آخر تحديث:12:11(بيروت)
الخميس 26/03/2015
share

محيي الدين اللباد.. الفنان في اكتمال

هشام أصلان | الخميس 26/03/2015
شارك المقال :
محيي الدين اللباد.. الفنان في اكتمال محي الدين اللباد وتوقيعه
-1-

كانت 2010 سنة لافتة، عنوانها الرحيل. أخذت معها عدداً كبيراً من الأسماء الثقيلة في الثقافة المصرية: نصر حامد أبوزيد، وفاروق عبد القادر، ومحمد عفيفي مطر، وعدلي رزق الله. ثلة من جماعة الستينيات.. ومعهم الفنان الكبير، صانع الكتب، محيي الدين اللباد، الذي مرت أمس ذكرى ميلاده الـ75. كنت أظنه أكبر عمرًا، قبل أن تلفتني لوحة جميلة على صفحة ابنه الفنان، الكبير أيضاً ومصمم الأغلفة المعروف، أحمد اللباد.

اللوحة عبارة عن مساحة بيضاء تحمل اسم اللباد الكبير، وأسفله تاريخ الميلاد والرحيل (25 مارس 1940 ـ 4 سبتمبر 2010). تصورت أن اللباد الابن صمم اللوحة لذكرى ميلاد أبيه، لكنه فاجأني بأنها، فقط، كانت توقيع الرجل. سألته عن نوع الخطّ، قال إنه ليس نوعًا محددًا، لكنه هجين خاص بالفنان الكبير، أو "الأسطى" بتعبير دقيق للتشكيلي السوري يوسف عبدلكي.

-2-

"لم أقدر على رؤية أبي وهو في نومه الأخير، رغم بياته ليلة كاملة في إحدى غرف البيت"، قلتُ مرة لأحمد اللباد.. فقال إنه، على العكس، قضى وقتًا معقولًا مع أبيه، يربت على كفّه ويمسح جبهته. هم، كما رأى، يشبهون أطفالًا نائمين.

-3-

يصحو الصغير يوميًا، على ضجيج الترام المار قرب شرفته، عند جامع السلطان حسن في قلب القاهرة القديمة، يندهش من رجل يستطيع قيادة هذا الوحش المعدني الأسطوري بصخبه وحجمه المهول. ويحلُم بأن يصبح مثله عندما يكبر، سائق ترام. غير أنه لم يستطع تحقيق الحلم، لم يستطع حتى تعلم قيادة السيارات، لكنه استطاع تعلم الرسم، ليرسم نفسه سائق ترام، والرسم طُبع في كتاب حاز جوائز عالمية.

التراث الفني الذي تركه محيي الدين اللباد، يتجاوز الكتابة والرسم والكاريكاتير والأغلفة، إلى ما اختاره لنفسه بعناية من تسمية: "صانع كتب".. ذلك أنك أمام أوراق، أتصورها صعبة الحصر، تجسد معنى حقيقياً لفلسفة العلاقات الإنسانية وأسئلتها الكبيرة، عبر حكايات مرسومة ومكتوبة، من الخيال والذاكرة في آن. عدد كبير من الكتب ذات السهل الممتنع، والحكايات المكتوبة حقًا برشاقة: "كشكول الرسم"، "ملاحظات"، "حكاية الكتاب" وكتب أخرى. خطفني منها "نظر"، الذي جمعت "الهيئة المصرية للكتاب"، منذ فترة، أجزاءه الأربعة في مجلد ضخم، بمقدمة فريدة للباد الابن. لا تستطيع فتحه، ثم تركه بسهولة.

وكان "نظر" بابًا أسبوعياً بدأ محيى اللباد تقديمه منتصف آب/أغسطس 1985، فى مجلة "صباح الخير". وكأنه عرف وقتها، أن الأمر سيتطور إلى مشروع كبير. فأنجز أربعة ألبومات ألمّت، تقريباً، بكل ما يخاطب العين والوعى في نَفْس بشرية تملك الحد الأدنى للذائقة، والاستمتاع بقراءة الكلمات، والفرجة على الرسوم والصور: "هذا الباب، وأرجو أن يظل بابًا مفتوحًا، سيكون كشكولًا عن الأعمال والنشاطات، التى تتوجه إلى العين.. لن يكون بابًا للمتخصصين، ولا نظريًا، ولا ثقيل الدم بالتعمد، ولا تعليمياً، ولا بابًا للنقد التشكيلي".

هو هذا الفن، المنشود، الذي لا يقف عند مخاطبة مستوى واحد من التلقي. صفحات متنوعة بين التشكيلي والأدبي والسياسي، صور ومقالات عن رحلات ثقافية داخل مصر وخارجها، شخصيات ثقافية مهمة، مثل صلاح جاهين وجورج بهجوري وعبدالفتاح الجمل وآدم حنين وناجي العلي، وغيرهم. يحكي عنهم اللباد من زوايا إنسانية ومهنية.

-4-

في سيرته، يتحدثون متندرين عن اعتزازه الشديد بأعماله، وخوف الأصدقاء من إبداء ملاحظة هنا أو هناك على رسم أو غلاف. بالتأكيد، هناك من كان ينصت لرأيه، وإن لم يفعل، فهو من المغفور لهم، وإن عشقنا، فعذرنا أن في وجهنا "نظر". سلام عليك وعلى كل الموهوبين الكبار في هذا العالم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها