آخر تحديث:13:03(بيروت)
الأحد 03/01/2016
share

عبدالمنعم رمضان: أم كلثوم "قطة تموء ويلتف حولها الحشاشون"

أحمد شوقي علي | الأحد 03/01/2016
شارك المقال :
عبدالمنعم رمضان: أم كلثوم "قطة تموء ويلتف حولها الحشاشون" أحب الغناء عندما يكون صوت فرد واحد وليس صوت جماعة بشرية
"الموسيقى ذلك الوسيط للعودة إلى المستحيل: الماضي" بتعبير الشاعر المصري عبدالمنعم رمضان، وليس أبلغ ترجمة على ذلك، من رد نجيب محفوظ خلال آخر لقاءاته المصورة قبيل رحيله، عندما سُئل عما يفعله وحيدًا في المنزل، فقال دون تردد: أغني أغاني الطفولة.
وبعد مقالة "أغاني السجن" لحسن الساحلي من بيروت، هنا الحلقة الثانية من ملف جديد تنشره "المدن" بعنوان "ذاكرة الأغاني"، وهي مقابلة مع الشاعر عبد المنعم رمضان.
و"المدن" إذ تنبش في تلك الذاكرة العاطفية -في الأغلب- عند أهل الكتابة، تحاور الشاعر المصري عبدالمنعم رمضان حول ذاكرة أغنياته الخاصة، والتي تبدو في تعصبها الظاهري لثلاثة مغنين فقط، عاطفية محضة، إلا أنها ذاكرة تشبه طبع القصيدة في حقيقتها كمراوغة عقلية بالأساس، وإلى نص الحوار:


- مَنْ من الفنانين أحب اليك؟ 

عبدالوهاب ونجاة وفيروز.

- وأين أم كلثوم؟

أحب الغناء عندما يكون صوت فرد واحد وليس صوت جماعة بشرية، وأم كلثوم تغني بصوت الجماعة، وذلك هو الحاجز الأول بيني وبين أي مغنٍ. أذكر أن الكاتب اللبناني حازم صاغية أصدر كتاباً عن أم كلثوم، كان عنوانه "الهوى دون أهله"، وهذا الكتاب هو مقلوب عنوان إحدى أغنياتها "أهل الهوى"، يتحدث ذلك الكتاب الصغير في هذه الموضوعة؛ في صوت أم كلثوم الذي يعبر عن صوت الجماعة وليس عن صوت الفرد، وأستعير تعبيره هنا أن صوتها "يستحيل أن يكون صوت أنثى أو صوت ذكر إنه صوت كائن لا جنس له"، وهو التعبير الذي صاغه حازم محاولاً تشخيص ذلك الصوت الذي يعبر عن جماعة فيتعالى على ذاته ويتعالى على جنسه.

-  وأين عبد الحليم حافظ من الاتجاهين: الفردي والعام؟

لم يدخل عبدالحليم حافظ ذائقتي، بل إنه لم يكن في أي لحظة الصوت الذي أحب أن أستمع إليه، ربما لأنه يعبر هو الآخر عن الصوت العام، وربما لأنني بغضت الأسطورة التي قدم من خلالها؛ أسطورة الفنان المريض، تلك التي رُسمت له وأصبحت جسرًا بينه وبين جمهوره الكبير.

أنت تحب عبد الوهاب ونجاة، ويمكن اعتبارهما مدرسة غنائية واحدة كونها تلميذته.. وفي الوقت نفسه تحب فيروز الآتية من مدرسة أخرى مختلفة، فما أسباب تفضيلك لكل مدرسة على حدة وكيف يلتقيان سويا؟

نحن نتطور، أظن أنني بدأت بعبد الوهاب ونجاة الصغيرة في بداية حياتي، ثم أتت فيروز في مرحلة تالية.

- ولكن رأيك في الفرق بين أم كلثوم وعبدالوهاب هو رأي ناضج.. فهل كنت تستمع إليها ثم تطورت لتكتفي بعبدالوهاب وحده؟

صياغة ذلك الرأي هي الناضجة، أو قل هي اكتشافي لسبب عزوفي عن أم كلثوم فقط، لكنني منذ البداية لم أحبها، وأذكر أن حفلات الاستماع الشهرية التي كانت تقام في بيوت الحي الذي أسكنه –حي الوايلي شمال القاهرة- للاستماع إليها، كانت حفلات "الحشيش"، وكانت سماء القاهرة تمتلئ بالدخان الذي صدر عن تدخينه. أنا لا ألوم الحشيش ولا ألوم أم كلثوم، فقط أذكر ما حدث لي.

- وهل هذا الشكل السماعي هو ما أدى لعزوفك عنها؟

لا. ما أقصده هو أن صوتها لم يكن صوت الجماعة فقط، ولكن أيضًا الاستماع إليها كان جمعياً بالمثل، فالاستماع إليها أشبه بحدث تحتفل به الجماعات والأسر، حيث يجتمع الرجال مع "الجوزة" -فيما تجتمع النساء في غرفة أخرى- ويستمعون إليها على صوت كركرة "الجوزة"، أذكر أن صحيفة إسرائيلية كتبت في ذلك الوقت أن أم كلثوم "قطة تموء في الليل ويلتف حولها الحشاشون". إن العدو لا يقول عنك فقط ما هو كاذب لكنه يقول أيضا عنك ما هو صحيح، وأظن أن هذا كان صحيحًا.


- لطالما تحدثت عن الحي وذكرياته السماعية، فماذا كانت علاقتك بالموسيقى وفي زمن الطفولة؟

في البيت المقابل لبيتي، كانت هناك فتاة تصغرني بعام اسمها "هانم"، وكنت وقتها تلميذا في المرحلة الإعدادية، وكانت هانم هي أول تصور لي عن الحب، وكنا نقضي فترات طويلة سويا ونحن نستمع إلى الأغاني عبر الراديو، لعل تلك هي أولى حفلاتي الغنائية.

لم تكن لأبي طاقة على الاستماع إلى الغناء، بالرغم من أنه أكسبني الإحساس بجمال السماع من تلاوته اليومية للقرآن، حيث كان يجلس يوميًا بين العصر والمغرب ليتلو ما تيسر له من القرآن بصوت مرتل جميل.
أما أمي فهي التي كانت تغني، لكنها لم تغنِ الأغنيات المعاصرة وقتها، وإنما كانت تغني أغنيات قريتها، وبالتالي فإنهما "أمي وأبي" لم يفتحا لي نافذة على الغناء الدارج في تلك الأيام؛ الذي فتح لي تلك النافذة هي هانم.

- هل حاولت تعويض ذلك في بيتك عندما أسسته، أي أنك صنعت روتينًا ثابتًا للموسيقى في حياتك الشخصية؟

في الحقيقة لا يوجد لدي ما هو منظم؛ كتبي لا أعرف مواضعها.. يبدو أنني ضد النظام أساسًا وبالتالي ليس لدي الوقت للسماع، ولكن تنتابني فجأة حمى السماع لساعات وربما أيام، وفجأة أنصرف عن هذا كله إلى شيء آخر، لا أعتقد أنني أعيش على وتيرة واحدة.

- ترتبط الأغاني بالإنسان عاطفيًا، فما تلك الأغاني التي يمكن أن تقول إنها رافقتك في محطاتك العاطفية والإنسانية المهمة؟

يجرفني الحنين إذا استمعت لأغنية "شكل تاني حبك أنت" لنجاة، وأيضا أغنياتها من شعر نزار قباني وكامل الشناوي، فأغنياتها تلك من شعر نزار هي التي كانت فاتحة لي على شعره، كنت في ذلك الوقت في المرحلة الثانوية، وكنت أقرأ الشعر القديم من مكتبة المدرسة مثل شعر ابن خفاجة والمازني وانتبهت إلى شعر نزار بسبب نجاة.

- معنى ذلك أن فهمك للشعر يؤثر على تقييمك للأغنية؟

أظن ذلك..

- وهل تسمح له بأن يفسد عليك متعتك السماعية، أو أن يغير نضجك الشعري، رأيك في أغنية قديمة أحببتها؟

لا أعتقد ذلك، فما نحبه ونحن صغار يظل يلازمنا، حتى لو تجاوزناه وتفوقنا عليه فإنه يلازمنا. نحنّ إلى ذلك المستحيل: العودة إلى الماضي، فنعود إليه عبر وسائط، ومنها الاستماع إلى ما أحببناه في تلك الأيام.


- إذن من هو شاعرك الغنائي المفضل؟

أحب شعر مرسي جميل عزيز كثيرًا.

- كتب مرسي الكثير من الأغاني لأم كلثوم.

أحب أيضًا نزار قباني، ولكن حبي له لم يجعلني أستطيع الاستماع على الإطلاق إلى كاظم الساهر، بالعكس اعتقدت دائمًا أن نزار قباني شاعر رديء عندما يغني له كاظم الساهر، بينما هو شاعر جميل جدًا عندما كانت تغني له نجاة الصغيرة، وكذلك اعتقدت أن سعيد عقل شاعر جميل جداً عندما تغني له فيروز، وكامل الشناوي كان شاعرًا جميلاً أيضا بصوت عبدالوهاب ونجاة، لكنه كان عاديًا عندما غنته أم كلثوم، لأنها اختارت أغانيه الوطنية التي تعبر عن حسها الجمعي.

- ماذا عن المغنين الذين عاصرتهم من الشباب والذين أصبح يحتل بعضهم المشهد الغنائي حاليا؟

كان غناءً يطمح في أغلبه لأن يكون غناءً عامًا.

- حتى محمد منير

 حتى محمد منير، بالرغم من فولكلوره النوبي الخاص الذي قدم نفسه من خلاله، إلا أنه هو الآخر قدم غناءً عامًا.

- ما الغناء الخاص إذن؟

نموذجه هو ذلك الذي أشرت إليه بعبدالوهاب ونجاة وفيروز، وهو ذلك الغناء الذي بدأ يتراجع في زمن صعود القوميات. إن الغناء المصري عمومًا يبدو وكأنه أتى من منطقة التلاوة، تلاوة القرآن، وأم كلثوم بالتحديد أتت من مدرسة التلاوة مباشرة، وتجسد فيها هذا الغناء العام بسبب تلك المدرسة، وهي مدرسة لا تؤسس عمومًا إلا للغناء العام.

- ولكننا في السياق ذاته يمكننا أن نقيم عبدالوهاب ملحنًا جمعيًا من خلال تجربته القومية، وتجاربه الآخرى مع أم كلثوم وعبدالحليم وغيرهم. 

عبد الوهاب له عصره الذهبي، دعك من عبدالوهاب أم كلثوم، أو عبدالوهاب يوليو، وأنا أحب عبدالوهاب في عصره الذهبي وليس بعدما أصبح محترفًا يستطيع أن يتقمص دور المغني العام أو الخاص. 


- ألا تتشابه تجربة فيروز مع زياد الرحباني، مع ما تقصده بالغناء، العام ولكن بصورة معكوسة؟

تجربة زياد ليست تجربة عامة وإن احتوت على ملمح سياسي ساخر، وقد يتصور البعض أن كل ملمح سياسي يؤدي إلى صوت عام، لكن زياد الرحباني يختلف عن ذلك، فحتى في ملمحه السياسي ذلك يبدو أنه يعبر عن فرد أكثر منه جماعة.

قرأت أخيرًا في "مجلة عالم الكتاب" المصرية مقالاً حول فيروز، يصف غناءها بالغناء الذي لا يمكث في الأرض ويطير سريعًا في الهواء رابطًا ذلك بجغرافيا لبنان وإطلاله على البحر، كذلك وصفها الشاعر اللبناني عباس بيضون بمغنية الصباح، أي التي لا تصلح أغنيتها إلا لفتح شهية الناس على استقبال يومهم، لكنها ليست أغنية "السلطنة" في أخر اليوم. البعض اتهم أغنيتها بالخفة في مقابل أن تكون أغنية أم كلثوم هي أغنية الثقل، وأنا لا أعرف ما هو مقياس الخفة أو الثقل. هل الخفة تكمن في الأغنية القصيرة أم في الشعر الحداثي باعتبار أن الشعر الكلاسيكي هو الذي يمكث في الأرض. 

العرابان الرئيسيان لفيروز، بخلاف الأخوين رحباني، هما في الشعر الفصيح سعيد عقل، وفي العامي ميشال طراد، وكلاهما يعتبر نافذة على نوع من الشعر، فعقل هو الشاعر الرمزي بامتياز، الذي عندما اشتعل الشعر العربي في مصر وفي الشام بالحركة الرومانسية باعتبارها تعبيرًا عن الإحساس، كان هو منشغلاً بالرمزية التي تتعامل مع الشعر باعتباره إنشاءً  ليحتفل باللغة ويرد لها مكانتها في مواجهة اللغة الوسيلة عند الرومانسيين، عندما تختار فيروز هذا فأنا أعتقد أنها تختار شيئًا لا يتوافق مع الشعر العام.

- من خلال حديثنا تبدو ذائقتك الموسيقية غنائية بالكامل، ولكن هناك صورة رومانسية عن الأديب حول تفضيله للموسيقى الكلاسيكية عن الاستماع للأغاني.

ربما تكون تلك الصورة الرومانسية قائمة على استعراض ثقافي، وأنا لا أحب أن أمارس أي استعراض ثقافي. في كل الفنون بخلاف الشعر أنا محض متلق بسيط فأسلم نفسي لما أحبه، أما في الشعر فأنا صاحب خبرة ولو أنني كنت أتمنى أن أظل في الشعر هذا المتلقي البسيط، ولذلك فإن علاقتي بتلك الفنون أفضل من علاقتي بالشعر.



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها