آخر تحديث:11:55(بيروت)
الجمعة 16/12/2016
share

"الدمشقي الكافر"

محمود الزيباوي | الجمعة 16/12/2016
شارك المقال :
  • "الدمشقي الكافر"
    "بعد الآن سيُقال في تاريخ الفكر العربي: قَبل صادق العظم وبعده"
  • فصل الدين عن الدولة
    فصل الدين عن الدولة
  • مواقف
    مواقف
  • أنا ماركسي
    أنا ماركسي
رحل صادق جلال العظم عن هذه الدنيا تاركاً مجموعة من المؤلفات، أشهرها "نقد الفكر الديني" الذي أوصله إلى المحاكمة والقضاء في لبنان. صنع هذا الكتاب من صاحبه أسطورة في نهاية الستينات، وجعل منه رمزاً حياً للتمرّد والعصيان والثورة، وقيل يومها: "بعد الآن سيُقال في تاريخ الفكر العربي: قَبْل صادق العظم وبَعده". 


صدر "نقد الفكر الديني" عن دار الطليعة في بيروت في خريف 1969، وجاء على شمل بحث يتألّف من ستة أبواب: "الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني"، "مأساة إبليس"، "ردّ على النقد"، "معجزة ظهور العذراء وتصفية آثار العدوان"، "التزييف في الفكر المسيحي الغربي المعاصر"، "مدخل إلى التصور العلمي ــ المادي للكون وتطوره". تميّز الكتاب بجرأته في "التصدي الصريح للبنى الفكرية، وللأيدولوجية الغيبية السائدة في مجتمعنا"، كما جاء على الغلاف الخلفي. تبنّى "ملحق النهار" بحماسة بالغة هذا البحث فور صدوره في مطلع شهر كانون الأول-ديسمبر، وأفرد غلافه لصورة المؤلف بريشة بيار صادق، مرفقة بعنوان عريض اقتصر على كلمتين: "الدمشقي الكافر".

نشر "الملحق" مقالتين طويلتين من توقيع عبد الكريم أبو النصر وناصيف نصار، وأشعل معركة نقدية استمرّت على أسابيع، تتالت خلالها الردود على الكتاب كما على المقالات التي تناولته، سلباً وإيجاباً. هلّل عبد الكريم أبو النصر في مقاله التعريفي بالكتاب وبمؤلفه، وحملت مقالته عنواناً مثيراً: "خارج على عائلته المسلمة الأرستقراطية وواحد من العصاة الشياطين الحقيقيين". استهل الصحافي مقالته بقول الأديب الفرنسي أندريه جيد: "لن ينقذ العالم، إذا أمكن انقاذه، الا العُصاة. من دون العُصاة، لقُضي على حضارتنا وثقافتنا، وما نحب، وما يعطي وجودنا على الأرض تبريراً سرياً. هؤلاء العُصاة ملح الأرض". ووصف صادق العظم بـ"الشيطان العاصي"، ونقل عنه قوله في المسألة الدينية: "أنا لا أقصد الدين باعتباره ظاهرة روحية نقية وخالصة، على نحو ما نجدها في حياة قلة ضئيلة من الناس، كالقديسين والمتصوفين وبعض الفلاسفة. ان الدين الذي أعنيه في بحثي هو قوة هائلة تدخل في صميم حياتنا وتؤثر في جوهر بنياننا الفكري والنفسي وتحدّد طرق تفكيرنا وردود فعلنا نحو العالم الذي نعيش فيه، وتشكّل جزءاً لا يتجزّأ من سلوكنا وعاداتنا التي نشأنا عليها. لذلك سننظر إلى الدين باعتباره مجموعة من المعتقدات والتشريعات والشعائر والطقوس والمؤسسات التي تحيط بحياة الإنسان احاطة شبه تامة".

استعاد عبد الكريم ابو النصر السؤال الشائع: "هل الخلاف بين الدين والعلم خلاف ظاهري وسطحي، أم ان الإسلام والعلم يقفان على طرفي نقيض؟". وقال أن "صادق جلال العظم يميل إلى الرأي الثاني"، وأنه يرفض مقولة "الانسجام الكامل بين العلم والإسلام"، كما أنه يرفض "التوفيق الخطابي" السائد في مجتمعنا، و"التوفيق التبريري" الذي تتبناه الدول العربية "التقدمية" كما الدول "الرجعية". " تقول الدول العربية التي أعلنت سياسة ثورية تحررية أن الإسلام يتوافق تماما مع شعاراتها السياسية "باعتبار أن الدين الإسلامي هو دائما ثوري وتحرري". وفي الدول العربية الرجعية والمحاربة لهذه الشعارات، "نجد أن أئمة الإسلام هناك هم من طليعة المبررين لسياسة الدولة الرجعية والمدافعين عن الوضع الاجتماعي المتخلف". من هذ المنطلق، تبدو "تعاليم الإسلام واسعة فضفاضة بحيث تسمع باستيعاب الاشتراكية العربية، بالإضافة إلى أنظمة مغرقة في الرجعية". يسخر صادق العظم من هذه المساعي التوفيقية، ويرى أن أتعس هذه المساعي هي "محاولة التوفيق التعسفي"، وتتمثّل هذه المحاولة في "التوفيق بين الإسلام والعلم الحديث باستخراج جميع العلوم الحديثة وتظرياتها ومناهجها من آيات القرآن، ومن ثم الزعم بأن القرآن كان يحتوي منذ البداية على العلم برمته"، كما فعل يوسف مروّة في كتابه "العلوم الطبيعية في القرآن". أمّا أسخف هذه المحاولات، فتتجلّى في "التوفيق على الطريقة اللبنانية"، "أو ما يُدعى بالحوار الإسلامي المسيحي"، وهذا الحوار بائس وعقيم، وسيبقى "أقرب إلى حوار الطرشان مما هو إلى أي نوع آخر من الحوار المجدي"، "ما لم يصبح المنهج العلمي التاريخي النقدي هو رائدنا في درس الظاهرة الدينية بصورة عامة".

طرح عبد الكريم أبو النصر في مقالته آراء "ابن العائلة المسلمة الإقطاعية والأرستقراطية الدمشقية" الرافضة للأيديولوجية الدينية، وقال إن صاحب هذه الآراء درس الفكر الأوروبي الليبرالي في القرن الثامن عشر قبل أن يتجه إلى الفكر السياسي، ثم تبنّى الفكر الماركسي والاشتراكي اثناء دراسته في الولايات المتحدة. وهو اليوم يحلّل في أبحاثه "مكان العقلية الدينية الغيبية في الهزيمة وما بعدها"، والسؤال الذي يطرحه: "مسلم النصف الثاني من القرن العشرين أمن الحتم عليه الاعتقاد بالجن والملائكة وهروت وياجوج وماجوج؟".  في المقابل، رأى ناصيف نصار في مقالته أن صادق العظم يشكّل "تكملة للشيخ علي عبد الرزاق في التمييز بين الدين والدولة". نشر الشيخ القاضي علي عبد الرازق كتابه "الإسلام وأصول الحكم" العام 1925، بعد عامٍ من القضاء رسمياً على مسمى الخلافة العثمانية، وأشعل معركة ثقافية وسياسية ضخمة. كان هذا الكتاب، في رأي نصار، الخطوة الأولى الحاسمة للتمييز بوضوح وجرأة بين الدين والدولة في الإسلام. وبعده يأتي "نقد الفكر الديني"، وهو "خطوة أخرى من الداخل، في اتجاه النقد والرفض". يستعيد الناقد قول صادق العظم: "لا يعني اني أريد نسخ الشعور الديني في تجارب الإنسان من الوجود، ولكن أرى من الضروري التمييز بين الدين والشعور الديني"، ويشدّد على موقف الكاتب الجريء في الدعوة إلى الفصل بين الدين والدولة، غير أنه ينتقد بلطف تبنّيه للماركسية التي يرى فيها العظم "فلسفة العصر" بحسب تعبير جان بول سارتر، ويستشهد في انتقاده بقول هنري لوفيفر: "ان ما حققه ماركس ضروري، لكنه غير كاف، لفهم هذا العصر".

في الأسبوع التالي، نشر "الملحق" ردّ صادق جلال العظم على المقالتين، وفيه رأى "الكافر الدمشقي" أن الملحق "تجاهل نصف الحقيقة" عنه، وشدّد على أنه ماركسي يؤمن بالثورة الاشتراكية، وقال: "أساهم في نشر وتعميق النظرية الاشتراكية العلمية، الماركسية اللينينية، وممارستها في محيطنا العربي، لأن الثورة الاشتراكية وحدها ستمكّننا، في التحليل الأخير، من انقاذ أنفسنا وعالمنا في هذه الحقبة التاريخية". وأضاف: "أهمل الملحق المقدمة التي وضعتها لكتابي لأنها تشرح الإطار الثوري الذي ينبغي أن توضع ضمنه الأبحاث المتضمنة في الكتاب، وتتخطّى الصّعيد الفردي في الرفض والثورة التمردية الذاتية المزاجية في طرح الموضوع".

رأى صادق العظم أن علي عبد الرازق "كان أولاً وآخراً مصلحاً دينياً أراد إنقاذ النظام الإسلامي عن التجديد والإصلاح الداخلي، وان كانت بعض أطروحاته تنطوي على بعض الإجراءات الجذرية"، وقال إنّ "الإسلام وأصول الحكم" يمثّل "محاولة توفيقية" سعى إليها المؤلف، واستطرد قائلا: "أنا لست مصلحاً دينياً على الإطلاق، ولست من جماعة المتمردين على الأزهر في سبيل أزهر أفضل وأكثر عصرية". وشدّد على ماركسيته، وقال إنها منهج وليست مذهباً، وهي "تهمة" يتشرّف "بالالتصاق بها وبثورتها، وليس بمجرد تمرّدها وعصيانها".

تواصل هذا السجال بحدّة. في 21 كانون الأول-ديسمبر، نشر الملحق رداً من مفتي طرابلس، نديم الجسر، ورداً آخر من مفتي جبل لبنان محمد علي الجوزو، إضافة إلى مداخلة أخرى من ناصيف نصار. برز رد الجوزو بحدته، وكان عنوانه العريض: "عوض أن يحرّر الشيوعيون الشعور الديني عند المسلم، فليحرّروا الشعور الماركسي المسحوق تحت عبء المعتقدات المتحجرة". لام مفتي جبل لبنان ملحق الصحيفة "المسيحية" على تبنيها كتاباً يتهجّم على القرآن، وقال: "إننا نربأ بأية صحيفة اسلامية أن تترك مجالاً للتهجّم على الإنجيل، حتى لو كان التهجّم من قبل مسيحي اعتنق الماركسية. وكان الأجدر أن يكون هذا موقف الجريدة المسيحية بالنسبة إلى القرآن الكريم، حتى لا يُتّهم أصحابها بأنهم خرجوا على مبدأ اللياقة مع المسلمين وأن يتّهموا بأشياء أبعد من ذلك". وسخر من أطروحة صادق العظم، ورأى أن "ربط هزيمة حزيران بالتراث العربي والعقلية الدينية الغيبية تخريف وافتراء لأن المدرسة الإسلامية العسكرية أخرجت عمالقة في الفتوحات".

من جهته، أفرد أنسي الحاج صفحته الأسبوعية لصادق جلال العظم، وحيّا محمد النقاش الذي سارع إلى الدفاع عنه "بينما كان التقدميون واليساريون يستترون وراء ألف ستار ويهربون من المجابهة"،  كما حيّا كمال جنبلاط الذي "استقبل صادق العظم في مكتبه، في وزارة الداخلية، وأثبت أنه أكبر من الدولة"، ونوّه بالناشر بشير الداعوق الذي " تبنّى كتاب العظم والتزم بقضيته التزام الأبطال"، وقال: "كان صادق العظم، بعد صدور القرار باعتقاله ومحاكمته، صورة الحقيقة وصورة العدل، وصورة المستقبل. الحقيقة يطاردها الجدل، والعدل يصادرها الإرهاب، والمستقبل يقف كل شيء في طريقه"، "سينسى التاريخ هذا الوجه التاعس من الحكم اللبناني ولن ينسى أحد صادق العظم. بعد الآن سيقال في تاريخ الفكر العربي: قَبل صادق العظم وبعده". وختم مقالته بالقول: "لا أمل بأي واحد من الأنظمة العربية. اننا نعهد بصادق العظم وبكل صادق عظم من أبناء هذا الجيل العربي الشجاع، العليم، الرافض، الثائر على كل شيء، نعهد بهم إلى الثائرين مثلهم على كل شيء. نعهد بهم إلى الثورة الفلسطينية. ان هؤلاء المفكرين الأحرار الثوار هم رفاق الثورة الفلسطينية، كما هم رفاق كل ثورة، وهم الجهة الروحية لهذه الثورة. فلتكن الثورة الفلسطينية لبنان الأحرار".

استمرّ مسلسل الردود في الأسابيع التالية. كتب وليد خير الله وسامي حمود رداً بعنوان "الإسلام ليس المسلمين والدمشقي الكافر وقع في التناقض". وكتبت "جمعية المحافظة على القرآن" رداً من خمس نقاط حمل توقيع أمين سر هذه الجماعة، الحاج محمد كمال طبارة. في الاتجاه المعاكس، ناصر ابراهيم العريس "الدمشقي الكافر"، وقال في مداخلته: "بإمكانكم أن ترسلوا من يغتال صادق العظم، لكنّنا عرفنا كيف تكون طريق المستقبل". في مطلع العام 1970، قدّم عثمان الصافي، مراجعة لهذا الملف قال فيها "أن المفاجأة في كتاب العظم أنه مارس أسلوب التعرّض المباشر، لكنه كتاب رجعي لو نشر في الغرب لكان موضع سخرية". ورأى سهيل ديب أن "الكتاب لم يأت بجديد"، وأن "الماركسية سوف تتعايش مع الأديان". وفي الأسبوع التالي، كتب منير العكش: "ليس صادق العظم هو المضطَهد وإنما الإسلام، والمشانق التي نصبتها الثورية العربية للفكر الإسلامي تضاهي قارة من خشب". وفي المعنى نفسه، كتب فتحي يكن: "الإسلام سيبقى مستعصياً على معاول الهدم".

في 22 شباط-فبراير، بدأ الملحق بنشر سلسلة مؤلفة من ست مقالات طويلة تناول فيها الشيخ محمد مهدي شمس الدين، فصول كتاب صادق العظم، وحملت هذه المقالات تباعاً العناوين التالية: "ترداد لأفكار عصر النهضة الأوروبية وعمل تافه يتّسم بالنزق الفكري والعاطفية". "العلم عند صادق العظم أكثره افتراضات، والدين كما فهمه، مستند على أباطيل"."رد العظم الكون إلى أصل غير معروف فآمن بالغيب، لماذا يكون غيبه حقاً وغيب المؤمنين بالأديان باطلاً؟". "قصة ابليس، صادق العظم حوّرها ليجعلها أسطورة". "الله الإسلام يبدو عند صادق العظم شريراً وعابثاً لأن الكاتب لم يفهم لغة القرآن. لا يجوز للناقد أن يبتر النص ويختار منه المقطع الذي يؤيد هواه". 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها