آخر تحديث:12:48(بيروت)
الثلاثاء 20/12/2016
share

جيرار حداد: التحليل النفسي للتعصُّب

طارق أبي سمرا | الثلاثاء 20/12/2016
شارك المقال :
جيرار حداد: التحليل النفسي للتعصُّب جيرار حداد ما ناشرته الفرنسية
بالنسبة إلى المحلل النفسي الفرنسي، التونسي الأصل، جيرار حداد، إن إحدى السمات الرئيسة للشخص المُتعصِّب تَوهُّمُه أنه يمتلك الحقيقة المُطلقة، وأن كل من لا يُشاركونه تصوُّره لها كائناتٌ دونية لا تستحق الحياة، ينبغي، في نهاية المطاف، إبادتها إبادة تامة نُصرةً لهذه الحقيقة وتمهيداً لتحقق الوعد الذي تنطوي عليه، وعد بغَدٍ مُشرق يتماهى مع عصر ذهبي أسطوري. يكتبُ حداد: "وهذا ما عبّر عنه [الكاتب والفيلسوف الألماني] جوتهولد إفراييم ليسينغ، حيث تخيَّل الله مُخَيِّراً إياه بين ما في يمينه من حقيقة، وما في يساره من مشقّة البحث عن الحقيقية، وذهابه، هو، إلى اختيار ما في يسار المَولى[...]" (ص 28). أما المُتعصِّب، فيختار ما في الكفِّ اليُمْنى لله، بل يخال له أنه يَسكُن فيها. لذلك عنوَن حداد كتابه الصادر حديثاً عن "دار الجديد" في ترجمة عربية أنيقة وحتى بديعة: "في يمين المَولى – التعصُّب في ميزان التحليل النفسيّ"(*).

ثمة أشكال أربعة للتعصُّب بحسب حداد: القومي، والعنصري، والإيديولوجي التوتاليتاري، والديني. وجميع هذه الأشكال تتأسس على شعور طبيعي، كحبّ المرء لوطنه، أو افتخاره بثقافته وعرقه، أو إيمانه بدين أو معتقد سياسي ما. هو إذاً شعور لا تشوبه شائبة في الأصل، ولا يستحيل تعصباً إلّا في حال تضخّمه وتورّمه نتيجة لمسار ذاتي للفرد، ولظروف سياسية واجتماعية مُعيّنة.  

"لا بد، ليُنتِج التعصُّب مفاعيله السامة، من أن يتمازج شكلان من أشكاله مع غلبة للتعصُّب القومي" (ص 38). كثيرة هي الأمثلة على ذلك: فالقومية قد امتزجت مع التعصُّب العنصري في حالة النازية، ومع التعصُّب الإيديولوجي في حالة الستالينيّة، ومع التعصُّب الديني في حالة  "داعش". وفيما يخصّ الأخير، يشير حداد إلى أن "تنظيم الدولة الإسلامية"، على الرغم من بُعده عن المفهوم الغربي الحديث للدولة/الأمة، على ارتباط وثيق بأمّة لها حدودها التاريخية والجغرافية (ولو كانت حدوداً إفتراضية أو حتى مُتخيَّلة) وهي أمّة الإسلام، أي أن "داعش" على ارتباط وثيق بنوع من أنواع القومية.

يَعتبر المؤَلِّف أن التعصُّب ليس فطرياً وأنه لم يوجد من أول الزمان، بل هو ذو تاريخ وصيرورة. فنشأة التعصُّب "مُلازمة لنشوء النزعَة الكونيّة، أي النزعة التي أدَّت بالجماعات البشرية إلى مُغادرة خصوصيّاتها [...] وإلى مباشرة نمط من التفاعل العام بينها، أفضى بها لاحقاً إلى ما نتعارف على تسميته 'العولمة'" (ص 45). وأُولى تجليات هذه النزعة إلى الكونيّة السَّعيُ إلى التمدد الإمبراطوري الذي أخذ يظهر بدرجات متفاوتة، في حقبات وأماكن مُتفرِّقة، حتى تبلور أخيراً في روما. ثم، بعدما تبنّت الإمبراطورية الرومانية الديانة المسيحية، أي العقيدة التي ستسمح لها بتكريس نفسها حقيقة مُطلقة، صارت المثال على "ضرورة التعاضد بين تَعَصُّبَيْن لتوفير أسباب النجاح لمشروع ما" (ص 48)، وأضحت النموذج الذي استلهمته مدارس التعصُّب اللاحقة. وقد بلغت النزعة إلى الكونيّة، في يومنا هذا، حدّ التَفَلُّت من كل ضابط، أكان ذلك في المجتمعات الغربية (ذي الأصول المسيحيّة) أو الإسلاميّة. وما صِدام الحضارات سوى صدام تَوْقَيْن إلى الكونية، "وهذا ما يُفسِّر أن الغرب، اليوم، لا يرى التعصُّب إلا في الإسلام، متناسياً أن نزوعه هو إلى الكونيّة، عُرضة لأن يُترجِم عن نفسه تعصباً، ومُتغافلاً عن التململ الذي تنشُره بين الشعوب رغبته في الهيمنة" (ص 57).

***

بماذا يَحْلُم المُتعصِّب؟ بنهاية العالم التي هي بداية العالم أيضاً؛ بمستقبل طوباوي حيث تعمّ الوفرة ويحلو العيش، ذلك بعد تطهير الدنيا من كل نجاسة، أي من الآخر "المُختَلِف" مَصْدَر كل فساد ووبال (العدو أو الخائن أو الكافر أو اليهودي أو صاحب البشرة السوداء أو السمراء، إلخ)؛ بخواتيم التاريخ التي تتماهى مع فجره، ذاك العصر الناصع الذي لم يكن قد مسّه بعد أي دنس، وحيث كانت تسود الحقيقة المُطلقة. هكذا يُعَرِّف حداد "المهدويّة" (millénarisme) التي في صميم كل تعصُّب. 

ولهذا المنطق المهدويّ "القاضي بالعَوْدِ على البَدْءِ" (ص 78) اسمٌ آخر: الثورة، التي ليس من غَرَضِها "أن تُحَسِّن الواقع وإنما أن تُطيحَه عن بكرة أبيه" (ص 79). وبالنسبة إلى حداد، إن هذا الرفض للتحسين التدريجي للمجتمعات وهذه الإرادة بقلب الأمور رأساً على عقب، هما ما يحيلان الثورة وهماً. وهو وهمٌ قد يُبِيح شتّى أنواع القتل والمجازر.

***
"التعصُّب هو الكمامة التي تَكُمُّ اللاوعي [...]، الكمامة التي يَكُمُّ بها المُتعصِّب رغباته" (ص 88). فما طَلَبُ النقاء في جميع أشكاله (نقاء عرقي أو ديني أو قومي أو أيديولوجي) سوى كبت شديد للغرائز الشهوانية؛ أضِف إلى ذلك أن الإنضواء تحت راية جماعة مُتعصّبة، تَرْفَع القضيّة التي تُدافع عنها إلى مصاف الحقيقة المُطلقة، يُحتِّم على المرء أن يتخلّى عن رغباته وعن مصالحه الشخصيّة، بل حتى أن يُضحّي بفردانيَّته على مذبح القضيّة المُقدّسة للجماعة. لذلك، فإن "التعصُّب موت الرغبة في فرديّتها" (ص 83).

إلا أن المفارقة هي أن السائر على طريق التعصُّب، بالرغم من كبته الشديد لغرائزه الشهوانية، تُحرِّكه رغبة باطنية هي بمثابة النقيض التام لهذا الكبت: "إنها الرغبة بعالم تُنْسخ فيه الشرائع والقوانين وترتفع فيه القيود [...]، عالم تعمُّ فيه الوفرة ويعمُّ فيه الرفاه [...] وتتدلى فيه الحلويات من غصون الأشجار دانيةً للقطاف" (ص 126). ويذهب حداد إلى أن هذه الكراهية للقانونيين، وهذه الرغبة في إبطالها، تتأتيان من رفض عميق لفكرة المحارم، وبشكل خاص لحرمة الأم. ثم يصل في تحليله "إلى أن الرغبة الشهوانية في الأم هي في الأصل من كل تعصُّب [...]" (ص 131)، وذلك لأن المُتعصِّب لم يقبل الإخصاء، أي التنازل عن رغبته الأوديبيّة بوالدته.

وربما ليس من المبالغة القول أن هذا التفسير الأخير – الرغبة الأوديبية بإقامة علاقة جنسية مع الأم – هو ما يَخْلص إليه، منذ فرويد نفسه، معظم المحللون النفسيون في تحليلهم لمعظم الظواهر، أكانت ظواهراً مَرَضيّة أو طبيعية، فردية أو إجتماعية، ثقافية أو فنيّة أو دينيّة أو سياسيّة. وحتى لو كان هذا التفسير صائباً، فهو، لأنه مفرط في شموليته وبإمكانه أن يشرح كل شيء، لا يشرح  في الواقع شيئاً عن أي ظاهرة مُحددة.  

مهما يكن من أمر، فإن المتعصِّب، بحسب حداد، لا يقوى على إنزال نفسه منزلة الخَصِيّ من المحارم (ومن حرمة الأم بشكل خاص)، لأنه يعاني من بُنْيَة نفسية نرجسية هشّة ومَرَضيّة. ومسألة النرجسية هذه تُحيل إلى "طور المرآة" كما شرحه جاك لاكان. يعتبر الأخير أن الطفل الوليد لا يدرك، في بادئ الأمر، سائر أعضاء جسده بوصفها وحدةً مُتكاملة، أي أجزاء من جسد واحد. ولا يصل الطفل إلى هذا الإدراك إلا عندما يرى، بمساعدة شخص راشد، نفسه في المرآة، فيكتشف صورته الجسدية كوحدة مُتكاملة، وتنشأ بينه وبين صورته علاقة افتتان هي ما يُسمّى النرجسية. و"في هذه الصلة بين صاحب الصورة وصورته شيءٌ من الإرتهان والتبعية، ذلك أنه يستحيل على المرء أن يرى إلى نفسه كما هو تماماً وكما يراه الآخرون. فالصورة التي تعكسها المرآة هي، حرفياً، صورة عكسية: عندما أرفع يدي اليُمنى ترفع الصورة يدها اليُسرى وهكذا، ومن هنا ما يستولي على المرء من شعور مُزمن بقلّة الرِضى" (ص 97). 
إن التعرّض لصدمة قوية أو إهانة قاسية كفيلٌ بتشويه هذه الصورة وبتوهينها، ما قد يؤدّي إلى كره المرء لذاته وتشبّثه بصورته المرآوية الأصليّة المُتخيّلة التي يرغب عندها بالذوبان فيها، تلك الصورة التي يفترضها كاملة، لا يشوبها أي خلل ولا ينقصها أي جزء. وهذه تحديداً حالة المُتعصِّب الذي، من خلال أحلامه المهدويّة وتوقه إلى العودة إلى عصر ذهبي، يسعى إلى الإلتحام بصورته المرآوية الأولى.  

والتحليل هذا ليس حكراً على الأفراد، بل يمكن تطبيقه على المجتمعات أيضاً. هكذا، يرى حداد أن ما يُحرِّك التنظيمات الإسلامية المُتعصِّبة مثل "داعش" – وما يُفسِّر افتتان الكثيرين بها –، هو توق إلى إعادة ترميم صورة الحضارة الإسلامية عن نفسها، إلى الإلتحام بتلك الصورة القديمة، المجيدة والمُتوَهَّمة، ذلك بعد أن تهشّمت الصورة الحالية جرّاء تعرّض الحضارة الإسلامية لشتّى أنواع الهزائم والمهانات والصَدَمات النرجسيّة.

***
في ختام كتابه، يَعتَرِف جيرار حداد أنه كان في شبابه ستالينياً مُتعصِّباً، وأن الثورة كانت تعذُر عنده كل الجرائم والفظاعات. ويضيف أنه يدين بخروجه من تعصُّبه هذا إلى العلاج النفسي الذي أجراه مع جاك لاكان، وأن معظم الحجج الواردة في هذا العمل، كانت محطّات على طريق العلاج هذا. لذلك، على حدّ قوله، زجّ بنفسه في هذا الكتاب، فلجأ كثيراً إلى صيغة المُتكلِّم. ولعلّ هذا الزجّ بالنفس أحدُ أسباب المُتعة المتأتية من قراءة هذا البحث، مُتعة أشار إليها المُترجمان في مُقدِّمتهما، وهي مُتعة ربّما ضاعفاها للقارئ العربي عبر إنجازهما ترجمة مُبهِرة.


(*) "في يَمين المَولى – التعصُّب في ميزان التحليل النفسي". جيرار حداد. "دار الجديد"، ترجمة ر.أ وس.ج. 160 صفحة.    

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها