّة البرد لأن ليس عندهم كنزة صوف. تعود البنت الصغيرة إلى الزجاج وتتوقّف عن البكاء.

تكتب المرأة اسمها على الزجاج فتمحوه الطفلة بكمّ كنزتها. أنت الآن بعيدة عن أمّك، تقول الطفلة، وتستطيعين الاسترسال في البكاء من عقصات الصوف. وراء الزجاج بردٌ آخر في شارع آخر. الآن وقد دخلتِ عمر الجدّات، ورأيت كم أن ياسمين حفيدتك تشبهك. كمّ هي مثلك سريعة البكاء، وكيف أصبحت تردّدين لها بأن هناك أطفالاً لا يملكون أن ... اقتربي من ياسمين خلف الزجاج فيما الكستناء تنضج في المقلاة القديمة. رائحتها ستحملك إلى عمرها وإلى نفاذ الصبر مثلها.

هنا تمطر خفيفاً وطويلاً لا كما في بيروت. تحبّ ياسمين حكايات تلك الطفلة فأروي لها عن "حين كنت في عمرك، في بيروت". وكيف كنت مثلها أخاف في العتمة، ولا أحبّ الصوف ولا حساء العدس، وكيف صرت أحبّهما من كلام أمّي. فتقول ياسمين إن أمّي معها حق وإنّه يجب أن نفكّر بالفقراء خاصةً في البرد. وإنّ أفضل طريقة لمساعدتهم هو في أن "أصبح قديسة حين أكبر"، بحسب ما أوحت لها المعلّمة الكاثوليك. ورغم ما تؤكّده أمّها من أن ليس هناك من قدّيسين، وأن عليها أن تنسى ترّهات المعلمة، تُسرّ ياسمين في أذني بأنها هي متأكّدة، وأن عليّ أن أسأل أمّي أنا، وهي ستقول لي الحقيقة.

حين تنضج الكستناء ترفعها عن الجمر. تقول لي: انتظري، ستحرقين أصابعك الصغيرة. أنتظر. تعطيني حبة الكستناء مقشورة ومقسومة إلى قسمين حتى تبرد بسرعة. أجمع الحبّات في كفّي وأعود لأقرشها وراء النافذة.

تشكرني ياسمين وتقول إني جدّة لطيفة جداً إذ أعطيها ما تريد من حبّات الكستناء قبل أن أذوقها. أتذكّر متعة أمّي وهي تقشرها ساخنة تنقلها بسرعة من يد ليدّ كمن ينقل جمرة، وهي تضحك، ثم تنفخ عليها لإزالة الرماد قبل أن تضعها على يدي. لا رماد على الحبّات التي أشويها في المقلاة القديمة لياسمين لكنّي مع ذلك أنفخ عليها مرّات. أحسب ربما أنّي بذلك أعطي الكستناء ذلك الطعم القديم. كأننا، أنا وأمّي، ننفخ معاً على حبّات الطفلتين.

أقول لياسمين: تعالي نأكلها متفرجين على مطر الشارع من وراء الزجاج...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

هدى بركات

هدى بركات

روائية لبنانية

مقالات أخرى للكاتب

في بلاد الرأفة الإثنين 09/01/2017
"في صراع الأجيال" الإثنين 26/12/2016
بالمناسبة: من" نحن"؟ الإثنين 19/12/2016
"بلد صغير" وتحمله معك الإثنين 12/12/2016
المزيد